الثورة الحلم العابرة للحدود والقارات

عبد الناصر اسماعيل

إنها ثورة 23 يوليو التي فجرها تنظيم الضباط الأحرار بقيادة جمال عبد الناصر هؤلاء الضباط الذين نذروا أرواحهم لتلك المهمة العظيمة التي لم تكن تتجاوز نسبة نجاحها إلا أقل القليل مقارنة بنسبة فشلها والذي ستكون أرواحهم ثمنا له.. وكان عليهم الاختيار الصعب جدا فاختاروا بشجاعة الأبطال التحرك والقيام بهذه المهمة المستحيلة على الاستسلام والخنوع والاستكانة للواقع المرير الذي تعيشه مصر في ظل احتلال يتحكم بكل مفاصل الحياة السياسية والاقتصادية ويفرض ما يراه مناسبا لمصالحه وأهدافه وأطماعه ويأخذ مصر وتاريخها وشعبها ومقدراتها أسرى له .. لم يقبل هؤلاء الابطال استمرار هذا الواقع المهين ولم يقبلوا أن تكون مصر التاريخ والحضارة العظيمة رهينة ولعبة وأسيرة للمحتل ولا أن يكون ملكها بهذا الضعف والخنوع والذل والاستسلام والفساد.. جلس هؤلاء الابطال وانتهوا الى قرار وهو أن المهمة تستحق كل هذا الثمن وهذه التضحية من أجل الحلم والهدف الذي طالما حلموا به وسعوا الى تحقيقه والذي هو أيضا حلم كل مصري حر .. في ليلة 23 يوليو تحرك الابطال وأرواحهم على أكفهم حسب الخطة المتفق عليها وكانت المفاجأة الكبيرة بأنهم نجحوا.. نعم نجحوا وسيطروا على أهم مراكز القوة الحساسة في الدولة والجيش وشلوا أي حركة مضادة من الممكن أن تهدد نجاحهم والمفارقة الجميلة والرائعة بتلك المهمة كانت بأنه تكلل نجاحها ووصولها الى هدفها دون سفك دماء.. وبزغ فجر يوم 23 يوليو واستفاق الشعب المصري على أصداء تلك الثورة والتف حولهم ودعمهم وساندهم وكيف لا يلتفون والحلم يتحقق والخلاص من عهد الظلم والاستعباد والفساد يتحقق وكيف لا يساندون تلك الثورة وهؤلاء الضباط هم أبناءهم الذين خرجوا من بين صفوفهم ليقودوا تلك الثورة وينهوا بها عقودا من الذل والرضوخ والتبعية والفساد..
بدأت هذه الثورة الوليدة رحلتها الشاقة والطموحة لتحقيق أهدافها الكبيرة على الصعيدين الداخلي والخارجي المتمثلة بـ:
انهاء الحكم الملكي الالباني الوراثي الذي دام قرنا ونصف القرن.
القضاء على الاقطاع وسيطرة رأس المال.
انهاء عهد الاستعباد والذل والاستغلال.
إقامة عدالة اجتماعية وتحقيق تكافؤ الفرص وتذويب الفوارق الطبقية الشاسعة في المجتمع.
تحقيق جلاء الاستعمار عن مصر الذي استمر لـ 74 عاما.
تحقيق السيادة والاستقلال وانهاء التبعية والارتهان للخارج.
تأميم قناة السويس وتلك قصة مليئة بالكفاح والنضال والبطولة والشجاعة التي كانت إلهاما لكل الشعوب التواقة للسيطرة على مواردها والتحرر من قبضة الاستعمار.
بناء السد العالي الذي صنفته الامم المتحدة عام 2000 كأحد معجزات القرن العشرين وكأعظم مشروع هندسي وتنموي لأهميته العظيمة لمصر وشعبها ولمساهمته الكبيرة في عملية التنمية التي حققتها ثورة يوليو.
زيادة الرقعة الزراعية ودخول الكهرباء للمدن والقرى.
إقرار مجانية التعليم للقضاء على الامية والشروع ببناء المدارس والجامعات في المدن والقرى.
إنشاء معرض القاهرة الدولي للكتاب.
تطوير الأزهر وتحويله الى جامعة عصرية تدرس كل العلوم.
إنشاء مدينة البعوث الاسلامية التي استقطبت عشرات الالاف من الطلاب الافارقة والاسيويين وساهمت في نشر الدين الاسلامي.
انشاء إذاعة القرآن الكريم وترجمته الى كل لغات العالم وتسجيله على اسطوانات.
إقرار مجانية الصحة لتكون حقا لكل مواطن.
إقرار نظام العمل والتأمين على الحقوق والمعاشات للعمال والموظفين.
اقرار قانون انتخابي عام 1956 يعطي المرأة حق الانتخاب والتصويت والترشح بعد أن كان محظورا عليها ذلك في العهد السابق ودخلت البرلمان لأول مرة في تاريخ مصر عام 1957 كما تم تعيينها أول وزيرة 1962.
دعم الثقافة والفن وتطويرها والتوسع بها.
انشاء التلفزيون في الجمهورية العربية المتحدة 1960.
بناء قاعدة صناعية ضخمة جدا حيث بنت ما يزيد على 1200 مصنع منها مصانع استراتيجية ساهمت في رفع مستوى التنمية بشكل كبير حيث خلقت فرص عمل كثيرة و ساهمت في القضاء على البطالة ورفعت مستوى الانتاج لمستويات قياسية وبفضل تلك القاعدة حققت مصر نسبة نمو 7% كانت تضاهي الدول المتقدمة وذلك حسب تقرير البنك الدولي.
بلغت قيمة القطاع العام الذي بناه المصريين بقيادة ثورة يوليو وقائدها جمال عبد الناصر بـ 1400 مليار دولار بتلك الأثناء حسب تقديرات البنك الدولي وليس حسب تقدير مؤيدي ثورة يوليو ولا محبي قائدها ولا حسب تقديرات الناصريين..
تأسيس هيئة الطاقة الذرية عام 1955 وبدأ تشغيل مفاعل أنشاص النووي عام 1961.
بناء جيش وطني وتسليحه وكسر احتكار السلاح.
تزعمت مصر الوطن العربي والقارة الافريقية.
دعمت مصر كل حركات التحرر العربية والعالمية وأصبحت منارة وقاعدة ومحجا لكل ثوري في العالم وساهمت في استقلال وتحرر كثير من البلاد العربية والافريقية وأمريكا اللاتينية والأدلة على ذلك جاءت على لسان قادة تلك الحركات الثورية .
أصبحت مصر قوة إقليمية ودولية لها وزنها وحضورها ونفوذها وقوتها على مستوى العالم.
أسست مصر حركة عدم الانحياز بمشاركة دول اخرى عندما تعاظمت سياسة القطبين.
تحقيق حلم الوحدة السورية المصرية 1958 الذي لم يستطع الصمود والاستمرار أمام المؤامرات الخارجية والداخلية التي ما كانت لتسمح باستمرار هذا المشروع التي رأت بأنه سيتمدد ليشمل بلادا عربية أخرى والذي يحقق قوة الأمة ونهضتها.. ولكن هذا لا يعني عدم وجود أخطاء تخللت تلك التجربة العظيمة والتي هدفها واستمرارها كان يجب أن يتغلب على أية سلبيات أو أخطاء مهما كانت لأن حجم المؤامرات والمخططات لإسقاطها يفسر ذلك.
إن هذه الرحلة الشاقة التي بدأتها ثورة 23 يوليو والتي تخللتها تلك الانجازات والتي لا تتسع المقالة الى ذكرها كلها والوقوف على تفاصيلها.. لا يعني أبدا بأنه لم يكن هناك سلبيات وعثرات ومطبات وانكسارات فالعمل والكفاح والنضال ومواجهة العدو والتصدي للمؤامرات والمخططات الخارجية التي لم تتوقف يوما على وطننا العربي بالتأكيد كل ذلك سيتخلله أخطاء وعثرات وانكسارات لأن التجربة البشرية لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تخلو من ذلك أبدا وكذلك مواجهة العدوان بالتأكيد سيتخللها نصر أحيانا وهزيمة في حين آخر.. وليس ذكر السلبيات في مقالنا هروبا منها أو خجلا منها ولكن لأنها لا تساوي شيئا يذكر أمام تلك الانجازات العظيمة في تلك الظروف التي كان يعيشها وطننا العربي كله والتي كانت محيطة به .. وأما عن الانكسارات فكان أكبرها وأعظمها بلا شك هي نكسة 1967 التي كانت بمثابة فاجعة وكارثة كبيرة للشعوب العربية كلها و التي كانت تحمل أكثر من ذلك لجمال عبد الناصر والتي تسببت له بصدمة وألم ووجع وانكسار لا يمكن احتماله مما دفعه للتنحي عن السلطة وعن أي دور سياسي .. وتجدر الإشارة هنا الى أنه لم يكن هذا الموقف منه من قبيل الاستسلام ولكنه كان من قبيل تحمل المسؤولية كلها ( لا نصفها ولا جزءا منها ) كما اعترف وتحملها هو بنفسه .. إلا أن الشعب المصري والشعوب العربية كلها ذُعرت وانتفضت من صدمتها القاتلة والمفجعة التي سببتها تلك النكسة وهو يعلن التنحي لتخرج الى الشارع في مشهد لا يمكن وصفه لتعلن أنها متمسكة بزعيمها وقائدها وملهمها ومحررها وباني عزتها وكرامتها ومصممة على استمرار الكفاح والنضال والصمود تحت قيادته وزعامته رافضة الاستسلام رغم الهزيمة ورغم تحمله للمسؤولية كلها تطالبه بالعدول عن ذلك ومواصلة المشوار وكان لهذه الجماهير ما أرادات وعاد نزولا عند رغبتها وبدأ بإعادة البناء من جديد آخذا كل اعتبارات الفشل السابق وأخطائه الذي أدى لتلك النكسة الكبيرة ومن ثم بدأ حرب الاستنزاف ( الثلاث سنوات ) والتي كانت حربا اعترف بضراوتها وانتصاراتها العدو نفسه والتي كانت أيضا تدريبا و تمهيدا للحرب الفاصلة التي كان يخطط لها ولكن العمر لم يسعفه لتحقيق ذلك .. لقد كانت علاقة الجماهير بقائد ثورة يوليو علاقة فريدة وخاصة لا تشبهها أي علاقة في أي مكان آخر.. هذه الثورة التي كانت أهدافها وأحلامها هدف وحلم الكثيرين الذين يرزحون تحت نير الاستعمار والظلم والاستعباد والاستغلال والفساد وكانت لهم منارة في ثوراتهم لتحرير أوطانهم واستقلالها.. ونحن لا نقول هذا الكلام من باب الترف والمبالغة والانبهار بتلك الثورة او من باب تقديسها وتقديس قائدها وإنما نقوله بالوقائع والدلائل والوثائق التي تم الكشف عنها وأيضا أحداث التاريخ ومساراته وشهوده في تلك الحقبة المشرقة والجميلة والعاصفة رغم انكساراتها .. ونأتي إلى نقطة مهمة وهو أنني أريد أن أقول لمن يحب أو يتعمد أن يصفها أو يعتبرها انقلاب بأن الانقلاب يكون انقلابا عندما يحدث على حكومة شرعية منتخبة أو رئيس منتخب وليس على حكم ملكي وراثي تابع وفاسد بكل المقاييس وغير مصري مارس كل مظاهر الترف والبذخ واستمتع بها على حساب المصريين وحقوقهم والذي أيضا دام قرنا ونصف القرن.. وأخيرا و بالنظر لما حققته ثورة يوليو من تحولات كبيرة نستطيع القول بأنها لم تكن ثورة سياسية فقط وإنما كانت ثورتين بآن معا ثورة سياسية وثورة اجتماعية وأيضا كانت ثورة عابرة للحدود والقارات وهذا سر عظمتها وتميزها وتجدر الإشارة هنا الى أن تقييم تلك الثورة العظيمة والحكم عليها والنظر لها يجب أن ينطلق من الظروف التي كانت تعيشها منطقتنا والوضع السياسي القائم والمحيط بها آنذاك.. وفي الختام أوجه تحية الشرف والعزة والكرامة والكبرياء للتنظيم الذي فجرها ولقائدها الزعيم جمال عبد الناصر حبيب الملايين من المحيط الى الخليج والذي جاد بأنفاسه الاخيرة وهو يخدم وطنه وأمته العربية.

اترك تعليقاً
7+

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى