“إخوان لبنان” بعد الثورة السورية.. تقارب مع الحزب وتواصل مع دمشق

صهيب جوهر

This post has already been read 9 times!

تضج وسائل الإعلام اللبنانية منذ أشهر بحديث عن تحول سياسي تشهده كبرى الحركات الإسلامية في لبنان لكن باتجاه إعادة تقاربها مع حزب الله وإيران والنظام السوري، وبحسب ما أشير له فإن الجماعة الإسلامية في لبنان (الإخوان المسلمين في لبنان) أعادت تموضعها منذ مدة باتجاه الانفتاح على محور الممانعة وإعادة التقارب إلى جانب حزب الله وحلفائه في البلاد.

تاريخ من التأرجح.. انعكاس النموذج اللبناني

الجماعة التي مرت بتقلبات سياسية منذ تأسيسها مطلع الستينيات من القرن الماضي إلى اليوم، تعيش حالة صراع سياسي وثقافي حول حقيقة مشروعها اللبناني وأفقه على كل المستويات، وهذا التخبط ليس وليد اليوم، بل امتداد لمراحل تاريخية وصراع فكري بين أجيالها بالإضافة إلى تراجع ملحوظ في مستوى حضورها على الساحة اللبنانية.

بالمقابل فإن وجودها الشعبي في لبنان ارتبط بمجموعة أحداث سياسية عاشها لبنان منذ إعلانه دولة مستقلة، وهذا التأرجح في المواقف والتحولات التي عاشها لبنان ألقت بظلالها على التنظيم الإخواني، وهي التي شاركت في الثورة ضد كميل شمعون، سرعان ما تحالفت مع القوى الوطنية إبان تزعم كمال جنبلاط للحركة الوطنية لدعم منظمة التحرير، بالمقابل فقد تموضع التنظيم خلال مرحلة الحرب في مواجهة النظام السوري انطلاقاً من بعدين اثنين:

الأول: التأثر بالصراع الحاصل بين جماعة الإخوان المسلمين السورية ونزوح قيادات إخوانية سورية إلى لبنان عقب مجازر حماة وحلب.

والثاني: انحياز الجماعة حينها إلى جانب منظمة التحرير الفلسطينية وياسر عرفات خلال مرحلة صراعه مع نظام البعث السوري ووجوده في طرابلس والمخيمات الفلسطينية شمالي لبنان.

لكن هذا الانحياز لم يمنع الجماعة من التأثر بالثورة الإيرانية بقيادة الخميني وانفتاحها على مهدي هاشمي مسؤول مكتب حركات التحرر في إيران بعد الثورة، على الرغم من معارضة شخصيات تاريخية داخل الجماعة اللبنانية والسورية لهذا التماهي مع النظام الإيراني القائم على المذهبية.

وعلى الرغم من أن الجماعة احتضنت الإخوان السوريين بعد مجازر النظام في سوريا وحالة العداء الدائرة حينها وواجهت النظام السوري في معركتي اجتياح طرابلس 1983-1985، إلا أنها ومع بزوغ اتفاق الطائف وعودة الحياة السياسية برعاية سورية – سعودية حينها، أعادت الجماعة فتح علاقاتها مع دمشق خلال مرحلتي الأب والابن، ووصلت إلى البرلمان كإحدى القوى السياسية التي خلفتها الحرب الأهلية.

كذلك احتفظت خلال مرحلة الوئام اللبناني مع نظام البعث على أفضل العلاقات مع حزب الله وإيران، من خلال التنسيق العسكري في الجنوب اللبناني إبان الاحتلال الإسرائيلي، ومن ثم رفضها للقرار 1559 وانضمامها للقاء عين التينة (حزب الله وحركة أمل وحلفاء سوريا) الموازي للقاء البريستول المعارض للوجود السوري في لبنان، بدعم من رفيق الحريري ووليد جنبلاط حينها، ثم عاودت الانسحاب منه عقب اغتيال الحريري لتعيد تموضعها إلى جانب فريق 14 آذار بزعامة الحريري الابن.

الانحياز للثورة ومسبباتها

حديثاً يدور نقاش داخل الجماعة الإسلامية كفصيل إخواني حول ماهية العلاقة مع حزب الله وإيران والنظام السوري، وعلى الرغم من أن الجماعة تبنت الثورة السورية واحتضنت عبر مؤسساتها الاجتماعية اللجوء السوري، إلا أن الواقعية السياسية حتمت عليها حتى في ذروة الانحياز للمعارضة السورية، التعاطي والتواصل مع حزب الله باعتباره مكوناً سياسياً لبنانياً يمثل شريحة واسعة من “الشيعة اللبنانيين”، وبات أمراً واقعاً في الدولة المتهالكة في لبنان.

وانحياز الجماعة للثورة السورية ولو بشكل متأخر في نهاية العام 2011 إلا أن هذه الانحياز يرتبط بمسببات سياسية وفكرية لا يمكن القفز فوقها، وهي اعتبار أن ثورات الربيع العربي هي إعادة توزيع المساحات السياسية للأطراف المعارضة في العالم العربي وتحديداً جماعة الإخوان المسلمين والتي فجأة باتت هي القوة السياسية الأكثر قدرة على الإمساك بخيوط الشارع والتحركات، كذلك فإن حالة العداء التاريخي بين المدن “السنية اللبنانية” وتحديداً طرابلس وعكار دفعت الجماعة للتفاعل مع الثورة ومع حالة اللجوء الكثيفة التي شهدها لبنان مع بدء النظام جرائم قصف المدن والتهجير الجماعي.

كذلك فإن الثورة السورية تزامنت مع انقلاب سياسي وأمني قاده حزب الله والنظام السوري للإطاحة بحكومة سعد الحريري والإتيان بنجيب ميقاتي عبر ترهيب وليد جنبلاط وإشعار المكون السني بحالة من الاستضعاف من الأمر الذي جعل الاحتقان تجاه الحزب والأسد أكثر حدة في الشارع ذات الغالبية السنية، والتي اعتبرت أن رحيل النظام في دمشق سيعيد التوازن إلى لبنان عبر إضعاف حزب الله وإعادته للبنان كفريق مهزوم.

هزيمة الثورات وصعود السنوار

مع حالة الهزائم التي شهدتها ثورات الربيع العربي وتحديداً الانقلاب العسكري ضد الرئيس المنتخب محمد مرسي، وانسحاب حركة النهضة في تونس والتدخل الروسي في سوريا، طفا على السطح نقاش داخل الجماعة عن ضرورة قراءة الأحداث والتحولات الحاصلة في المنطقة انطلاقاً من التدخل الروسي في سوريا وتراجع المعارضة باتجاه الشمال السوري.

هذا النقاش أتى بالتزامن مع تصاعد قوة رئيس حركة حماس في غزة يحيى السنوار والانقلاب الذي جرى على فريق خالد مشعل داخل حماس، وهذا الواقع ألقى بظلاله على الجماعة باعتبار أن تداخلاً بين الجانبين انطلاقاً من حضور حماس التاريخي داخل الجماعة، بالإضافة إلى حالة التوظيفات الجارية لأعضاء الجماعة في مؤسسات حماس الخيرية والأمنية.

وهذا الأفق في التعاطي انعكس خلال السنوات الماضية بمقاربة العديد من الملفات السياسية وبدا بها حال الانقسام الداخلي المرتبط بتبعات الأزمة السورية وتجلى عبر التالي:

أولاً: بدت حالة الصراع داخل الجماعة تأخذ بعداً جديداً لا يرتبط بصراع أجيال بقدر ما هو صراع بين محورين: سياسي متأثر بالتجربة التركية والماليزية وأكثر اتساقاً مع الخطاب العربي الرافض للحضور الإيراني، وهذا الخطاب يندفع باتجاهه العديد من الوجوه الرئيسية وتحديداً الأمين العام السابق عزام الأيوبي ورئيس هيئة علماء المسلمين أحمد العمري والبرلماني اللبناني عماد الحوت، فيما الجناح الأمني-العسكري داخل الجماعة كونه الأقرب لحماس ونشاطها اليومي باتجاه حزب الله وإيران ومؤخراً النظام السوري يجد هؤلاء أنفسهم الأقرب إلى الحزب ودمشق.

ثانياً: في انتخابات البرلمان اللبناني 2018 دفع هذا النقاش السياسي والحديث عن التقرب من الحزب وحلفائه ربطاً بالتسوية الرئاسية اللبنانية التي أتت بحليف حزب الله (ميشال عون) لرئاسة الجمهورية، لذا جرى الدفع للتحالف الانتخابي مع التيار الوطني الحر الحليف المسيحي للحزب وأدى هذا التحالف لخسارة الجماعة وعدم حصولها على أي مقعد برلماني وخاصة خطاب العنصرية باتجاه النازح السوري كانت إحدى عناوين المشروع الانتخابي للتيار العوني المتحالف مع الإخوان في لبنان.

ثالثاً: مع انطلاق ثورة 17 تشرين انقسم الرأي في قيادة الجماعة إلى رأيين الأول مؤيد للانخراط في الحراك الشعبي والذي تطور خطابه مع الأيام الأولى للثورة باتجاه الهجوم على حزب الله واتهام الحزب أنه بسلاحه يغطي الفاسدين، وتزامن ذلك مع خطاب تخويني من حزب الله للثورة وهجوم عناصر حزبية على خيم المتظاهرين والاعتداء عليها بشكل فاضح، ما ثبت نظرية لدى الجناح المتماهي مع الحزب بضرورة الانسحاب من الحراك وعدم الدخول بلعبة “تصفية الحسابات” الجارية بين إيران والسعودية، لكن الجناح الآخر ومع تزايد حدة التظاهرات حسم أمر المشاركة ما أغضب الحزب الذي أرسل إشارات للجماعة عن انزعاجه من المشاركة.

رابعاً وأخيراً: كانت الانتخابات البرلمانية ربيع العام الماضي محطة نقاش طويلة داخل الجماعة، فالفريق المقرب من حماس كان يدفع باتجاه التحالف الانتخابي مع حزب الله في مناطق مختلفة في بيروت والبقاع وطرابلس وبعلبك الهرمل، فيما الرأي الآخر كان يفضل الذهاب نحو إيجاد مظلات انتخابية تشبه ما أنتجته الثورة الشعبية في 2019 أو التحالف مع قوى سياسية من رحم تيار المستقبل وهذا ما جرى في معظم المناطق على الرغم من رعاية حماس للقاءات جمعت أمين عام الجماعة عزام الأيوبي مع حسن نصر الله والتي كانت تمتد لساعات طويلة ووصلت لسبع ساعات.

الانتخابات الداخلية: فوز جناح الحزب والتواصل مع دمشق

ووفق ما نشر سابقاً في موقع المدن اللبناني ومركز كارنيغي للدراسات الشرق أوسطية، فاز جناح الجماعة الإسلامية المقرّب من حماس وحزب الله في الانتخابات الأخيرة لاختيار قيادتها، ونال أكثرية المقاعد في المكتب السياسي ومجلس الشورى. وقد انتُخِب الشيخ محمد طقوش، رئيس جهاز أمن الجماعة سابقًا في بيروت.

وبحسب الباحث الرئيسي في مركز كارنيغي الدكتور مهند الحاج علي، فإن الانتخابات داخل الجماعة كشفت عن خلافات عميقة في أوساط الجماعة الإسلامية، عكست حالة الاستقطاب القائمة داخل حماس حيث تسود انقسامات في صفوف القيادة حول بناء تحالف قوي مع إيران وسوريا.

وفق الحاج علي فإن يحيى السنوار، زعيم حماس في قطاع غزة وأحد مؤسّسي الجهاز الأمني للحركة، يُبدي تأييده لهذا التحالف، في حين أن الممثلين السياسيين التقليديين لحماس، مثل زعيمها السابق خالد مشعل، يعارضونه، ويشير الباحث اللبناني إلى أنّ بعض الأشخاص في الجماعة الإسلامية يرى أن هذا النمط يتكرر داخل الجماعة، حيث تتفوق الشخصيات الأمنية-العسكرية على الشخصيات السياسية.

وفقاً للحاج علي فإنه ما يزال النزاع السوري عامل استقطاب شديداً في صفوف العناصر المنتمين إلى الجماعة الإسلامية، إلى درجة أن البعض يعتقدون أن نتائج الانتخابات الأخيرة قد تؤدّي إلى انقسام في صفوف الجماعة، التي تُعتبر أساسًا صغيرة الحجم نسبيًا.

بالتوازي كانت الصحفية في صحيفة المدن اللبنانية جنى بركان قد كشفت عن أن مسؤول جهاز الأمن في الجماعة الإسلامية التقى منذ أشهر مسؤولين في أحد أجهزة الأمن السورية، بغية إعادة ربط العلاقة بين الطرفين، وبحسب بركات فإن الفريق الجديد داخل الجماعة اتخذ تلك الخطوة انطلاقاً من الآتي:

الفريق الممسك بالجماعة يعتقد بعدم جدوى إعادة العلاقة مع دول الخليج، وخصوصاً أن السعودية -وعلى الرغم من مساعي القيادة السابقة في الجماعة لفتح ثغرة في جدار العلاقة معها، ويبرر ذلك بحسب بركات أن دول الخليج متمسكة بعدائها مع الإخوان وحماس ولم تبادر لفتح صفحة جديدة مع التنظيم الإخواني.

لكن بركات تعتقد أن ولوج الجماعة بعلاقة مع النظام السوري سيجد مبرراً واضحاً وهو أن تركيا والتي احتضنت الإخوان لسنوات طويلة ذاهبة باتجاه التطبيع مع الأسد، كذلك فإن دول عربية عديدة اتخذت قراراها بالحوار مع النظام، وهذا النقاش رغم نفيه إعلامياً، إلا أنه يأخذ طابعاً تبريرياً في النقاشات مع مسؤولي الجماعة.

لكن الباحث مهند الحاج علي يرى أن الجماعة الإسلامية، بعدما أصبحت اليوم في معسكر حماس، ستواجه عوائق مماثلة لتلك التي ستصطدم بها حماس. فما إن تطأ قدما إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي لحماس، أرض دمشق للقاء الأسد أو مسؤولين كبار في نظامه، ستواجه الحركة استياءً عارمًا.

في حين ما تزال حماس منقسمة بشدّة بشأن هذا التقارب، لذا قد لا يتمكّن حليفها اللبناني الأضعف بكثير، أي الجماعة الإسلامية، من الصمود سياسيًا بعد مصافحة النظام السوري.

وثمة إشارات واضحة بارزة عن إعادة الجماعة لتموضعها السياسي داخل محور الممانعة بعد سنوات من حالة الخصومة معه، وذلك وفقاً لمراقبين وهي:

إعلان مواقع لبنانية عن لقاء مرتقب بين القيادتين أي الحزب والجماعة برعاية حمساوية، وهذا الأمر سيؤسس لمرحلة تعاون تطلق عليها الجماعة على أنها تندرج في تلاقي الطرفين بمشروع مواجهة إسرائيل.

تبرز زيارات لشخصيات على تحالف وثيق مع الأسد ونظامه إلى مقر الجماعة للتواصل والتنسيق، وتحديداً برزت أسئلة عن زيارة الوزير الدرزي السابق وئام وهاب إلى مقر الجماعة بعد سنوات من العداء والهجوم المستمر، في حين تربطها تلك الجهات بحقيقة التواصل مع النظام السوري، كذلك زيارة علنية لوفد حزب الله برئاسة رئيس المجلس السياسي للحزب لمقر الجماعة، تبعتها زيارة لوفد السفارة الإيرانية وحركة الجهاد الإسلامي.

تستمر وسائل إعلام الممانعة (صحيفتا الأخبار والديار) بالإضافة إلى صحفيين مقربين من حزب الله بالحديث عن تقارب بين الحزب والجماعة ومستقبلاً مع سوريا ما يؤكد ما يشاع وينقل.

تأكيد الأمين العام الجديد الصلة التي تجمع الفريقين لدرجة قوله بشكل صريح عبر صحيفة الأخبار المحسوبة على حزب الله “نحن وحزب الله نشبه بعضنا ونخشى الفتنة”، ما يعيد للأذهان العلاقة التاريخية بين ثورة إيران وحركات إسلامية سنية في المنطقة قبيل حرب العراق وثورة سوريا.

في نهاية الأمر هذا الصراع الحاصل والتخبط الدائر هو انعكاس طبيعي لحالة السيولة السياسية الجارية بعد الربيع العربي والتي ألقت بظلالها على الجماعات والحركات الدينية في المنطقة والتي تترجم ثابتة رئيسية أن تلك الجماعات غير جاهزة للحكم في المدى المنظور.

المصدر: موقع تلفزيون سوريا

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: