مشروعية الطوفان

عوني القلمجي

لم يترك المحتل الصهيوني للشعب الفلسطيني، أي خيار لاستعادة حقوقه المشروعة وبناء دولته المستقلة على كامل التراب الفلسطيني، سوى خيار المقاومة المسلحة. حيث فشلت جميع الخيارات السلمية، سواء عن طريق الدول العربية، من خلال معاهدة كامب ديفيد، بين مصر والكيان عام 1978، او اتفاقية وادي عربة مع الأردن عام 1994. كما لاقت المصير نفسه، المبادرات العربية العديدة، التي تضمنت بمجموعها، تنازلات مخزية للكيان الصهيوني، بما فيها الاعتراف به كدولة يهودية، تحت عنوان الأرض مقابل السلام، او تحت مسمى حل الدولتين البائس. حيث مزقها زعماء هذا الكيان، ورموها في سلة المهملات.

اما اهم هذه الخيارات السلمية على الاطلاق، الذي كان من المتوقع قبوله من قبل الكيان الصهيوني، هو خيار اتفاق أوسلو، الذي عقدته منظمة التحرير مع الكيان، سنة 1993، لما تضمنه من اعتراف المنظمة، اعترافا كاملا بهذا الكيان وبسيادته على 78 في المئة من ارض فلسطين التاريخية، مقابل إقامة دويلة فلسطينية منزوعة السلاح، على المساحة المتبقية من ارض فلسطين، في مدة أقصاها سنة 1999. لكن ما جرى عكس ذلك تماما. فبدلا من قبول الاتفاق وتنفيذ بنوده في موعده المحدد، واصل حكام الكيان سياساتهم العدوانية ضد السلطة الفلسطينية، في الضفة الغربية وقطاع غزة. ومنها بناء مزيد من المستوطنات المسلحة، على حساب الأراضي الفلسطينية، المشمولة بذلك الاتفاق المشؤوم. حيث ارتفع عددها من 100,000 مستوطن في عام 1993 إلى أكثر من 400,000 مستوطن. ومن الجدير بالذكر ان هذه الزيادة تمت امام عيون الولايات المتحدة، الراعي الأساسي لاتفاقية اوسلو، وعيون الأمم المتحدة، التي وثقت هذه الاتفاقية. إضافة الى ان هذا الفعل يعتبر، وفق احكام القانون الدولي، جرائم حرب واغتصابا لأرض فلسطين.

لقد وجد قادة الكيان الغاصب، في رفض منظمة حماس لاتفاقية أوسلو، ذريعة لتبرير سياستهم العدوانية، وفرصة ثمينة لتخليهم عن التزاماتهم ببنود ذلك الاتفاق. لكن حماس سحبت هذه الذريعة الواهية. حيث قبلت الدخول في لعبة السلام، وشاركت في الانتخابات الفلسطينية التي أجريت رسميا في سنة 2006، بناء على نصوص في اتفاقية اوسلو، تمنح الشعب الفلسطيني حرية اختيار حكومته، ونالت، هذه الانتخابات في الوقت نفسه، تأييد الاتحاد الأوربي، وتمويلا من الولايات المتحدة الامريكية، وتحت اشراف لجان مراقبة دولية. لكن الرياح سرت بما لا تشتهي سفن المحتل. حيث فازت حماس بالانتخابات، الامر الذي اضطر محمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية، تكليف إسماعيل هنية، أحد قادة حماس البارزين حينها، بتشكيل الحكومة، التي استمرت حوالي سنة، وعلى وجه التحديد من 27 مارس 2006 الى 17 مارس سنة 2007. ثم شكل حكومة ثانية استمرت اقل من ثلاثة أشهر وعلى وجه التحديد من 17 مارس الى 14 يونيو 2007. ليقدم استقالته، بسبب رفض الكيان لحكومة حماس المنتخبة، وبضغط من الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة الامريكية.

لم تكن السياسات التوسعية للكيان الصهيوني غريبة، لسبب بسيط، هو ان هذا الكيان الغاصب لم يأت الى فلسطين، لبناء دولة يعيش اليهود داخل حدودها فحسب، وانما أتى وفي ذاكرة قادته، سردية وعد الرب، الذي منحهم الأرض التي تمتد من الفرات الى النيل، حسب ادعاءاتهم المريضة التي بموجبها، ارتكب هذا الكيان جرائم لا تغتفر، والذي لم يدخل في لعبة السلام، الا لأنه غير قادر على تحقيق الحلم كاملا دفعة واحدة، او بالسهولة نفسها التي تم بها احتلال فلسطين وتشريد شعبها. هذه حقيقة أثبتها جميع من حكم هذا الكيان. وخاصة بنيامين نتنياهو، تلميذ زئيف جاب وتنسكي، صاحب فكرة الجدار الحديدي والتوسع الكامل لإسرائيل الكبرى، والذي اعتبر “ان بريطانيا خدعت اليهود، حين لم تعطهم الأردن مع فلسطين، ونكثت بوعدها، وأنَّ عليهم قبل أي حوار مع العرب، أن يحتلوا الجزء الأكبر من الأراضي وتسييجها بالحديد، وفرض شروطهم بالنار والدمار”.

كما أكدت هذه الحقيقة استراتيجية هذا الكيان، التي قامت على أساس واحد هو الدمار لغير اليهود ( الغوييم) الذين يسكنون على ارض الميعاد. ولم تكن صدفة، ان يقود هذه الاستراتيجية، المتشددون الذين رفضوا التعايش مع الفلسطينيين على أساس قرار التقسيم المخزي، او السلام مع جيرانهم العرب، واعتبروا ذلك عقبة في طريق حلم العودة الى ارض الميعاد. أمثال مناحيم بيغين رئيس عصابة الارجون، واسحاق شامير، رئيس عصابة الشترين، وبنيامين نتنياهو، التلميذ النجيب لهؤلاء الأشرار. وليس ادل على ذلك من اغتيال رئيس الوزراء إسحاق رابين، الذي ابدى مجرد مرونة تجاه ما سمي بعملية السلام.

بعد هذا كله، ترى هل من العدل والانصاف، ان يلام الشعب الفلسطيني، سواء في غزة، او غيرها من المدن الفلسطينية، على العودة لخيار المقاومة المسلحة؟

ان المقاومة المسلحة لاي شعب، بهدف تحرير ارضه من الاستعمار، حق كفلته المواثيق الدولية والقرارات الأممية، إذا فشلت الحلول السلمية او القرارات الدولية. ومنها ميثاق الأمم المتحدة، الذي ورد في قرارها رقم 1514 لإعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة، بتاريخ 14 ديسمبر/ كانون الأول 1960، بعبارات لا تقبل التأويل، تنص على ان “لجميع الشعوب الحق في تقرير مصيرها، ولها بمقتضى هذا الحق أن تحدد بحرية وسائلها المتاحة لتحقيق استقلالها وإنمائها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي. وجرى توضيح أكثر لهذا الحق، بقرار اممي رقم 3236، بتاريخ 22 نوفمبر/ تشرين الثاني 1974، والذي نص على “أن الأمم المتحدة “تعترف كذلك بحق الشعب الفلسطيني في استعادة حقوقه بكل الوسائل وفقاً لمقاصد ميثاق الأمم المتحدة ومبادئه، وتناشد جميع الدول والمنظمات الدولية، أن تمد يدها بدعم الشعب الفلسطيني في كفاحه لاسترداد حقوقه، وفقاً للميثاق”.

بعد ذلك وفي ديسمبر/ كانون الأول سنة 1986 أكدت الجمعية العامة، على شرعية المقاومة المسلحة الفلسطينية، بفقرة تنص” على شرعية كفاح الشعوب من أجل استقلالها وسلامة أراضيها ووحدتها الوطنية، والتحرر من السيطرة الاستعمارية والفصل العنصري والاحتلال الأجنبي بكل الوسائل المتاحة، بما في ذلك الكفاح المسلح” اما اتفاقية جنيف الثالثة فتؤكد على شرعية حمل السلاح لمقاومة المحتل وذلك بشروط، أن يكون لهم رئيس مسؤول، وأن يحملوا السلاح علناً، وأن يحملوا علامة مميزة ظاهرة، وأن يلتزموا في نضالهم بقوانين الحرب وأعرافها. الا تنطبق هذه الشروط على المقاومة الفلسطينية في غزة.

وفق هذا السياق جاءت عملية طوفان الأقصى، باعتبارها مقاومة مشروعة ضد محتل رفض كل مبادرة للسلام، على الرغم من التنازلات الهائلة التي قدمها الشعب الفلسطيني. هذه العملية الشجاعة التي مازالت معاركها العنيفة مستمرة، على مدى الثلاثة شهور الماضية، قد ترجمت، بأبهى صورها، مبدا تمسك الشعب الفلسطيني بالثوابت الوطنية، والقتال من اجل استعادة حقوقه المشروعة، وفي مقدمتها إقامة دولته على كامل التراب الفلسطيني. وفي الوقت نفسه، مثلت هذه المعركة القيم السياسية غير القابلة للتنازل، او حتى الجدال حولها. ولن تتوقف الا بتحقيق الانتصار المنشود.

لقد حاول الاعلام الغربي، تشويه مشروعية المقاومة الفلسطينية المسلحة، بكل ما لديه من إمكانات هائلة. لكن شعوب العالم اجمع افشلت هذه المحاولة. حيث ايدت الشعب الفلسطيني في مقاومته للمحتل، وناصرته بكل الوسائل المتاحة، وأبرزها خروج مظاهرات مليونيه في جميع جهات الكرة الأرضية الاربعة. كما فشلت هذه المحاولات أيضا بتحميل قيادة حماس المسؤولية، لأقدامها على تنفيذ عملية طوفان الأقصى، قبل ان تحقق قوة موازية لقوة المحتل العسكرية الهائلة. فالمقاومة الفلسطينية، حالها حال مقاومة الشعوب الأخرى، لا تعير اهتماما كبيرا لهذا القانون العسكري، الذي يحكم الجيوش النظامية. لان قوانين حروب المقاومة، لها حسابات خاصة واليات مختلفة واستراتيجيات وتكتيكات مبتكرة، سميت بحروب المقاومة الشعبية ضد المحتل، او حروب العصابات في الجبال، او الغابات او حروب المدن والشوارع من بيت الى بيت.

لكن الأكثر سوءا من الاعلام الغربي، في الإساءة للمقاومة الفلسطينية، وعملية طوفان الأقصى، هم حكام الردة العرب. حيث وصفوا طوفان الأقصى، بالمعطل للموقف التفاوضي مع الكيان الصهيوني، بعبارات توحي، بان التوصل لاتفاق سلام مع الكيان الصهيوني قاب قوسين او أدني. وللخروج بماء الوجه، وامتصاص نقمة الجماهير العربية من هذا الموقف المخجل، أعلنوا بعبارات خجولة مطالبتهم بوقف الحرب، او عقد هدنة مؤقتة لأسباب إنسانية. على خلاف دول اجنبية، قطع بعضها العلاقات مع الكيان الصهيوني، او اتخذ البعض الاخر اجراءات ضد هذا الكيان. في حين أعلن رئيس جنوب إفريقيا، متمايلا راما فوزا، قبل عدة أيام “أن بلاده قدمت شكوى للمحكمة الجنائية الدولية من أجل التحقيق في “جرائم حرب” ارتكبتها إسرائيل في قطاع غزة”.

اما الذين ينكرون على الشعب الفلسطيني مقاومة المحتل، لأسباب مختلفة، او الوقوف الى جانب الكيان الصهيوني بطرق ملتوية، انما يجانبون الحقيقة ويحاولون جاهدين تغطية الشمس بغربال. حيث كرسوا مناقشاتهم في امر واحد لا غير، هو خطأ تقديرات المقاومة لقوة المحتل. ظنا منهم بان ما يفعلوه يصرف الانتباه عن جرائم الإبادة، التي ترتكبها القوات المحتلة. ومن المؤسف ان تنتقل هذه الآراء المغرضة الى مثقفين وسياسيين وطنيين. حيث انحصر تفكيرهم بالخراب او الدمار الذي تعرضت له غزة، واعتبروه مقياسا للانتصار او الهزيمة. في حين ان هذا الدمار والخراب هو الثمن الذي تدفعه الشعوب لنيل حقوقها المشروعة، وهو وثيقة معاشه لا تقبل الدحض، تؤكد نازية هذا الكيان.

ان المقاومة المسلحة للشعب الفلسطيني، التي توجت بطوفان الأقصى، لا تنتظر ان يشرعنها موتور، او عقل مخرب مستمرئ لأغلاله. فالسياق التاريخي للبشرية، تدافع خلاق ومستمر للانعتاق من العبودية والاحتلال بكل صوره. وطوفان الأقصى، طوفان شرعي، شاء من شاء وابى من ابى.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى