إخلاء “التكية السليمانية”.. أصابع الاتهام تتوجه نحو إيران بطمس معالم دمشق

ليث أبي نادر وعماد كركص

This post has already been read 12 times!

مع إخلاء سوق المهن اليدوية بمنطقة “التكية السليمانية” في دمشق القديمة من قبل وزارة السياحة في حكومة النظام السوري، توجهت الاتهامات نحو إيران الساعية لفرض الهيمنة على دمشق القديمة بهدف طمس معالم هويتها التاريخية.

فبعد أن أعطت الوزارة إنذاراً بالإخلاء، بذريعة الترميم لحوالى خمسين حرفياً يشكلون قوام السوق بمهنهم اليدوية التراثية عبر المحال الصغيرة التي يتوزعون فيها؛ أخلت الوزارة السوق بالفعل، ونقلت الحرفيين إلى مكان آخر، تشير المعلومات إلى أنه في مشروع دمر غربي دمشق، أي خارج نطاق المدينة.

بدا السوق خاوياً، بعد أن كان مقصداً سياحياً للزوار أكثر من كونه سوقاً تجارياً لأصحاب الحرف والمهن اليدوية. وفيما نقلت وسائل إعلام النظام عن مسؤولين بالوزارة التنويه بأن الوزارة غير ملزمة بتجديد عقود الإيجار للحرفيين، في إشارة إلى التمهيد بعدم إعادتهم إلى السوق، تذهب المخاوف بتبديل هوية السوق أو نسفه بالمطلق بإحلال شيء آخر مكانه، بعد الاستثمار مع عامل الوقت والتقادم، كما المعتاد في كل مشاريع الترميم التي يقدم عليها النظام.

لماذا تتهم إيران؟

في إبريل/ نيسان من عام 2016 شبّ حريق ضخم بسوق العصرونية في دمشق القديمة، التهمت النيران معظم محال السوق، حينها أكدت المعلومات أن مقربين من إيران عرضوا مبالغ طائلة على التجار وأصحاب المحلات في سوق “العصرونية” مقابل بيعها والتنازل عنها، وعند رفض العديد منهم للعروض المغرية، حدث الحريق.

وفي صيف عام 2020 التهم حريق هائل عدداً من محال سوق البزورية القريب من سوق العصرونية في دمشق القديمة، القريب بطبيعة الحال من المسجد الأموي الكبير وسط دمشق، ونهاية العام الماضي تعرض 12 محلاً في سوق مدحت باشا للحرق قبل التدخل لمنع امتداد النيران إلى باقي محال السوق.

وتشير إحصاءات غير رسمية إلى أن حوالى 100 حريق اندلعت في دمشق القديمة في عام 2020 وحده، ومنذ حريق العصرونية 2016، وحتى حريق مدحت باشا الشهر الماضي، كانت الاحتكاكات الكهربائية السبب الوحيد الذي يُعلَن كمسبب للحرائق من قبل حكومة النظام.

ما دور أسماء الأسد؟

تواصل “العربي الجديد” مع عدد من أبناء دمشق القديمة، وبعض التجار الذين فضلوا عدم الحديث بأسمائهم الصريحة، للاستفسار عن إخلاء سوق التكية السليمانية، حيث أبدوا جميعهم تخوفاً من طمس معالم السوق عبر أذرع إيران، وعدم إعادة الحرفيين إليه.

واعتبر “أبو مهند”، وهو اسم مستعار لأحد الحرفيين في مدينة دمشق، أن “إغلاق التكية السليمانية في قلب العاصمة هو بيع جديد للبلد أو استثمار خاص لتاجر يتبع لقصر المهاجرين كما درجت العادة”.

وأضاف لـ”العربي الجديد” أن “الزعم بنقل الحرف إلى مكان آخر هو طمس متعمد للآثار، ولكل ما بقي جميلاً في أقدم عواصم العالم، مشيراً إلى ما تختزنه الذاكرة لأغلب من زار التكية وتجول فيها”، مضيفاً أن ما يحدث “رسالة للسوريين عن المرحلة القادمة”.

وأشار الحرفي إلى عجز حكومة النظام عن الترميم أو التحديث في أي مشروع، وتحويله إلى شيء غير قابل للحياة وبعيد عن القلب والذاكرة كي يعودوا ويستثمروه للمتنفذين في السلطة، حيث اعتاد الدمشقيون ذلك، مثل أرض معرض دمشق القديمة، وكراج بيروت وغيرهما من الأملاك العامة.

وقال إن محافظة دمشق تزعم أنها قدمت مكاناً بديلاً لحرفيي التكية السليمانية، لكن حتى لو كان صحيحاً، فقد جعلت أهم مصدر لبقاء هؤلاء في مهنهم التراثية عرضة للخطر والانقراض، ويبعدهم عن جذورهم وعن الناس.

ورجحت المصادر أن يكون عزل الحرفيين في مكان بعيد هدفه الضغط عليهم للالتحاق بالشركة السورية للحرف، التي أطلقتها العام الماضي “الأمانة السورية للتنمية” التي تشرف عليها أسماء الأسد، والتي افتتحت لها متاجر خاصة في أسواق دمشق التاريخية والحديثة وفي بعض المحافظات.

عداء تاريخي

ويعتبر الكاتب والباحث الدمشقي محمد منصور، أن “الحرفيين في التكية كانوا على مرّ أكثر من خمسين سنة جزءاً من هويتها وسرّ جاذبيتها السياحية، حتى بالنسبة إلينا نحن أبناء دمشق”، مضيفاً لـ”لعربي الجديد”: “هؤلاء الحرفيون ثروة نادرة، يحفظون إرث مهن تراثية شبه منقرضة، ولا يمكن تعلمها بسهولة، وعندما تقول وزارة السياحة إنها غير ملزمة بتجديد عقودهم، فهي تحولهم إلى مستأجرين عاديين وتنزع عنهم صفة المبدعين وحاملي تراث المهن اليدوية الدمشقية، وهذا الكلام بالتأكيد قرار بعدم إعادتهم إلى السوق، وليس تمهيداً وحسب. والمعلومات التي رشحت تقول إن المخطط هو منح هذا الأثر العثماني في قلب دمشق لاستثمار إيراني يغير الهوية ويمحو البصمة ويشوه المكان وذاكرته”.

ويعود بناء السوق إلى زمن السلطان العثماني سليمان القانوني الذي أعطى الأمر ببنائه عام 1554، فكانت التكية ملجأً للمسافرين وعابري السبيل والفقراء، وظلت كذلك حتى اتخذتها قوات الاحتلال الفرنسي ثكنة عسكرية، ومنذ سبعينيات القرن الماضي، باتت التكية سوقاً للمهن والحرف اليدوية الدمشقية، لتصبح أحد معالم العاصمة التي يقصدها السياح بهدف التعرف إلى تاريخ تلك المهن وعمران السوق بشكل عام، قبل أن تُخلى الآن.

المصدر: العربي الجديد

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: