فخ استراتيجية مكافحة التمرد في غزة

كولن ب. كلارك

في أوائل شهر يناير (كانون الثاني)، أعلن الجيش الإسرائيلي أنه سيبدأ بسحب بعض قواته من قطاع غزة، وخلال الأسابيع القليلة المقبلة، من المتوقع أن تغادر غزة خمسة ألوية تتألف من بضعة ألوف من الجنود. لكن هذه الخطوة، عوضاً عن كونها إشارة إلى نهاية القتال، كانت تنبئ على الأرجح بمرحلة جديدة في صراع إسرائيل ضد “حماس”. وما بدأ كحرب تقليدية في الأساس قد يتحول إلى شيء مختلف تماماً: حملة لمكافحة التمرد.

فبدلاً من الاستمرار في الأساليب الحالية المتمثلة في تحركات القوات على نطاق واسع، والقصف الجوي المكثف، والقتال واسع النطاق الذي ميز الصراع حتى الآن، فإن التحول نحو استراتيجية مكافحة التمرد سيعتمد أكثر على قوات العمليات الخاصة، والضربات الدقيقة، والغارات الموجهة. وتهدف هذه الاستراتيجية إلى قيام الجيش الإسرائيلي بالحفاظ على سيطرته على المناطق بمجرد تأمينها من مقاتلي “حماس”. وأوصى الجنرال المتقاعد بالجيش الأميركي ومدير وكالة المخابرات المركزية السابق ديفيد بتريوس إسرائيل بهذا التكتيك في غزة، وهو ما يتلخص في نصيحته خلال خطاب ألقاه في الـ30 من نوفمبر (تشرين الثاني): “لا تكتفوا بإخلاء المناطق ومن ثم المضي قدماً”. وهو في ذلك يكرر المبدأ الذي كان محورياً في الحملة الأمريكية التي قادها لمكافحة التمرد في العراق، التي لخصها الشعار: “نظف، سيطر، وابني”. [أي تطهير الأراضي من مقاتلي “حماس”، ثم السيطرة على هذه الأراضي لمنع عودة المقاتلين لها، ثم بناء الخدمات الأساسية والبنية التحتية فيها من أجل تجنب ظهور أي تمرد من جديد].

لكن قول ذلك أسهل من فعله. في الواقع، تشير البحوث التي أجريت حول حملات مكافحة التمرد السابقة إلى أن مثل هذا النهج في غزة قد يغرق الجيش الإسرائيلي في مستنقع يمكن أن يستمر لسنوات عديدة. في المقابل، ستتكيف “حماس” مع واقعها الجديد من خلال الاعتماد على شبكة أنفاقها تحت الأرض، واستخدام البنية التحتية المدمرة لصالحها، والاستفادة من أكوام الركام الهائلة الموجودة الآن في مختلف مدن غزة لإخفاء تحركاتها وعبواتها الناسفة. إضافة إلى ذلك، قد تبدأ “حماس”، إلى جانب الجماعات الإرهابية الأخرى داخل غزة، في استخدام مهاجمين انتحاريين ضد الجنود الإسرائيليين الذين يقومون بدوريات راجلة.

وفي بسيط العبارة، فإن تطبيق رؤية بتريوس لمكافحة التمرد في غزة سيكون بمثابة كارثة بالنسبة إلى الجيش الإسرائيلي. وسيقدم الفلسطينيون وغيرهم مزاعم مشروعة بأن إسرائيل تعيد احتلال الأراضي. علاوة على ذلك، قد تسهم الغارات ونقاط التفتيش في زيادة تطرف المدنيين في غزة. وستستغل “حماس” الوضع لكي تهمش الأصوات الفلسطينية الأكثر اعتدالاً، وتحث على انتفاضة واسعة النطاق من شأنها أن تودي بحياة مزيد من الجنود الإسرائيليين ومزيد من المدنيين الفلسطينيين، وتحفز الأعضاء الآخرين في ما يسمى بمحور المقاومة التابع لإيران لشن هجمات على أهداف في إسرائيل وأماكن أخرى. وعوضاً عن وضع حد للعنف، فإن حملة مكافحة التمرد في غزة قد تؤدي إلى اندلاع حرب أبدية.

الأهداف السياسية: في عداد المفقودين

لا يزال الهدف النهائي لإسرائيل في غزة غير معروف، ولكن هناك دلائل تشير إلى أن الاحتلال المطول المقترن بنهج مكافحة التمرد قد يشكل المرحلة التالية من القتال. وتلمح تصريحات القادة الإسرائيليين إلى نية إسرائيلية لوجود طويل الأمد في غزة من دون تحديد أي إطار زمني للانسحاب. في حديث لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في الـ30 من يناير (كانون الثاني) داخل مستوطنة إسرائيلية في الضفة الغربية، أعلن أن الحرب ضد “حماس” لن تنتهي قبل أن تحقق إسرائيل جميع أهدافها، مضيفاً “لن نسحب الجيش الإسرائيلي من قطاع غزة، ولن نطلق سراح آلاف الإرهابيين. لن يحدث أي من ذلك. ما الذي سيحدث إذاً؟ النصر المطلق”. وفي الرابع من يناير، صرح وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت أن حملة الجيش الإسرائيلي العسكرية “باقية طالما أنها تعتبر ضرورية”. وقال هرتسي هاليفي، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، إن الحرب في غزة ستستمر “لأشهر عدة”. ولكن إذا تبنت إسرائيل نهج مكافحة التمرد، فمن الممكن أن تتغير المدة بسهولة من أشهر إلى سنوات.

وحتى من دون أن تتقصد إسرائيل ذلك، فقد تجد نفسها متجهة نحوه عن غير قصد. هذا ما حدث للولايات المتحدة في فيتنام، والعراق، وأفغانستان، حينما أدى الابتعاد عن الغايات المنشودة إلى استبدال الأهداف المحدودة بأخرى أكثر غموضاً وأكثر طموحاً. على سبيل المثال، في أفغانستان، كانت نية الولايات المتحدة عند بدء الحرب تدمير تنظيم القاعدة، لكنها وجدت نفسها في النهاية تحاول إعادة بناء الدولة. وفشلت واشنطن في نهاية المطاف في تحقيق أي من النتيجتين. إن المستنقع الذي يواجه إسرائيل في غزة اليوم يمكن أن ينتهي بالطريقة ذاتها، أو قد يصبح مشابهاً لما اختبرته إسرائيل نفسها في جنوب لبنان، عندما استمرت الحملة التي بدأت في عام 1982 بهدف القضاء على مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية لما يقرب عقدين من الزمن تقريباً. وفي نهاية المطاف، انسحبت إسرائيل فجأة في عام 2000 من دون إزالة التهديد الذي يمثله المقاتلون الفلسطينيون. إضافة إلى ذلك، أسهم الاحتلال الإسرائيلي للبنان، الذي دام قرابة عقدين من الزمن، في ظهور عدو جديد، “حزب الله” اللبناني، وهو الخصم اللدود الذي يواصل تحدي إسرائيل حتى اليوم.

وفي الوقت نفسه، لدى نتنياهو أيضاً حافز شخصي لإطالة أمد الحرب، إذ أصبح من الواضح أن عدداً كبيراً من الإسرائيليين يرغب في قيادة سياسية جديدة بمجرد انتهاء الصراع في غزة. وفي مقالة افتتاحية يوم عيد الميلاد في صحيفة “وول ستريت جورنال”، أعلن نتنياهو أن المتطلبات الأساسية للسلام بين إسرائيل والفلسطينيين تتلخص في “ضرورة تدمير ’حماس‘، ونزع السلاح من غزة، واستئصال التطرف من المجتمع الفلسطيني”. والجدير بالذكر أن تحقيق أي من هذه الأهداف، ناهيك عن الأهداف الثلاثة جميعها، سيتطلب التزاماً كبيراً من القوات يمتد لسنوات عدة في كل من غزة والضفة الغربية، وعلى رغم ذلك لن يكون النجاح مضموناً.

بعد مرور أربعة أشهر على الحرب، بدأ صبر بعض أعضاء القيادة العسكرية الإسرائيلية ينفد بسبب غياب هدف سياسي نهائي متماسك. في يناير، أعرب غالانت عن إحباطه لعدم وجود خطة تحدد مسار الصراع بعد “تدمير حماس”، قائلاً: “من واجب مجلس الوزراء والحكومة مناقشة الخطة، وتحديد الهدف”.

نصر تكتيكي وهزيمة استراتيجية

إذا تبنى الجيش الإسرائيلي نهج مكافحة التمرد في غزة، فسيتعارض ذلك مباشرة مع التوصيات السياسية لإدارة بايدن، التي حذرت إسرائيل، منذ بداية الصراع، من احتلال غزة بعد الحرب أو ارتكاب أخطاء مماثلة لتلك التي ارتكبها الجيش الأميركي بعد الـ11 من سبتمبر (أيلول). وتضغط واشنطن على نتنياهو للتخفيف من حدة الحملة العسكرية الإسرائيلية، بسبب قلقها في شأن مقتل أكثر من 26 ألف فلسطيني، من بينهم كثير من النساء والأطفال. وأشار وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن في أوائل ديسمبر إلى أنه ” في هذا النوع من القتال، يكون السكان المدنيون هم مركز الثقل. وإذا دفعتهم إلى أحضان العدو، فإنك تستبدل النصر التكتيكي بهزيمة استراتيجية”.

بعد حوالى أربعة أشهر من القتال في غزة، أصبح من الواضح أن إسرائيل لا تملك استراتيجية سياسية محددة لما سيحدث بعد ذلك. وأعرب نتنياهو عن معارضته لفكرة استعادة السلطة الفلسطينية السيطرة على غزة، وهو ما يتعارض مع موقف إدارة بايدن. في المقابل، لا تزال الدول العربية مترددة في إرسال أي جنود إلى قوة حفظ السلام، وهذا يعني على الأرجح أن إسرائيل سينتهي بها المطاف بالحفاظ على الأمن في غزة بينما تستعد “حماس” وغيرها من الجماعات الفلسطينية المسلحة لصراع طويل الأمد وأقل حدة. في هذا السيناريو، ستواجه إسرائيل متمردين فلسطينيين ينفذون هجمات بأسلوب الكر والفر، وينصبون كمائن مميتة، ويستخدمون قناصة متمركزين تحت أنقاض المباني المهدمة. لقد دمر جيش الدفاع الإسرائيلي جزءاً كبيراً من غزة، وقضى على بنيتها التحتية بغارات جوية مستمرة. في الواقع، تخلق هذه التضاريس المدمرة بيئة مواتية للمتمردين، وتوفر لهم أماكن جديدة لإخفاء المقاتلين والأسلحة. وتضاف إلى هذه المخابئ الجديدة شبكة الأنفاق الجوفية الواسعة الشبيهة بالمتاهة والتابعة لـ”حماس” والممتدة تحت قطاع غزة.

ومع ذلك، إذا احتل الجيش الإسرائيلي غزة وانتقل إلى مهمة مكافحة التمرد، فسيصب ذلك في مصلحة “حماس”. في الواقع، أكثر ما يرغب فيه قادة الحركة هو الحصول على فرصة لإطالة أمد القتال، ومواصلة قتل الجنود الإسرائيليين، وتسليط الضوء على حصيلة القتلى من المدنيين الفلسطينيين في حملتهم الدعائية. وستنتهج “حماس” ضد إسرائيل استراتيجية “الموت البطيء”، وهي محاولة ترمي إلى استنزاف قوات الجيش الإسرائيلي تدريجياً وببطء إلى أن يطالب الشعب الإسرائيلي بانسحابها، وعند هذه النقطة ستعلن “حماس” النصر. ومن الممكن أن يشهد الصراع تطورات تذكر بالتجربة التي خاضتها الولايات المتحدة في أفغانستان، إذ انتظرت حركة طالبان بصبر لمدة عقدين من الزمن انسحاب الولايات المتحدة ثم استعادت السيطرة على البلاد بسرعة. وفي غزة، ستستخدم حركتا “حماس” والجهاد الإسلامي، وهذه الأخيرة هي جماعة مسلحة أخرى ناشطة هناك، الأجهزة المتفجرة يدوية الصنع ومجموعة من الأسلحة المضادة للدبابات والصواريخ المحلية الصنع للقضاء على الدوريات الإسرائيلية التي تستخدم آليات مدرعة. ومن خلال الاختلاط مع السكان المدنيين، فإن “حماس” ستتسبب في إثارة هجمات تسفر حتماً عن وقوع النساء والأطفال الفلسطينيين في مرمى النيران المتبادلة.

واستطراداً، قد تكون “حماس” بصدد الانتقال إلى مرحلة التخطيط للتمرد، ويبدو أن الحركة تحاول إعادة بناء نظام حكم يستلم فيه المسلحون مهمات متعلقة بالإدارة وحفظ الأمن في جميع أنحاء غزة. وفي الوقت نفسه، وبناء على أوامر من قادة الجيش الإسرائيلي، أضرم بعض الجنود النار في المنازل المهجورة في غزة، فجعلوها غير صالحة للسكن، مما يدل على أن إسرائيل ليس لديها أية نية في إرفاق نهجها العسكري بحملة ترمي إلى “الفوز بالقلوب والعقول”. ومع تجمع قوات الجيش الإسرائيلي في ثكنات صغيرة في مختلف أنحاء غزة، وعدم بذل أي جهد للتفاعل مع السكان المحليين، فإن القوات الإسرائيلية ستصبح هدفاً مغرياً لهجمات “حماس”. ويخاطر المسؤولون الإسرائيليون، وخصوصاً نتنياهو وحلفاؤه اليمينيون المتطرفون، بحدوث عواقب وخيمة من خلال إغفال الأبعاد السياسية لهذا الصراع. والجدير بالذكر أن إسرائيل، بتجاهلها الكامل للمظالم الفلسطينية المشروعة، ستقدم لـ”حماس” فرصة ملء فراغ السلطة وترسيخ وجودها بشكل أكبر في غزة.

هذه دروس سبق وأن تعلمتها إسرائيل من تجربتها في لبنان، وحتى من احتلالها السابق لغزة، الذي أدى في النهاية إلى انسحاب إسرائيل من القطاع في عام 2005. ولكن الأعضاء اليمينيين المتطرفين في الحكومة الإسرائيلية يتمتعون حالياً بنفوذ هائل ويدفعون نتنياهو إلى التفكير في احتلال غزة إلى أجل غير مسمى، ويقولون إن إسرائيل يجب أن تفعل ذلك في ظل عدم وجود أية حكومة فلسطينية مناسبة.

لا نهاية تلوح في الأفق

إذا تبنت إسرائيل الاستراتيجية المذكورة أعلاه، فمن الأفضل أن تستعد لاشتباك طويل الأمد. من خلال التحليل الذي أجريته بنفسي مع باحثين آخرين في مؤسسة “راند”، لدراسة كل حركات التمرد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وصولاً إلى عام 2009 (71 في المجموع)، اكتشفنا أن متوسط المدة الزمنية لهذه الصراعات كان 10 سنوات. عندما يتمتع المتمردون بدعم خارجي من دولة راعية، كما هو وضع “حماس” مع إيران، فغالباً ما يؤدي ذلك إلى إطالة أمد التمرد لأن الراعي قادر على تزويد الجماعات المقاتلة بالأسلحة والمعدات والتدريب والاستخبارات. خلال الحرب الباردة، قدم الاتحاد السوفياتي والصين الدعم للمتمردين المدعومين من الشيوعيين في أنغولا، واليونان، وجنوب أفريقيا، وفيتنام، على سبيل المثال لا الحصر. ومن جانبها، عملت الولايات المتحدة على مساعدة المجاهدين الأفغان ضد الجيش الأحمر السوفياتي في أفغانستان طوال فترة الثمانينيات من القرن الماضي. وفي معظم هذه الحالات، كان الدعم الخارجي أساسياً لتعزيز قدرة المتمردين على مواصلة القتال لفترة أطول بكثير مما كانوا سيفعلون من دون هذا الدعم، وأدى ذلك إلى خروجهم منتصرين في كثير من الأحيان.

وحتى الآن، تزعم إسرائيل أنها قتلت ما يقرب من 9 آلاف مقاتل من “حماس” من أصل ما يقدر بنحو 30 ألف مقاتل، على رغم أن هذه الأرقام غير مؤكدة ولم يتحقق منها. وحتى مطلع فبراير (شباط)، ظلت “حماس” تحتفظ بالقدرة على إطلاق الصواريخ على إسرائيل. وهذا يعني أن تل أبيب، على رغم جهودها العسكرية المكثفة في غزة، ليست قريبة على الإطلاق من تحقيق هدفها المتمثل في القضاء على “حماس”. علاوة على ذلك، تشير التقارير الآن إلى أن “حماس” تعيد تجميع صفوفها في شمال غزة استعداداً لهجوم جديد. قد تفكر الحكومة الإسرائيلية في إبقاء جيشها في غزة لكي تتمكن من إحراز مزيد من التقدم. لكن الطريقة التي تحارب بها مهمة أيضاً. في بحثنا حول مكافحة التمرد، وجدت وزملائي في مؤسسة “راند” أن الجيوش التي تبنت ما أطلقنا عليه تسمية نهج “القبضة الحديدية” لمكافحة التمرد، وهو أسلوب يركز بشكل شبه حصري على قتل المتمردين، حقق نجاحاً في أقل من ثلث الحالات المدروسة، وهي نسبة أقل بكثير من الطرق التي ركزت في الوقت نفسه على تلبية احتياجات السكان المدنيين.

بالنسبة إلى إسرائيل، تعتبر مكافحة التمرد خياراً جذاباً لأنها تسمح لقادة البلاد بتأجيل القرارات السياسية الصعبة والتركيز عوضاً عن ذلك على تحقيق الانتصارات العسكرية القصيرة المدى. ولكن أحد الأسباب التي أدت إلى غرق إسرائيل في مأزقها الحالي يتلخص في أن الساسة الإسرائيليين، وعلى رأسهم نتنياهو، كانوا يؤخرون باستمرار، وفي أغلب الحالات، يرفضون الجهود المبذولة من أجل التوصل إلى أية تسوية تفاوضية مع الفلسطينيين.

قد تبدو المحاربة بأسلوب مكافحة التمرد خياراً جذاباً، ولكنها لن تحقق هدف الجيش الإسرائيلي المتمثل في القضاء على “حماس” بشكل كامل. ومع تزايد الضغوط التي تمارسها إدارة بايدن، بدأ العد العكسي بالنسبة إلى القوات الإسرائيلية لإحراز تقدم في إضعاف البنية التحتية العسكرية التابعة لـ”حماس”. وستستمر الخسائر المتزايدة في صفوف الجيش الإسرائيلي في فرض ضغوط إضافية على حكومة نتنياهو، التي تتعرض بالفعل لانتقادات بسبب تعاملها مع قضية الرهائن. وحتى هذه اللحظة، قتل 221 جندياً إسرائيلياً في الصراع.

واستكمالاً، يتعين على الإسرائيليين أن يجدوا طريقة للانتقال في مرحلة ما بعد الصراع إلى وضع لا ينطوي على احتلال أو على وجود مستمر لأعداد كبيرة من القوات الإسرائيلية في غزة. وسيتطلب إنهاء الصراع التوصل إلى هدف سياسي نهائي متماسك، وهو ما تجنبه القادة السياسيون في إسرائيل حتى الآن. وإذا رفضت إسرائيل السماح لكيان فلسطيني بحكم غزة، سيضطر الإسرائيليون أنفسهم إلى حكمها، أو في الأقل توفير الأمن، وهو ما سيستلزم بدوره وجوداً طويل الأمد وقوة أشبه بالاحتلال.

إذا وجدت القوات الإسرائيلية نفسها مجبرة على البقاء في غزة لأجل غير مسمى، وفق ما ألمح إليه بعض القادة السياسيين الإسرائيليين، سيتعين على الجيش الإسرائيلي أن يعتمد استراتيجية وجود محدود تمكنه من الاستجابة لمختلف حالات الطوارئ الأمنية من دون إثارة عداء السكان المحليين في غزة. ومع ذلك، فإن تحقيق مثل هذه الاستراتيجية يبدو غير محتمل بالنظر إلى الأهداف الحالية للجيش الإسرائيلي وموقفه العملياتي ومدى استعداده لتحمل الأخطار في سبيل ضمان سلامة عناصره. إن صنع السلام مع الأعداء أمر بالغ الصعوبة، وخصوصاً بعد أهوال الهجوم الذي شنته “حماس” في السابع من أكتوبر. ولكن من دون التوصل إلى تسوية عن طريق التفاوض، قد تبدو غزة في عام 2024 أشبه بلبنان في عام 1982: حرب بلا نهاية.

كولين ب. كلارك، مدير البحوث في مجموعة صوفان للاستشارات الأمنية وباحث بارز في مركز صوفان للاستشارات.

مترجم عن “فورين أفيرز” 5 فبراير 2024

 

المصدر: اندبندنت عربية

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. إن تحول الحرب بغزة نحو استراتيجية مكافحة التمرد بإلإعتماد على قوات العمليات الخاصة، والضربات الدقيقة، والغارات الموجهة. وقيام الجيش الإسرائيلي بسيطرته على المناطق بمجرد تأمينها من مقاتلي “حماس”. حسب توصيات “ديفيد بتريوس” لن تحقق الإنتصار والأمن للكيان الصهيوني لأنها ستحول غزة في عام 2024 لحرب بلا نهاية.، قراءة وتحليل موضوعي لهذا التحول .

زر الذهاب إلى الأعلى