قراءة في رواية: ظلام شامي

أحمد العربي

عن دار موزاييك للدراسات والنشر في اسطنبول صدرت رواية ظلام شامي للكاتب السوري المنتمي للثورة رامي المصري. هذا أول عمل روائي اقرؤه له.

ظلام شامي رواية تعتمد في السرد لغة المتكلم على لسان الشخصية المحورية فيها يمان الوالي. زمان الحدث الروائي ما قبل الثورة السورية بسنة، الثورة التي حصلت في ربيع ٢٠١١م .

يمان شاب من ريف دمشق ،أسرته متواضعة اقتصاديا، تابع دراسته ونجح في دراسة الشهادة الثانوية، توجه لدراسة الصحافة بنصيحة من العم حسين الذي يسكن جوارهم، كان قد هرب من حماة في الثمانينات على أثر الصراع بين النظام والإسلاميين المسلحين وطال بطش النظام وقتها الشعب و القوى الوطنية الديمقراطية المعارضة، دمّر النظام أحياء في حماة وقتل الالاف فيها وفي عموم سوريا. زرع العم حسين في ذهن يمان ضرورة التفوق، وجعله يفهم واقع النظام الاستبدادي القمعي في سوريا. لذلك كان يمان حذرا في كل تصرفاته، ويعتمد التقية لإخفاء مشاعره تجاه النظام ككل السوريين.

نجح يمان في الثانوية العامة، سجل في فرع الصحافة في حلب، وتم استدعاؤه للأمن قبل قبوله في الجامعة وحتى قبل تسلمه شهادة النجاح. دفع والده رشوة كبيرة للمسؤول الأمني، لقد تلفظ يمان بنكتة تسخر بالأمن والنظام، قُبل في الجامعة بعد الرشوة. ذهب الى حلب محملا بأحلام التخرج والمشاركة في دور إعلامي يرى نموذجه في فضائيات كثرت في تلك الأيام. أهدى إليه العم حسين كاميرا عالية الدقة، كانت هدية نجاحه.

التحق يمان بالجامعة في حلب، سكن مع سامي صديق له سبقه للدراسة في حلب، كان السكن في غرفة مشتركة في منزل وصال وهي امرأة تعيش وحيدة تستفيد من إيجار الغرفة في معيشتها، ابنها يعمل في لبنان. اكتشف يمان ان سامي شخصية انتهازية ومستغلة، سواء بالتعامل مع اغراضه في الغرفة أو في التعامل مع وصال صاحبة المنزل، التي تطبخ لهم الطعام أحيانا. أصبحت العلاقة بين يمان ووصال جيدة، وقرر يمان ان يجعل العلاقة مع سامي بحدها الادنى…

بدأ يمان عامه الدراسي في قسم الصحافة، يحمل كاميرته دوما، يصور بعض المشاهد التي تلفت نظره، يتدرب على دوره الإعلامي مستقبلا. وفي يوم تفاجأ في الجامعة بمجيئ سيارة وفيها مسؤول أمني ومعه مرافقة اختطفوا فتاة من الجامعة ورحلوا، صوّر يمان بسرية الحدث بالكامل، وبقي محتفظا به دون اخبار احد…

كان لا بد ان يجد يمان عملا يساعده في مصاريف الجامعة والحياة، وجد عملا في مصنع خياطة كبير وكان صاحبه ضابط في الجيش من طائفة النظام. وفي مرة تواجدت امل إبنة الضابط صاحب العمل في حفل داخل المعمل، صوّر يمان امل أكثر من صورة، اعجب بها ، أدرك أن الموضوع لن يتجاوز الإعجاب، اين هو واين هي ؟!!، اختلاف الثراء والطائفة، هو من الشعب وهي من النظام…

 عرض عليها الصور اعجبت بهم وقررت ان تجعله مصورها الخاص يرافقها حيث تريد ويصورها. ورويدا رويدا بدأت تتوالد بداخلهما عواطف حب . كان سامي مطلعا على العلاقة ويحسده عليها…

استجدت على سوريا ثورة شعبها المظلوم في ربيع ٢٠١١م. كان يمان منتميا نفسيا لها، انشأ حسابا على الفيس بوك يخفي هويته، ونشر عليه الفيديو الذي صوره في الجامعة، كان ذلك مؤثرا جدا وأصبح له حضور ومتابعين، استمر يصور وينشر المظاهرات وتعديات رجال الأمن وحتى قتل المتظاهرين. كان يحتفظ بالفيديو في ذاكرة مخفية في منزله ومن سوء تقديره فقد سرق

سامي ذاكرة الكاميرا التي تحوي الفيديو وأصبح يعيش حياة الخطر واحتمال الاعتقال في اي وقت ان وشى به سامي.

على مستوى آخر كانت وصال صاحبة البيت قد أخبرت سامي بوجود قبر مخبأ في منزلها. وان ذلك قد جعل الإيرانيين واذنابهم الذين جاؤوا لدعم النظام في قتل السوريين سيحاولون الاستيلاء على المنزل شراء أو بالقوة، لاعتقادهم بأنه يعود لأحد من مراجعهم الطائفية دفن فيه منذ مئات السنين. علم سامي بذلك وبدأ يبحث عن مشترين، والمرأة ترفض بيع البيت لأنه إرث زوجها، وابنها. وهددوها باعتقال ابنها وبعد ذلك باعتقال يمان ذاته.

تدخل ابو رائد وهو من المجموعات التي تواجدت على هامش الثورة بشبكة علاقاتها، تقوم بأدوار لصالح بعض الناس للحصول على مكتسبات، لنسمهم تجار الأزمات والحروب، ساعد ابو رائد  يمان ووصال في حل مشكلة ابنها وابعاده عن الخطر لكن بمبالغ باهظة …

كان للثورة السورية أثرا سلبيا على علاقة يمان بأمل حبيبته ابنة الضابط، التي تشربت رؤية اباها والنظام عن الارهابيين الذين يثورون ضد النظام، كان الحب قد توطد بينهم. ولكن الثورة ومواقفهم المتناقضة منها وضعت بينهما حاجزا جديدا. حاول يمان أن يؤثر على امل، استطاع التأثير عليها قليلا لكن مستجدات حدثت جعلت إمكانية عودة العلاقة بينهما مستحيلة…

لقد تخبطت أحوال المعمل وأصبح الضابط موتور، وعامل العمال بقسوة وعنف، وتأخر بإعطائهم معاشاتهم. كان زاهر رئيس العمال وصديق زاهر رمزا لوحدة العمال. وأدى لحصول خلاف بين زاهر والإدارة، انتهى بخروجه من العمل واختفائه، ثم وجد مقتولا. وبعد ذلك قتل الضابط صاحب العمل، واعتقل يمان واتهم بنشره الفديو وقتله صديقه زاهر و صاحب العمل والتخابر مع جهات معادية…

اعتقل يمان وشاهد التعذيب والبطش والقتل تحت التعذيب في المعتقل، واجهوه بالتهم وهددوه بالتعذيب لكنهم وبشكل مفاجئ أسقطوا عنه التهم وافرجوا عنه. علم حين وصل الى البيت ان وصال صاحبة المنزل قد باعته لانّ الامن خيرها بين اعتقال يمان بين بيع البيت وهكذا باعت البيت بسعر مجزي…

كان إمام يمان خيار استمرار العيش في حلب وهو معرض للاعتقال في أي وقت او الهروب الى تركيا صحبة وصال، خاصة أن العلاقة مع امل انقطعت كليا بعد مقتل والدها واتهامه بالجريمة. والحقيقة أن من قتل زاهر والضابط هو سامي الذي تبين أنه يعمل لصالح الأمن…

يحصل لقاء بين يمان و امل محاولا اقناعها بحبه وان لا تنتمي للنظام المجرم، وحضر  سامي الذي حاول استمالة امل وحاول قتل يمان، لكنه سيقتل على يد ابو رائد، مما جعل حب أمل ليامن شبه ميت، وتنتصر لانتمائها الطائفي للنظام ومن ألمها على مقتل أبيها الضابط…

أما وصال فقد اطمأنت على ابنها الذي وصل الى العم حسين، وكذلك عائلة يمان الحّوا عليه بالخروج من حلب…

تنتهي الرواية بخروج يمان ووصال تجاه تركيا، بمساعدة ابو رائد وشبكة علاقته، كما توطدت بينهم مشاعر الحب. خرج يمان وهو يمنّي النفس بالعودة الى سوريا وقد تحررت من النظام وظلمه ومن الدول التي تحميه ومليشياتها الطائفية…

في التعقيب على الرواية اقول:

اننا امام رواية أخرى تتحدث عن الثورة السورية، لكن بصفتها خلفية لحياة تستغرق كل شخصيات الرواية. يمان الطالب المنفتح على الحياة، والضابط الذي يستثمر سلطته وماله الذي سرقه من السوريين وينشئ معملا ويستثمر جهود العمال، يستعمل سلطته عند الحاجة، الأمن المهيمن على نفس السوريين وحياتهم، والسوريين الذين يهتمون بتأمين لقمة عيشهم، وتعلمهم الصمت والتقية فيما يتعلق بالنظام. السوريون المظلومون الذين ثاروا وكسروا طوق العبودية وانتصروا لإنسانيتهم وطالبوا بالكرامة والحرية والعدالة والديمقراطية. المحتلون لسوريا الذين جلبهم النظام روسيا وإيران والميليشيات الطائفية التي عملت لخلق واقع طائفي جديد كاذب .  كل ذلك خلفية لحكاية سوري ما، ومثلها ملايين الحكايات…

الرواية تقول لكل سوري سبب تجعله يثور ولذلك ثار… وان لم تنتصر ثورتنا للآن، ورغم كل ما قدم الشعب من تضحيات: شهداء ومصابين ومهجرين ودمار للبلاد ، لكننا خطونا خطوة لاسترداد انسانيتنا ووطننا.

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى