جيوبوليتكال: هذه دوافع موجة التطبيع مع نظام الأسد

This post has already been read 9 times!

بدأ عدد متزايد من الدول العربية مؤخرًا في استعادة العلاقات مع النظام السوري بعد عقد من الحرب ومحاولات فاشلة للإطاحة بـ”بشار الأسد”.

وأدى صعود الجماعات الجهادية، مثل “الدولة” و”جبهة النصرة”، إلى إقناع الولايات المتحدة بتعليق دعمها للجماعات التي تهدف إلى الإطاحة بنظام “الأسد”. وشجع هذا روسيا على التدخل وإنقاذ حكومة “الأسد” بعد فشل وكلاء إيران في هزيمة المتمردين.

ومع خروج إدارته ببطء من العزلة، تريد الأنظمة الاستبدادية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تسليط الضوء على نجاح حكومة “الأسد” كدليل على أن استخدام القوة الغاشمة هو وسيلة مشروعة لقمع التهديدات.

لقد منح بقاء “الأسد” هذه الأنظمة الثقة في أن الثورات في بلدانهم من غير المرجح أن تنجح، لكن تقسيم سوريا واستمرار وجود الجيوش الأجنبية يشير إلى أن المواجهة ستستمر لسنوات قادمة.

وبدأت الإمارات والأردن ومصر والبحرين في التحرك نحو تطبيع العلاقات مع سوريا منذ أكثر من عامين. وأخذت الإمارات زمام المبادرة، وتعهدت ببناء محطة للطاقة الشمسية في سوريا بعد وقت قصير من إرسال وزير خارجيتها إلى دمشق. وأعادت البحرين تعيين سفير لها في سوريا. وقد ضغطت مصر من أجل عودة نظام “الأسد” إلى جامعة الدول العربية. وحصل ملك الأردن، وهو حليف وثيق لواشنطن، على إذن من الولايات المتحدة لاستئناف العلاقات التجارية مع سوريا. وأعيد فتح المعابر الحدودية بينهما، وعادت العلاقات التجارية إلى مستويات ما قبل الحرب.

وتبرر الحكومات العربية موقفها بالقول إنها تريد مساعدة سوريا على تقليص نفوذ إيران في البلاد، ومواجهة “الاحتلال التركي” للمناطق الحدودية، واحتواء “الحركات الإسلامية المتطرفة” التي تسيطر على محافظة إدلب في الشمال الغربي.

وفي الأسابيع الأخيرة، ظهرت عدة مؤشرات على احتمال قيام الحكومة التركية أيضًا بتطبيع العلاقات مع نظام “الأسد”، خاصة بعد اجتماع في موسكو بين مسؤولين أتراك وسوريين، حتى إن الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” أشار إلى إمكانية عقد لقاء شخصي مع “الأسد”.

وأصبح هذا التحول ممكناً بفضل بقاء حكومة “الأسد” بعد أكثر من عقد من الحرب الأهلية. وحتى الآن، لم يكن هناك تلميح من الولايات المتحدة بعواقب على الحكومات التي تختار إعادة العلاقات الدبلوماسية مع سوريا، بالرغم من إصدارها قانون “قيصر” الذي يسمح لواشنطن بفرض عقوبات على الدول والكيانات المتعاونة مع نظام “الأسد”.

وبدلاً من ذلك، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية “نيد برايس” إن واشنطن أوضحت لشركائها الإقليميين أن الوقت الحالي ليس هو الوقت المناسب لتحسين العلاقات مع سوريا كما طلبت منهم النظر في سجل “الأسد” المروع في حقوق الإنسان على مدى السنوات الـ12 الماضية، بما في ذلك رفضه المستمر للسماح بوصول المساعدات الإنسانية المنقذة للحياة إلى ملايين السوريين اليائسين.

كما لم تضغط الولايات المتحدة من أجل حل سياسي سلمي للصراع على أساس قرارات الأمم المتحدة التي قبلتها المعارضة، والتي أعربت عن استعدادها للتفاوض على تسوية مع النظام.

لكن الرد السلبي لواشنطن لا ينبغي أن يكون مفاجئًا. في عام 2012، قال السفير الأمريكي في سوريا، “روبرت فورد”، إن الولايات المتحدة لن تفرض منطقة حظر طيران أو تتدخل مباشرة في الصراع. كما شدد على أن الولايات المتحدة لن تزود المعارضة بالسلاح، مشيرًا إلى أنها لا تريد المشاركة بشكل مباشر في إسقاط النظام.

وعندما استخدم “الأسد” الأسلحة الكيماوية وقتل الآلاف من المدنيين، صادرت الولايات المتحدة ترسانته من الأسلحة الكيماوية، بالرغم أن الرئيس “باراك أوباما” قال سابقًا إن استخدامها في الصراع السوري سيكون تجاوزا لـ”خط أحمر”.

وفي عام 2017، أوقفت وكالة المخابرات المركزية برنامج دعمها للمقاتلين المعتدلين في الجيش السوري الحر الذين يحاولون الإطاحة بالنظام. وتخلت واشنطن بشكل أساسي عن سوريا، وتركت الأمر لروسيا وإيران للقتال من أجل النفوذ. كما خفف الأردن موقفه من نظام “الأسد”، خوفًا من أن يؤدي سقوطه إلى اضطرابات في الداخل.

وبالمثل، تخلت تركيا عن موقفها من تغيير النظام بعد التوصل إلى تفاهم مع روسيا وإيران في عام 2016.

وأصبح الصراع الآن في طريق مسدود، مع أمل ضئيل في التوصل إلى تسوية في المستقبل المنظور. وتفضل الولايات المتحدة ودول غربية أخرى التركيز على تخفيف المعاناة الإنسانية الناجمة عن 12 عامًا من الحرب. وتعتبر واشنطن المساهم المالي الأهم في برامج دعم اللاجئين السوريين، حيث تقدم أكثر من 15 مليار دولار من المساعدات الإنسانية لسوريا والدول المضيفة للاجئين، وهي تركيا ولبنان والأردن.

استقبلت ألمانيا أكثر من 600 ألف لاجئ سوري، وهو أكبر عدد في أي دولة لا تشترك في الحدود مع سوريا. ولم توقع أي دولة من دول مجلس التعاون الخليجي على اتفاقية عام 1951 المتعلقة بوضع اللاجئين، وبالتالي فهي لا توفر الحماية للاجئين السوريين.

وبالرغم من الانفراج الناشئ، لا تزال العديد من الدول لديها وجود عسكري في سوريا. ولا تعتبر الولايات المتحدة سوريا ذات أهمية استراتيجية، لكنها تحافظ على وجود عسكري رمزي في شمال شرقي سوريا لمنع تركيا من مهاجمة قوات سوريا الديمقراطية، حليفها في القتال ضد تنظيم “الدولة”. وتحتفظ حاليًا بـ28 موقعًا عسكريًا في سوريا لمواجهة الوجود الروسي والإيراني في المنطقة. وتسيطر الدوريات الأمريكية على حقول نفط الرميلان شرقي نهر الفرات، حيث توجد معظم ثروة سوريا النفطية.

وتنتشر قوات “حزب الله” والميليشيات الشيعية الأخرى الموالية لإيران في 117 موقعاً على طول الحدود اللبنانية السورية، وتتركز في مفترق طريق القصير الاستراتيجي. وتنتشر هذه القوات في مواقع تمتد من حمص إلى حلب، وكذلك بالقرب من خط وقف إطلاق النار في الجولان.

أما تركيا فهي تنشر قواتها في 122 موقعا عسكريا بمحاذاة الحدود الشمالية. وتحتل القوات الروسية 75 موقعا أهمها قاعدة حميميم الجوية قرب اللاذقية والمنشأة البحرية في طرطوس. وتراقب هذه القوات الدوريات الأمريكية والحركات الإسلامية في إدلب وحمص في الشمال الغربي ودرعا في الجنوب الغربي.

ولم تعد المنافسة بين روسيا وإيران تدور حول المصالح الاقتصادية أو النفوذ على مؤسسات الدولة، فموسكو تريد أن تضمن بقاء “الأسد” في الفلك الروسي بينما تريد إيران إبقاءه رئيسًا لنظام منبوذ معزولًا إقليميًا ودوليًا حتى تتمكن من الاستمرار في التلاعب به. لا تريد إيران أن ترى عودة حكومة “الأسد” إلى المنطقة العربية كما ترفض التقارب التركي مع دمشق.

وتدرك طهران أن “الأسد” يرفض الفكر الديني الإيراني ويشكو من جهود الحرس الثوري الإيراني للسيطرة عليه. ومع ذلك، استطاعت إيران إحكام قبضتها على “الأسد”. ولا يزال الملالي يتذكرون كيف كان والد “بشار الأسد” يضع قيودًا على تأثيرهم على سياسته تجاه الدول العربية والغربية. لكن أصبح لدى إيران الآن سيطرة كاملة على نظام “الأسد”، ولهذا ضغطت السعودية على مصر لعكس دعمها لإعادة دمج سوريا في النظام العربي.

وتريد معظم الدول العربية، باستثناء السعودية وقطر (والآن مصر)، أن تنضم سوريا مرة أخرى إلى جامعة الدول العربية. ويتوقف حدوث ذلك على نجاح المفاوضات السعودية الإيرانية. ومع ذلك، فمن غير المرجح أن يؤدي تطبيع العلاقات بين سوريا والحكومات العربية إلى إضعاف الوجود الإيراني في البلاد.

ويقدم نجاح “الأسد” في الاحتفاظ بالسلطة خلال العقد الماضي نموذجًا للأنظمة الاستبدادية في العالم العربي للحفاظ على السيطرة حتى عند مواجهة انتفاضة جماعية أو حرب شاملة.

وفي العراق، نفذت قوات الحشد الشعبي المدعومة من إيران بعض الأساليب العنيفة التي استخدمها نظام “الأسد” لهزيمة المعارضة. وينطبق الشيء نفسه على حركة “أمل” الشيعية و”حزب الله” في لبنان، حيث تم قمع المتظاهرين والناشطين بعنف بينما بقي الجيش على الحياد.

إن إعادة تأهيل نظام “الأسد” تعني مسامحته عن الجرائم التي ارتكبها بحق الشعب السوري في حرب أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن نصف مليون شخص وتشريد أكثر من 14 مليونًا، يمثلون نصف سكان البلاد. كما اعتقل النظام قرابة 100 ألف سوري ولا يزالون في عداد المفقودين.

لقد انتصر الطغيان في سوريا مع بقاء الأسباب الجذرية لثورة 2011 دون معالجة. وبالتالي، فإن التطبيع مع نظام “الأسد” سيؤدي إلى استمرار دائرة الصراع والاستبداد التي ميزت سياسات الشرق الأوسط لعقود.

تُظهر التجربة السورية أن النظام يمكنه قمع التمرد (مهما كانت شدته) والانتصار في حرب استمرت 10 سنوات، بغض النظر عن التكلفة.

المصدر | هلال خاشان | جيوبوليتكال فيوتشرز – ترجمة وتحرير الخليج الجديد

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: