الرواية عالم مُترامي الأطراف.. ولا أريد الالتفاف على الواقع

آمنة جبران

This post has already been read 12 times!

يقول الروائي السوري فواز حداد إن “عالم الرواية، عالم غني واسع ومترامي الأطراف، موضوعه الحياة، يُعنى بها من كافة وجوهها”، وأن “ساحة عمل الروائي لا تحدها حدود، ولا يمكن الإحاطة بها، وهي نعمة، خاصة إذا تحرك فيها بحرية”.

ويضيف، في حوار مع “إرم نيوز”: “هذا لا يعني أن رواياتي تاريخية أو سياسية أو روايات لا تهتم إلا بالقضايا الكبرى، وهو أمر لم أتخصص به، ولم أزعمه”، وفقاً لتعبيره.

ويؤكد: “أريد أن أكون على تماس مع الواقع، وليس على أطرافه المتخيلة. إذا كان هناك مَن يريد التعرف إلينا، فليس من خلال تقليد الآخرين”.

وفواز حداد، روائي سوري بارز له عدة مؤلفات، منها “لقد مررت بهذا العصر”، و”موزاييك دمشق”، و”الولد الجاهل”، و”مرسال الغرام”، و”السوريون الأعداء”، و”يوم الحساب”، و”تفسير اللاشيء”، ورُشح للفوز بجائزة الرواية العربية (البوكر) 2009، وجائزة روكرت الألمانية 2013.

كيف كان تسجيل تجربتك الروائية؟ وكيف وجدت نفسك مدفوعاً إلى هذا العالم في مؤلفاتك؟

لا تخلو أي مهنة من جاذبية في حال نحن اخترناها، أي لم تُفرض علينا، أو اضطررنا إلى ممارستها، بالنسبة لكتابة الرواية، لا مبالغة في القول إن عالم الرواية، عالم غني واسع ومترامي الأطراف، موضوعه الحياة، يُعنى بها من كافة وجوهها.

فالرواية على علاقة بالحاضر والماضي والمستقبل والتاريخ والخيال والأحلام والأوهام، وعلى صلة بالدين والفلسفة والتاريخ والسياسة والعلم.. إلخ، وطبعاً، في المقدمة البشر، عواطفهم وأفراحهم شقاؤهم وآلامهم.

نكاد نقول كل شيء، ساحة عمل الروائي لا تحدها حدود، ولا يمكن الإحاطة بها، وهي نعمة، خاصة إذا تحرك فيها بحرية. نعم، إنها مثيرة جداً، فيما لو استطاع إدراك هذه الثروة التي بحوزته، فلماذا لا يندفع نحو هذا العالم؟

التاريخ السوري كتاريخ أي بلد، يختلف عنه في التفاصيل، ما يمنحه شخصيته الفارقة، وإذا كان قد ألهمني فلأنه يعنيني.

ذكرت سابقاً أن “تجربتك الروائية تطمح إلى البحث عما وراءها”، هل تعتقد أن سؤال الكتابة سيبقى دائما دون إجابة؟

ليس دونما إجابة فقط، بل ربما تعددت الإجابات بعدد الروائيين، لماذا تصبح الكتابة حاجة، رغم عدم مردودها المادي والمعنوي أحيانا؟

مثلاً، ما الذي يرضينا فيها حتى أننا لا نتخلى عنها، أو تتخلى عنا؟ لماذا يسارع منذ سنوات المئات من السوريين إلى الرواية، لمجرد إحساسهم بما تمنحهم إياه من فضاء للتعبير، على الرغم من الكارثة المخيمة؟ كذلك الآلاف من الشبان العرب يجدون في الرواية ما يبحثون عنه؟

أي مجد سوف تمنحهم إياه مع أنهم يعرفون أن المشوار طويل، وربما لا يصلون إلى ما يبتغون، أو لا يتابعون نحو الغاية المنشودة؟ ربما الطموح نحو أهداف تلوح في الأفق، مع أن الشهرة مشكوك بها.

إنها صناعة الدعاية والجوائز، بمعنى ما ملفقة، وعموما غير موثوقة على الإطلاق، الشهرة الحقيقية قد تأتي أو لا تأتي، وغالبا بعد الموت. لذلك، نجد في عالمنا المشاهير كثرا، نصادفهم كيفما تلفتنا، إنها حكاية صور، بينما الكتابة هي الحقيقة.

تكمن التجربة الحقيقية في الباعث عليها، مهما كان غامضاً، في الكتابة قد نمضي العمر كله ونحن نسعى إلى معرفتها، وربما كان في البحث عن الجواب لما يؤرقنا، هو بحد ذاته التجربة نفسها سواء عثرنا أو تعثرنا في السعي إلى التعرف إليها، وربما عما لا ندري ماذا نحن وراءه، مع أننا نرهن حياتنا له، وقد نظفر بما يعفينا من هذه التساؤلات، طالما فعل الكتابة يلبيها، وإن كان في العمق يبقى من دون جواب جاهز.

لماذا بدأت تجربة الكتابة في سن متأخر، ولماذا تخليت بسرعة عن كتابة القصة القصيرة واخترت الانشغال بعالم الرواية؟

باختصار، بدأت الكتابة في سن مبكرة جداً، ولم أنقطع عنها، لكن نشرت بوقت متأخر، كان ذلك حسب ظروفي الحياتية، لم تكن ميسرة، وربما كان من حسن حظي، أنني لم أتسرع بالنشر، لكن لما قررت، لم أبدأ، بل استأنفت الكتابة، ولم أتوقف منذ ذلك الوقت.

بالنسبة لكتابة القصة القصيرة، جربتها وكانت تجربة معقولة، أصدرت مجموعة واحدة تحت عنوان “الرسالة الأخيرة”، أما لماذا لم أتابع كتابة القصة، فلإدراكي أنها تحتاج إلى مهارات لا أمتلكها.

نظرتي إلى الحياة بانورامية، فلم أتوافق معها، تعتمد القصة على لقطة مؤثرة، بينما الرواية تعمل غالباً على النفس الطويل، تخوض في عالم ومعالم وأنواع مختلفة من البشر، تخالط الحياة في سريانها، وتجاريها في تقلباتها، هكذا الرواية، في هذا العالم وجدت نفسي، كان عالمي فعلاً.

التاريخ السوري المعاصر القائم على النقل والتخييل يعد ملهماً لروايتك، كيف ساهم ذلك في تحديد رؤيتك لفن الرواية؟

التاريخ السوري كتاريخ أي بلد، يختلف عنه في التفاصيل، ما يمنحه شخصيته الفارقة، وإذا كان قد ألهمني فلأنه يعنيني، أنا موجود فيه، لا كيان لي من دونه.

إذا كانت رواياتي تحتاج إلى زمن، فالتاريخ يوفره لي، بينما بلدي يوفر لرواياتي المكان. لم أرغب في الكتابة عن بلد بلا اسم، وليس له وجود على الخارطة، بلد مختلق، ولا عن بلد وزمان متخيلين، وربما استعارة بلدان أخرى، ولو كان للتحرر من الرقابة والمنع. هناك مَن يستهويهم هذا الأمر.

أنا مهتم بالواقع، لا أريد الالتفاف عليه، ومهتم بهذه الحياة التي أعيشها، لا يهمني غيرها، أريد أن أكون أقرب إلى البشر، هذا نابع من قناعتي أن الكاتب كلما كانت رواياته مغرقة في الحياة المعاشة، كلما كانت أقرب إلى العالم، أريد أن أكون على تماس مع الواقع، وليس على أطرافه المتخيلة. إذا كان هناك من يريد التعرف إلينا، فليس من خلال تقليد الآخرين.

كتبت عن هذا العصر، الممتد من منتصف القرن الماضي إلى العقود الأولى من القرن الحالي، واجهنا أحداثاً سواء كانت جيدة آو سيئة، فقد كانت حياتنا.

يصفك مثقفون بأنك روائي الواقع السوري المتشظي، كيف تراوح في رواياتك بين الواقعية والتخييل، وهل تعتقد أن القارئ اليوم قادر على التفطن والتمييز بينهما؟

ليست قصة مراوحة بين الواقع والخيال، بقدر ما هما متلاصقان ومتداخلان، إلى حد من العبث الفصل بينهما، الخيال لا يحل محل الواقع، إنه وبمعنى واضح يوغل فيه، كلما كان الخيال مشدوداً إلى الأرض، يستطيع التحليق في الفضاء، لكن أي فضاء؟

فضاء الحياة، ومثلما ينطلق إلى آفاقها، يغوص في أعماقها. يلعب الخيال بهذا دوراً في اتساع رقعة الواقع وانكشافه. هو ليس خيالاً بحتاً، إنه أداة تساعد على التعامل مع تفاصيل الواقع، وليس مواكبة حركته فقط بل وتحريكه في أكثر من اتجاه، بالتالي ما الواقع وما الخيال؟ إنهما الرواية.

أما أن أكون روائي الواقع السوري المتشظي، أو مهما كان ما يطلق عليّ أو عليه، فلا ريب شئنا أو أبينا، أن الكاتب في أفضل تجليات عمله هو صوت الواقع وتعبير عنه.

المصدر: إرم

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: