
يقول الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إن خيار أنقرة هو حل المسائل في سوريا من دون إراقة المزيد من الدماء. لكنه لا يتخلى عن تحذير مجموعات شرق الفرات بأنها لن تأخذ ما تريده من خلال رهانها على القوى الأجنبية، وأنها بدلا من ذلك عليها تسليم سلاحها وإنهاء علاقتها بحزب العمال الكردستاني والبحث عن وسيلة للتفاهم مع دمشق.
توقيت كلام أردوغان يأتي بعد ساعات على إعلان مظلوم عبدي أن “قسد” تريد خفض التصعيد مع تركيا لكن بشرط أن يوقف حلفاء أنقرة في سوريا هجماتهم ضد كوباني. وأن الحوار مع دمشق لم يصل بعد إلى موضوع ترتيب المؤتمر الوطني السوري لأننا نريد أولا أن نكون أمام طاولة التحضير للمؤتمر والطرف الذي يشارك في توجيه الدعوات.
إلى جانب مسار الحوار السوري السوري بين دمشق و”قسد”، هناك مسار آخر يدور بين أنقرة وواشنطن في التعامل مع كثير من الملفات المتشابكة والمتداخلة التي تعني هذا الرباعي. عبدي يستقوي بتصريحات ومواقف قيادات وعواصم غربية معلنة في الأيام الأخيرة حول مسار المشهد السوري، أكثر مما يستقوي بورقة “داعش” هذه المرة. وفريق عمل أحمد الشرع يأخذ بعين الاعتبار ما تقوله أنقرة حول ضرورة سحب هذه الورقة ليس من يد “قسد” فهي سحبت منها سياسيا لصالح قوات التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن وبتخطيط إسرائيلي- فرنسي.
تتضح يوما بعد يوم الأهداف الحقيقية وبعيدة المدى لنقل آلاف الأطنان من السلاح الأميركي إلى شرق الفرات تحت ذريعة محاربة مجموعات “داعش”، والتمسك بإبقاء سجون عناصرها ومخيمات ذويهم تحت إشراف “قوات سوريا الديمقراطية”. البعض كان يريد تجنب مفاجأة إزاحة نظام الأسد، ويخطط لتحويل ذلك إلى فرصة تخدم مشروع تقسيم وتفتيت سوريا، تحت غطاء الدفاع عن حقوق الأقليات.
يحاول ماكرون تسجيل اختراقات في سوريا والمنطقة عبر الحليف الأميركي. يريد الاستقواء بواشنطن لإنشاء منطقة فاصلة/عازلة في شرق الفرات عبر إرسال قوات غربية أو عربية إلى هناك توفر الحماية لقسد
كان هدف أنقرة سحب ورقة “داعش” من يد “قسد” فتحول إلى ضرورة سحبها من يد التحالف الدولي الذي يريد نتنياهو وماكرون التأثير عليه وتوجيهه في سوريا.
تزايدت في الآونة الأخيرة الأنباء الواردة من تل أبيب والأصوات المرتفعة التي تتحدث عن خطط وتقارير استخباراتية وأمنية إسرائيلية، تستهدف وحدة سوريا وسيادتها وتتطلع صوب دعم نظام أقاليم كونفدرالية، تزيح خطر تهديد أمنها من الجانب السوري. يتراجع سيناريو بحث إسرائيل عن معاهدة سلام مع سوريا لصالح دعم حراك الأقليات هناك باتجاه إعلان كانتوناتها وإنشاء حكمها الذاتي المستقل إداريا وعسكريا واقتصاديا عن المركز في دمشق. فرنسا ماكرون المهمشة والمستبعدة عن أكثر من مشروع إقليمي استراتيجي في أكثر من مكان هي الشريك الأول لتل أبيب في محاولة من هذا النوع.
بعد تراجع نفوذ وخطر طهران وميليشياتها، وسقوط الطرح القائل إنه طالما أن إيران تتوغل في سوريا فلا بد أن تبقى “داعش” على قيد الحياة هناك، يسعى بعضهم اليوم لوضع معادلة “هيئة تحرير الشام” ومجموعات “حزب العمال الكردستاني” وخطر “داعش” ومصالح “قوات سوريا الديمقراطية” في سلة سورية واحدة. الهدف الآن هو سحب بعض الأوراق من يد تركيا اللاعب الأقوى في سوريا اليوم. المقايضات ينبغي أن تكون على هذا الأساس بحسب الطرح الإسرائيلي-الفرنسي، عند مناقشة مستقبل سوريا الجديدة.
الجميع ينتظر وصول ترمب لتحديد موقفه وخياراته حيال سيناريوهات من هذا النوع. الرد السريع المطلوب هو قمة تجمع دول الجوار السوري، تعلن رفضها ووقوفها في وجه مثل هذه السيناريوهات وقبل تسلم الرئيس الأميركي الجديد لمنصبه. غير ذلك سيدفع أنقرة لتفعيل خطوة تحريك القوات لحسم الموقف وقلب كل الحسابات الإسرائيلية الفرنسية التي تتقدم في شرق الفرات تحت شعار الدفاع عن “الأقلية ” الكردية.
من بين أهداف أنقرة في عرض خدمات إدارة سجون “داعش” سحب هذه الورقة من يد نتنياهو وماكرون بعدما كانت تخطط لسحبها من يد “قسد”. فشل أنقرة يعني أنها ستكون المتضرر الأكبر في سوريا بعد تراجع النفوذ الإيراني والروسي. لكن العديد من العواصم العربية ستكون بين الخاسرين أيضا، لأنها ستفقد رهانها على إبقاء سوريا موحدة متماسكة. كلاهما محكوم اليوم إذا برفع مستوى التنسيق والتعاون في مواجهة تهديد مصالحهما السورية والإقليمية.
من بين أهداف أنقرة في عرض خدمات إدارة سجون “داعش” سحب هذه الورقة من يد نتنياهو وماكرون بعدما كانت تخطط لسحبها من يد “قسد”. فشل أنقرة يعني أنها ستكون المتضرر الأكبر في سوريا بعد تراجع النفوذ الإيراني والروسي
ستنتظر أنقرة نتائج المحادثات الجارية بين القيادات السياسية في دمشق وبين مجموعات “قسد”. هي تريد الوصول إلى ما تريده من دون القيام بعمليتها العسكرية في كوباني لتجنب توتير علاقاتها مع العديد من العواصم الغربية. لا تريد تحديدا أن تبدأ علاقاتها مع ترمب وسط أجواء توتر بسبب الملف السوري وبسبب ما يجري في شرق الفرات. تريد تحقيق أهدافها عبر الحوار الدائر بين السوريين أنفسهم. لكن الشق المتعلق بداعش ومصير السجون والمعتقلات ترجح بحثه مع الجانب الأميركي. العقبة هي فرنسية بالدرجة الأولى. هناك تصفية حسابات تركية فرنسية منذ سنوات ولم تحسم بعد في ملفات الطاقة وشرق المتوسط والدعم الفرنسي اللامحدود لليونان وقبرص اليونانية والهزيمة التي ألحقتها أنقرة بحليف باريس الأرمني في جنوب القوقاز، ونجاح تركيا بإخراج فرنسا من أكثر من بقعة في القارة السمراء لصالح التقدم والانتشار الاستراتيجي هناك.
بالمقابل يحاول ماكرون تسجيل اختراقات في سوريا والمنطقة عبر الحليف الأميركي. يريد الاستقواء بواشنطن لإنشاء منطقة فاصلة/عازلة في شرق الفرات عبر إرسال قوات غربية أو عربية إلى هناك توفر الحماية لقسد. يريد تلقين السوريين دروسا في إعداد دستورهم الجديد، بخبرة فرنسية كما حدث مع الدستور اللبناني والميثاق الوطني الذي دعمت فرنسا ولادته عام 1943 وقبل انسحابها العسكري من لبنان، عبر نظام طائفي تحاصصي تسبب في خوض اللبنانيين لحربين أهليتين ويتم اعتماده في سوريا هذه المرة. فهل يمنحه ترمب هذه الفرصة وهو يعلم جيدا أن ماكرون هو الذي قاد الحملات ضد حلف الأطلسي والهيمنة الأميركية عليه، ودعا لبناء التحالف العسكري الأوروبي كمحور عالمي ثالث مستقل عن المظلة الأميركية.
لافت طبعا أن تتحدث باريس عن نموذجها في دعم الحريات وحقوق الإنسان والعدالة، لكنها تتجاهل الشق القانوني في ملف داعش وإنشاء هذه السجون والمعتقلات فوق الأراضي السورية بإشراف حليف محلي لها. ما الذي ستقوله فرنسا عندما تقرر السلطة السياسية السورية الجديدة استرداد سيطرتها وفرض سيادة الدولة على كامل الأراضي السورية وسحب ورقة “داعش” من يد “قسد” والحليف الغربي لها. لا بل ما الذي سيفعله ماكرون إذا ما أصرت تركيا على حسم موضوع “داعش” والسجون لصالح دمشق وأن تدعمها في حل هذه المعضلة بشقيها القانوني والتقني وتسليم المعتقلين لبلدانهم الأصلية؟
المصدر: تفزيون سوريا