
اتفقت كثير من التقديرات أن تركيا هي أحد أكبر الأطراف الخارجية الرابحة بعد انهيار نظام بشار الأسد في سوريا، وقد ظهرت مؤشرات ذلك من تصريحات القادة الأتراك والسوريين في الإدارة الجديدة كما أن زيارات مسؤولين كبار في الدولة التركية مثل رئيس المخابرات إبراهيم كالن ووزير الخارجية هاكان فيدان لدمشق، ولقاءاتهم الدافئة مع أحمد الشرع قائد الإدارة الجديدة أعطت كثيرا من الرسائل التي تؤكد حضور تركيا الكبير والمتقدم على كثير من الأطراف الأخرى في سوريا الجديدة.
دعم بناء الدولة
ما من شك أن سوريا تحتوي على طاقات كبيرة ومؤهلة ستسهم في عملية إعادة بناء الدولة السورية وإعادة الإعمار بعد حرب خلفت دمارا كبيرا وهنا تقدم تركيا نفسها داعما كبيرا في جميع المجالات ومن الواضح أن هناك تعليمات لجميع الوزارات في تركيا لتقديم خطط التعاون في المرحلة القادمة ويجدر الإشارة أن تركيا قدمت الدعم لعدة دول قبل ذلك وأسهمت في إصلاح قطاع الأمن في ليبيا وساعدت الصومال في إعادة بناء دولته في الوقت التي تخلت عنه معظم دول العالم.
وقد نشرت تقارير كثيرة عن وزارات تركية من التعليم إلى الدفاع إلى الصحة تفيد باستعدادها للتعاون وعلى سبيل المثال قالت وزارة الدفاع التركية أنها ستدعم بشكل كامل تأسيس جيش سوري موحد وأكدت على أهمية التعاون الدفاعي بين الطرفين واستعدادها لتقديم خبراتها في مجال الصناعات الدفاعية ومن المتوقع أن تسهم تركيا هنا في بناء هيكل أمني وعسكري مستقر في سوريا.
المجتمع المدني السوري
استقبلت تركيا عددا كبيرا من اللاجئين السوريين ومع أن العملية لم تكن وردية ودخلت في عملية الاستقطاب الحزبي قبيل كل انتخابات منذ 2014 وتصاعدت إلى ذروتها في 2023، إلا أن اللاجئين السوريين في تركيا اندمجوا في المجتمع التركي واستفادوا بالتأكيد من تجارب كثيرة وعلى رأسها تجربة المجتمع المدني التي تعد تركيا صاحب تجربة كبيرة فيها منذ الدولة العثمانية ومن المرجح أن ينقل السوريون الذين عاشوا في تركيا وفي غيرها كثيرا من التجارب الإيجابية إلى المجتمع السوري الذي عانى من التضييق على مدار عقود طويلة وهو الأمر الذي سيسمح للمجتمع المدني للعمل بشكل قوي جنبا إلى جنب مع الإدارة الحكومية الرسمية.
عودة اللاجئين
كانت قضية اللاجئين السوريين ملفا حاضرا في الشأن التركي الداخلي بقوة وسيكون لمعالجة هذه القضية بطريقة متوافق عليها من الطرفين السوري والتركي مصلحة للطرفين إذ تعتبر الحكومة التركية الآن أن موقفها السياسي باستقبال اللاجئين وصولا إلى سقوط النظام أضاف إلى رصيد إنجازاتها وأفقد المعارضة ورقة لطالما لوحت بها ضد الحكومة في مشهد استقطابي قبيل كل انتخابات ومن المرجح أن تقوم تركيا بتسهيل عودة اللاجئين فقد تم الإعلان عن تخصيص معابر حدودية وإجراءات مرنة.
الأمن
إن وجود حليف لتركيا في دمشق يعني تخفيف مخاوف أنقرة الأمنية بشكل كبير وتقوية يدها وهذا يجعلها أكثر شجاعة في تحدي الضغوط الدولية وخاصة من الغرب عليها في قضايا عديدة
كان أكبر هاجس أمني لتركيا هو إمكانية دعم دول كبرى لمشروع “دولة كردية” على حدودها وإن وجود حليف لتركيا في دمشق يعني تخفيف مخاوف أنقرة الأمنية بشكل كبير وتقوية يدها وهذا يجعلها أكثر شجاعة في تحدي الضغوط الدولية وخاصة من الغرب عليها في قضايا عديدة وعدم استخدام هذا الملف للي ذراع أنقرة في المستقبل.
التاريخ
إذا نظرنا إلى جيران تركيا سنجد عاملا مشتركا من التهديدات والعداءات والحروب والتنافس ويبرز في هذا السياق كل من اليونان وإيران أرمينيا ومن ثم العراق و سوريا وإن كان بدرجة أقل. وبعبارة أخرى لم يكن هناك أصدقاء لتركيا من بين جيرانها، ولهذا فإن وجود سوريا صديقة لأنقرة سيخلق راحة كبيرة لتركيا خاصة مع حدود طويلة بين سوريا وتركيا.
ستسعى تركيا لدعم الدولة الجديدة في سوريا بشكل كبير وهي تحاول فعل ذلك من دون استفزاز لدول أخرى ولكن مع ذلك لايمكن استبعاد التحديات التي ستواجه هذه العلاقة التعاونية الجديدة في منطقة لطالما احتوت على كثير من الأزمات بين جيرانها أسهمت أطراف خارجية عديدة في إذكائها. وفي لحظة من التاريخ خرجت هذه العلاقة بطريقة مختلفة معاكسة لتصميم قديم وبالتأكيد سيكون هناك تضييق لمنع سوريا من استعادة دورها القيادي في المنطقة ولكن يبدو أن الزخم التاريخي والحضاري برغم كل التبعات سيكون أقوى من أي تضييقات.
المصدر: تلفزيون سوريا