عالم أكثر خطورة يتطلب “ناتو” أعظم قوة || ما ينبغي أن يفعله الحلف في قمة فيلنيوس وما بعدها

ينس ستولتنبرغ

تعد حرب روسيا غير الشرعية ضد أوكرانيا نقطة تحول في التاريخ، إذ إن الحرب عادت إلى أوروبا والتنافس بين القوى العظمى يشهد ازدياداً، والأنظمة الاستبدادية تتحد معاً متحدية القواعد والمؤسسات العالمية التي تعزز السلام والاستقرار. وبطريقة موازية، فإن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يقمع الحريات ويعمق الانقسامات داخل بلاده، وفق ما أظهره بوضوح تمرد مجموعة “فاغنر” شبه العسكرية، لكن ينبغي ألا يستخف أحد بروسيا أو الأخطار التي تواجه العالم اليوم.

وفي مواجهة عالم أكثر تقلباً وأحداثاً غير متوقعة، تبدي منظمة حلف شمال الأطلسي اتحاداً وقوة. في الواقع، قدم حلفاء “الناتو” في أوروبا وأميركا الشمالية، وشركاؤنا في جميع أنحاء العالم، دعماً اقتصادياً وعسكرياً غير مسبوق لأوكرانيا. وعلى مدى العقد الماضي، نفذ “الناتو” أكبر تعزيز لقدراتنا الدفاعية الجماعية منذ أجيال. لقد قوينا وجودنا العسكري في أوروبا الشرقية وزدنا الإنفاق الدفاعي. ومع عضوية فنلندا، وقريباً عضوية السويد، يصبح حلف “الناتو” أقوى وأوسع.

يجب أن نستمر في هذا الزخم ونحافظ على قوتنا ووحدتنا. وهذا بالضبط ما سيفعله قادة “الناتو” عندما نجتمع في قمتنا في فيلنيوس. أتوقع من حلفاء “الناتو” تأكيد دعمنا الثابت لأوكرانيا، ومواصلة تعزيز دفاعنا، وزيادة تعاوننا مع شركائنا في أوروبا ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ في سبيل الدفاع عن النظام العالمي القائم على القواعد. يشرفني أن أخدم هذا الحلف لمدة عام آخر، وهذه هي أهم أولوياتي في قمة فيلنيوس وما بعدها.

إن ما نفعله أو نتقاعس عن القيام به الآن سيحدد شكل العالم الذي نعيش فيه لأجيال قادمة. لذلك سنرسل رسالة واضحة مفادها أن حلف “الناتو” يقف متحداً، والعدوان الاستبدادي لن يؤتي ثماره.

الحرية لأوكرانيا

عندما زرت أوكرانيا هذا الربيع شاهدت المعاناة الرهيبة هناك، بيد أنني رأيت في الوقت نفسه الشجاعة والتصميم الهائلين اللذين أبداهما الشعب الأوكراني في الدفاع عن حريته. وحين كنت على متن القطار المتجه إلى كييف، أدهشني عدد المقابر الجديدة على طول خطوط السكك الحديدية، ثم زرت مدينة بوتشا، الواقعة شمال العاصمة مباشرة، وسمعت عن أهوال الاحتلال الروسي. وشاهدت أيضاً الجهود المبذولة من أجل إعادة بناء أوكرانيا أفضل وأقوى.

حاضراً، تخوض القوات الأوكرانية قتالاً شرساً في سبيل استعادة الأراضي المحتلة، لكنها تواجه دفاعات روسية قوية وتضاريس صعبة. إذا توقفت روسيا عن القتال، فسيحل السلام. أما إذا توقفت أوكرانيا عن القتال، فسوف ينتهي وجودها كأمة. ولن يقدم الأوكرانيون تنازلات، لأنه كلما زادت المكاسب التي يحققونها في ساحة المعركة، شد ذلك من عضدهم على طاولة المفاوضات.

الكل يريد أن تنتهي هذه الحرب الوحشية، لكن السلام العادل لا يعني تجميد الصراع والقبول بصفقة تمليها روسيا. فالسلام الزائف لن يؤدي سوى إلى منح موسكو وقتاً لإعادة تنظيم صفوفها والتسلح من جديد وشن هجوم مرة أخرى. يجب علينا وقف مسلسل الاعتداءات الروسية، وأفضل طريقة لتحقيق سلام دائم غداً هو دعم أوكرانيا، لكي تسود كدولة مستقلة الآن.

وبالاسترجاع، وقف حلفاء “الناتو” إلى جانب أوكرانيا منذ حصولها على الاستقلال قبل 30 عاماً. لقد قدمنا سنوات من التدريب والدعم بعد أن ضمت روسيا شبه جزيرة القرم بشكل غير قانوني وزعزعت استقرار دونباس في عام 2014. منذ غزو موسكو في فبراير (شباط) 2022، كثفنا دعماً لم يسبق له مثيل لحق أوكرانيا في الدفاع عن النفس، المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة. على مدار العام ونصف العام الماضيين، قامت دول “الناتو” بتدريب ألوية مدرعة أوكرانية جديدة وتجهيزها وتوفير الدبابات والمركبات القتالية والدفاعات الجوية المتقدمة. علاوة على ذلك، سيجري حلفاء “الناتو” تدريباً للطيارين الأوكرانيين على طائرات مقاتلة من الجيل الرابع. ويظهر هذا الدعم أننا ملتزمون تجاه أوكرانيا على المدى الطويل.

من أجل تقوية أوكرانيا، سنتفق في قمة فيلنيوس على حزمة دعم تستمر سنوات متعددة. منذ مطلع هذا العام حتى الآن، بلغ مجموع التبرعات المعلنة المتعهد بها أكثر من 500 مليون دولار. في الحقيقة، ستساعد هذه الحزمة أوكرانيا على إعادة بناء قطاع الدفاع والأمن، لكي تتمكن من التصدي لمزيد من العدوان. وستضمن أن القوات المسلحة الأوكرانية ستنسق وتتعاون بشكل كامل مع قوات “الناتو”.

على مدار الثمانية عشر شهراً الماضية، قطعت أوكرانيا أشواطاً في الابتعاد شيئاً فشيئاً عن العقائد العسكرية وأساليب التدريب والمعدات التي يعود تاريخها إلى الحقبة السوفياتية، نحو المعايير والمعدات التي يستخدمها حلف “الناتو”. لقد أصبحت أوكرانيا أشد ارتباطاً بحلفنا من أي وقت مضى، ولذا يجب علينا اتخاذ خطوات تعبر عن هذا الواقع.

في فيلنيوس، سنعمل على رفع مستوى علاقاتنا السياسية من خلال استضافة الاجتماع الأول لمجلس “الناتو” وأوكرانيا الجديد، جنباً إلى جنب مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي. وسيشكل ذلك منصة لاتخاذ القرارات والتشاور في شأن الأزمات، حيث سيجلس حلفاء “الناتو” وأوكرانيا كأنداد لمعالجة المخاوف الأمنية المشتركة. يتفق جميع حلفاء “الناتو” على أن أوكرانيا ستصبح عضواً في “الناتو”، ويبقى باب “الناتو” مفتوحاً، وفق ما أثبتناه بدعوتنا فنلندا والسويد للانضمام إلينا العام الماضي. والجدير بالذكر أن عضوية أوكرانيا في “الناتو” مسألة يقررها حلفاء “الناتو” وكييف: ولن يكون لروسيا حق النقض. في فيلنيوس، سنضع رؤية متينة لمستقبل أوكرانيا ونحقق تقارباً بينها وبين “الناتو”.

مواجهة الاستبداد

بعد الحرب الباردة، بذل حلف “الناتو” جهداً دؤوباً لإقامة علاقات أكثر إيجابية مع موسكو، بما في ذلك في شأن الحد من انتشار الأسلحة، ومحاربة الإرهاب، ومكافحة القرصنة، وزيادة تعاوننا في المجال العلمي، لكن بوتين ابتعد عن التعاون السلمي، واعتمد نمطاً من السلوك المتهور بشكل متزايد، من الشيشان إلى جورجيا، ومن سوريا إلى أوكرانيا. لقد فكك النظام الدولي لمراقبة التسلح، وهو منخرط في التلويح الخطر باستخدام السلاح النووي.

وحتى لو انتهت الحرب غداً، فليس هناك ما يشير إلى أن طموحات بوتين الأوسع قد تغيرت. إنه يعتبر الحرية والديمقراطية تهديداً ويريد عالماً تملي فيه الدول الكبرى على جيرانها ما يفعلونه. وهذا يضعه في مواجهة مستمرة مع قيم “الناتو” والقانون الدولي.

إذا فاز بوتين في أوكرانيا، فسيكون ذلك بمثابة مأساة للأوكرانيين وسيشكل خطراً على العالم بأسره، إذ إنه سيبعث رسالة إلى الأنظمة الاستبدادية الأخرى مفادها أنها قادرة على تحقيق أهدافها بالقوة. وتجدر الإشارة إلى أن الصين، على وجه الخصوص، تراقب لترى الثمن الذي تدفعه روسيا، أو الجائزة التي تحصل عليها، مقابل عدوانها. إنها تتعلم من إخفاقات موسكو العسكرية ومن رد فعل المجتمع الدولي. عندما زرت اليابان وكوريا الجنوبية في بداية هذا العام، كان من الواضح أن قادتهما يساورهم قلق من أن ما يحدث في أوروبا اليوم يمكن أن يحدث في آسيا غداً.

في الحقيقة، إن “الناتو” لا يرى الصين خصماً له. لذا، يجب أن نواصل التعاون مع بكين في مواجهة التحديات العالمية اليوم، بما في ذلك انتشار الأسلحة النووية وتغير المناخ. في الوقت نفسه يجب على الصين استخدام تأثيرها الكبير على روسيا لكي تنهي حربها غير الشرعية في أوكرانيا، لكن حتى الآن، لم تدن بكين عدوان موسكو بعد، وعوضاً عن ذلك تعمل على زيادة تعاونها الاقتصادي والدبلوماسي والعسكري مع روسيا. علاوة على ذلك، فإن السلوك الإكراهي المتزايد الذي تنتهجه الحكومة الصينية في الخارج والسياسات القمعية في الداخل يتحديان أمن “الناتو” وقيمه ومصالحه. فبكين تهدد جيرانها وتضايق الدول الأخرى. إنها تحاول السيطرة على سلاسل التوريد والبنية التحتية الحيوية في دول “الناتو”. إذاً، يجب أن نكون متيقظين في شأن هذه التحديات وألا نقايض المصالح الأمنية بالمكاسب الاقتصادية.

ومع تقارب الأنظمة الاستبدادية من بعضها البعض، يجب على أولئك منا الذين يؤمنون بالحرية والديمقراطية أن يقفوا متحدين. حلف “الناتو” هو تحالف إقليمي في أوروبا وأميركا الشمالية، لكن التحديات التي نواجهها عالمية. لهذا السبب دعوت قادة الاتحاد الأوروبي وشركاءنا في المحيطين الهندي والهادي، أي في أستراليا واليابان ونيوزيلندا وكوريا الجنوبية، للانضمام إلينا في فيلنيوس. يجب أن نكون فهماً مشتركاً للمخاطر الأمنية التي نواجهها وأن نعمل معاً من أجل تعزيز قدرة مجتمعاتنا واقتصاداتنا وديمقراطياتنا على الصمود.

أصلب وأفضل وأسرع وأقوى

يعد نمط العدوان الروسي تذكيراً صارخاً بأنه لا يمكننا استبعاد إمكانية شن هجوم ضد دول “الناتو”. لذا، يجب أن نستمر في تعزيز ردعنا ودفاعنا والاستثمار فيهما، لكننا في الواقع لا نبدأ من الصفر، فمنذ ضم روسيا غير القانوني لشبه جزيرة القرم في عام 2014، أجرى الحلف تغييراً جذرياً فانتقل من المهام العسكرية خارج حدوده إلى تعزيز الدفاع الجماعي مجدداً. وقد شكلت السنوات العشر الماضية عقداً حاسماً من التكيف، فأعدت “الناتو” لمستقبل لا يمكن التنبؤ به.

منذ عام 2014، قمنا بنشر قوات جاهزة للقتال في الجزء الشرقي من أراضي “الناتو” لأول مرة، ووضعنا في جميع أنحاء دول الحلف مزيداً من القوات في جاهزية أعلى، وقمنا بالتعديلات اللازمة من أجل الدفاع عن دول “الناتو” في مجالي الفضاء والفضاء الإلكتروني بفاعلية توازي تلك التي تتمتع بها قدراتنا الدفاعية براً وبحراً وجواً، هذا العام، سينمو الإنفاق الدفاعي للحلفاء الأوروبيين وكندا بنسبة 8.3 في المئة بالقيمة الفعلية، وهذه أكبر زيادة منذ عقود، والسنة التاسعة على التوالي التي تشهد زيادة في الإنفاق العسكري في دول “الناتو”. وعلى نحو مماثل، تعتمد الولايات المتحدة أيضاً زيادة في إنفاقها الدفاعي.

نحن الآن نتخذ مزيداً من الخطوات الرئيسة من أجل تعزيز ردعنا ودفاعنا. وسنتفق على خطط دفاع إقليمية جديدة ومفصلة، تكون مرتبطة بشكل كامل بالقوات والقدرات والقيادة والسيطرة اللازمة لتنفيذها. وسيكون لدى “الناتو” 300 ألف جندي في حالة تأهب قصوى، بما في ذلك قوة قتالية جوية وبحرية كبيرة.

نحن نعمل على تكييف هياكل القيادة لدينا بطريقة تجعلها تمثل الجغرافيا الجديدة للحلف، بعد عضوية فنلندا التي ضاعفت حدود “الناتو” البرية مع روسيا، وقريباً عضوية السويد، هذا سيغير قواعد اللعبة بالنسبة إلى الأمن الأوروبي وسيوفر درعاً متواصلة من بحر البلطيق إلى البحر الأسود. نحن نعمل أيضاً على زيادة التعاون بشكل كبير مع قطاع الصناعات الدفاعية لزيادة الإنتاج، سواء من أجل دفاعات أوكرانيا أو دفاعاتنا.

ويتطلب هذا التحول الأساسي في دفاعنا الجماعي تعهداً على مدى أجيال قادمة [متعدد الأجيال] بزيادة الإنفاق الدفاعي. إننا نحقق تقدماً حقيقياً، ولكن ليس بالسرعة التي يتطلبها هذا العالم الخطر. في فيلنيوس، سيلتزم حلفاء “الناتو” التزاماً أكثر طموحاً باستثمار اثنين في المئة من إجمالي الناتج المحلي في دفاعنا. ويجب أن يكون هذا الرقم هو القاعدة التي ننطلق منها، وليس السقف الذي يجب أن نصل إليه. نحن في حاجة إلى استثمار مبالغ أكبر، ويتيعن علينا فعل ذلك فوراً، لأن الأمن هو أساس ازدهار اقتصاداتنا ومجتمعاتنا. ومنع العدوان اليوم أقل كلفة من خوض حرب غداً.

إن الحرب العدوانية التي شنها بوتين على أوكرانيا حطمت أي أوهام متبقية في شأن التعاون السلمي، لذلك يجب علينا إنفاق مزيد من المال وبذل مزيد من الجهود المشتركة لكي نبقى بأمان. والتحديات كبيرة، لكن “الناتو” كان ركيزة للاستقرار في أوروبا وأميركا الشمالية طيلة 75 عاماً تقريباً. وفي عالم تتعاظم فيه الأخطار، سيواصل حلف “الناتو” حماية شعبنا، والدفاع عن قيمنا الديمقراطية، والحفاظ على دولنا قوية.

* ينس ستولتنبرغ هو الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو)

المصدر: اندبندنت عربية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى