احتجاجات السويداء… إصرار على التغيير السياسي ورفض العسكرة

ليث أبي نادر ومحمد أمين

رفض المحتجون في ساحة “الكرامة” وسط مدينة السويداء جنوب سورية، أي محاولة لعسكرة حراكهم الثوري، الذي دخل، أمس الاثنين، يومه التاسع على التوالي، في ظل إصرار على استمراره حتى تحقيق تغيير سياسي، وفق القرارات الدولية ذات الصلة بالقضية السورية.

ولليوم التاسع على التوالي، توافدت حشود من المحتجين، من مختلف بلدات وقرى المحافظة إلى ساحة السير (الكرامة) وسط مدينة السويداء، مرددين شعارات تؤكد أن “الشعب السوري واحد”، وهو الشعار الأول للثورة السورية التي بدأت في ربيع العام 2011، ومارس النظام كل أساليب القمع لوأدها.

كما واصل المتظاهرون في ساحة الكرامة ترديد شعارات ثورية أخرى من قبيل “عاشت سورية… ويسقط بشار الأسد”، رافعين صوراً لرموز سورية وطنية، أمثال يوسف العظمة وسلطان الأطرش اللذين واجها الاحتلال الفرنسي في عشرينيات القرن الماضي.

مطالبة بمحاكمة دولية للأسد

وطالب المحتجون، عبر لافتات رُفعت في ساحة التظاهر، بـ”محاكمة دولية لمجرم غاز السارين والبراميل والكبتاغون”، في إشارة الى رأس النظام بشار الأسد. وواصل محتجون إزالة صور بشار الأسد بالقرب من مبنى المركز الإذاعي والتلفزيوني في مدينة السويداء. ويستحوذ الحراك الثوري في السويداء على اهتمام كل السوريين داخل البلاد وفي دول الاغتراب، حيث تتواصل الوقفات المؤيدة له.

وقال الناشط المدني ساري الحمد، لـ”العربي الجديد”، إن “السويداء اليوم لسان حال كل السوريين”، مضيفاً: نحن اليوم في قلب الثورة التي لن تنتهي إلا برحيل الأسد عن السلطة، وتطبيق القرار الدولي 2254 بكل مضامينه التي تنص على تحقيق انتقال سياسي، ووضع دستور وإجراء انتخابات. وأشار إلى أن “الجموع التي تكتظ بها ساحة الكرامة لن تقبل بحلول جزئية، ولن توقفها تهديدات النظام”.

وكان لافتاً استمرار الحضور النسائي في تظاهرات ساحة الكرامة، التي تعيد إلى أذهان السوريين الساحات الكبرى في المدن السورية التي شهدت طوال سنوات تظاهرات حاشدة، مثل “ساحة العاصي” في مدينة حماة، وساحة “الساعة” وسط مدينة حمص، قبل أن يقمعها النظام بطرق وحشية.

وأنشأت فصائل ومجموعات أهلية، أمس الاثنين، نقطة تفتيش على طريق دمشق – السويداء عند قرية حزم في الريف الشمالي لمحافظة السويداء، بهدف حماية القادمين إلى المنطقة.

وذكرت شبكة “الراصد” الإعلامية، التي تنقل أخبار السويداء، أن الحاجز أنشئ بالتوافق بين عدد كبير من الفصائل في المحافظة وبعض الجهات الدينية، بهدف حماية الداخلين والخارجين وتقديم المساعدة للحالات الطارئة.

ونقلت الشبكة عن مصادر في هذه الفصائل تأكيدها أن الحاجز “لا يهدف لإعاقة حركة المرور على الأوتوستراد، وإنما هو إجراء وقائي لإحباط أي تهديدات محتملة، في ظل الظروف الحالية التي تعيشها البلاد”، مشيرين إلى أن “عمل الشباب الموجودين على الحاجز يقضي بالتدقيق بهويات المارة والسماح لهم بالمرور، مع تفتيش السيارات التي يشتبهون فيها فقط”.

وكان النظام السوري هدد عبر عدد من المرتبطين بأجهزته الأمنية بسيارات مفخخة يمكن أن تضرب مدينة السويداء، في حال استمرار الاحتجاجات، التي بدأت للمطالبة بتحسين الظروف المعيشية، لكنها انتقلت بعد ذلك للمطالبة بإسقاط النظام، الذي لا يمكنه التعامل بعنف مع هذه الاحتجاجات نظراً للخصوصية التي تميّز السويداء ذات الغالبية الدرزية من السكان.

النظام يلوّح بورقة “داعش”

كما لوّح النظام بورقة تنظيم “داعش” بوجه المتظاهرين الذين لم يكترثوا بهذه التهديدات، التي تعكس حالة من التخبط تعيشها أجهزة النظام الأمنية العاجزة تماماً أمام هذا الحراك، الذي يواكبه حراك مماثل في محافظة درعا المجاورة.

إلى ذلك، لم يبرز أي تجاوب مع محاولة عدد من الضباط المتقاعدين من الجيش والشرطة، وعلى رأسهم العميد المتقاعد نايف العاقل، تشكيل “هيئة اختصاصية لإدارة شؤون المحافظة، وتسيير عمل الجهات الخدمية وتشكيل لجنة عسكرية بإشراف العاقل لتوحيد الفصائل والإشراف على عملها لتحقيق الأمن الاجتماعي على مستوى المحافظة”، وفق بيان صادر عن المجتمعين.

واجتمع الأحد الماضي ضباط متقاعدون مع الشيخ حكمت الهجري، أحد أبرز الزعماء الروحيين المؤيدين للحراك في السويداء، في محاولة كما يبدو لإقناعه بتشكيل مجلس عسكري يدير المحافظة، إلا أنهم فشلوا في ذلك، ما دفعهم لاحقاً للانسحاب من المشهد.

وأكد الناشط المدني منيف رشيد، في حديث مع “العربي الجديد”، أن “حراكنا مدني وفيه كفاءات قادرة على التنسيق والإدارة”، مضيفاً: يستطيع الشارع أن يفرز قيادات وطنية مدنية قادرة على إدارة البلد، أو المحافظة في مرحلة أولى، أما العسكر فلهم دورهم المواكب للحراك والإدارة، وليس القيادة.

وتعليقاً على مشهد الاحتجاجات في السويداء، رأى محمد سالم، مدير وحدة الدراسات في مركز “أبعاد” للدراسات، في حديث مع “العربي الجديد”، أن “للسويداء خصوصية، فهي محافظة ذات غالبية درزية من السكان، والنظام لديه منهجية وحدود وخطوط حمراء في التعامل مع الأقليات، وهو ما ظهر في بدايات الثورة السورية عام 2011”.

وأضاف: تعامل النظام مع الأكثرية العربية السنية مختلف عن تعامله مع الأقليات الدينية أو المذهبية أو العرقية. وتابع: مشيخة العقل في السويداء تتميز بعلاقات عابرة للحدود، ومن ثم فإن النظام مرتبك، لأنه لا يستطيع أخذ ضوء أخضر من المجتمع الدولي لسحق هذا الحراك كما فعل مع المحافظات الأخرى.

وأعرب سالم عن اعتقاده أن “الحراك في السويداء يضع في اعتباره عدم الصدام العسكري مع النظام، ومن ثم لن نشهد معارك واشتباكات في السويداء كما حدث في المناطق السورية الأخرى”.

وأضاف: قد نشهد محاولات لوضع حلول سياسية، من قبيل إعطاء هوامش للسيطرة لبعض الفصائل المحلية في السويداء بالتنسيق مع النظام، ومن ثم الاتجاه نحو حكم ذاتي، والارتباط مع العاصمة دمشق بشكل رمزي. واعتبر أن النظام “لن يعترف قانونياً بأي شكل من أشكال الإدارة الذاتية في السويداء، أو غيرها، لكن الواقع يفرض عليه ذلك”.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى