هل تنوي الصين ضم تايوان بالقوة؟ وكيف ستتصرف أميركا؟

Foreign Affairs * ترجمة: كريم محمد.

مقدمة الترجمة:

لا تزال أصداء زيارة رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي إلى تايوان تتردد إلى اليوم، مع جدل داخل الولايات المتحدة حول ما إذا كانت الزيارة ضرورية من الأساس. لطالما كانت تايوان ساحة أبرزت التناقض بين السياسات الأميركية الرسمية، ودبلوماسيتها الفعلية، فرغم اعتراف واشنطن نظريا بسيادة الصين على تايوان، فإنها تواصل تعزيز نفوذها وعلاقاتها مع الجزيرة بشكل يُقوِّض هذه السيادة. فما الذي تريده واشنطن من تايوان حقا؟ ولماذا باتت الصين أكثر حزما تجاه هذه القضية؟ وهل يُنذر الأمر بمواجهة قريبة في مضيق تايوان؟ هذا ما يتناوله مقال ديفيد ساكس، زميل مجلس العلاقات الخارجية، المنشور في مجلة “فورين أفيرز”.

نص الترجمة:

“يرى الجيش بأنها فكرة خاطئة في الوقت الحالي”. كانت تلك هي ملاحظة الرئيس الأميركي “جو بايدن” في أواخر يوليو/تموز بشأن رحلة رئيسة مجلس النواب “نانسي بيلوسي” إلى تايوان. وقد أقرَّت بيلوسي نفسها بذلك حين سُئلت عن تصريحات الرئيس، حيث قالت: “لعلَّ الجيش خشي أن يُسقِط الصينيون طائرَتنا”. وتدلُّ هذه العبارات على أن الولايات المتحدة لربما توافرت لديها معلومات استخباراتية أو تحذير خاص من الصين بأن الأخيرة تنوي اتخاذ خطوة تصعيدية غير مسبوقة إذا زارت “بيلوسي” العاصمة التايوانية “تايبيه” بالفعل. ويبدو أن المكالمة التي استمرت لساعتين بين الرئيسين الصيني والأميركي لم تفعل شيئا ذا بال لتهدئة الموقف. وقد أورد الموجز الرسمي الصيني للمحادثة تحذير الرئيس الصيني “شي” لنظيره “بايدن” بأن “هؤلاء الذين يلعبون بالنار سُتمسِك بهم في نهاية المطاف”.

لم تترك زيارة “بيلوسي” لصُنَّاع القرار الأميركيين سوى القليل من الخيارات الجيدة. فإذا قامت “بيلوسي” بإلغاء رحلتها حينئذ، كانت ستُجرِّئ الصين على زيادة ضغوطها على تايوان، في حين أن الزيارة كانت ستتسبَّب في نشوب أزمة، حيث إن الصين ستجد نفسها مُجبرة على الرد حتى لا يُنظَر إلى تهديداتها باعتبارها كلمات خاوية. ومع ذلك، سيكون من الخطأ أن نعتقد بأن زيارة “بيلوسي” التي جرت مؤخرا ستُقرِّر (وحدها)* ما إذا كانت المواجهة الحاسمة ستقع في مضيق تايوان أم لا. فالولايات المتحدة والصين في طريقهما إلى أزمة بالفعل، إذ إن الصين، التي تمتلك قدرات عسكرية مُعتبرة ولم تَعُد مهتمة بحماية علاقتها بالولايات المتحدة كما كانت في السابق، قد باتت أكثر استعدادا للرد على أي استفزاز تصعيدي بالمقارنة مع الأزمات السالفة.

رغم كل الانتباه الذي حظيت به زيارة “بيلوسي”، فإن الزيارة لم تكُن الأولى من نوعها. فهناك عدد من الزيارات المماثلة التي تمَّت في الماضي، وكانت منسجمة تماما مع سياسة الصين الواحدة للولايات المتحدة. وتُقِرُّ الولايات المتحدة وفقا لتلك السياسة بأن جمهورية الصين الشعبية هي الحكومة الشرعية الوحيدة للصين (بما في ذلك جزيرة تايوان)، وتعترفُ (وإن لم تتبنَّى) بموقف الصين القائل إن هناك صين واحدة فقط وتايوان جزء منها، في حين تُبقي على علاقات غير رسمية مع تايوان.

الزيارة الأميركية.. ليست الأولى

ليست “بيلوسي” أول رئيس لمجلس النواب يزور تايوان، فقد التقى “نوت جينغريتش” الرئيسَ التايواني “لي تِنغ هواي” في العاصمة “تايبيه” عام 1997. ومن الجدير الإشارة إلى أن “جينغريتش” كان قياديا جمهوريا أثناء الإدارة الديمقراطية لـ”بيل كلينتون”، بينما ينتمي كلٌّ من “بيلوسي” و”بايدن” إلى الحزب نفسه. ولهذا السبب، اعتقد المسؤولون الصينيون بأن “بيلوسي” إنما تتصرَّف بالتنسيق مع البيت الأبيض. ومع ذلك، فإن وفودا من الكونغرس تزور تايوان بصورة روتينية. فقد أرسلت الإدارة السابقة مسؤولين أصحاب مناصب وزارية إلى هناك، إذ زار وزيرُ الصحة والخدمات الإنسانية “ألِكس أزار” العاصمة التايوانية. ويُقال إن “بيلوسي” سافرت على متن طائرة حربية أميركية، بيد أن هذه أيضا ليست بِدعة جديدة، ففي يونيو/حزيران 2021، وصل ثلاثة من أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي إلى تايوان على متن طائرة للقوات الجوية الأميركية.

إن ما يجعل زيارة “بيلوسي” مختلفة هو أنها حصلت في وقت تؤمن فيه بكين بأن الولايات المتحدة تبتعدُ عن سياسة الصين الواحدة، وهناك بالفعل عدد من التغيُّرات الملحوظة في الدبلوماسية الأميركية تجاه تايوان في السنوات الأخيرة. فقد أرسل وزير الخارجية السابق “مايك بومبيو” تهانيه إلى الرئيس التايواني إبَّان تنصيبه عام 2020، واستضافت إدارة “ترامب” عددا من دبلوماسيِّي تايوان في مقر وزارة الخارجية الأميركية، وهي سُنَّة سارت عليها إدارة “بايدن” الحالية. وقد أشار وزير الخارجية الحالي “أنطوني بلينكن” إلى تايوان بوصفها “دولة” على الملأ، وقدَّمت إدارة “بايدن” دعوة إلى مُمثِّل تايوان في الولايات المتحدة لحضور حفل تنصيبه في واشنطن العام الماضي، كما وجَّهت دعوة إلى تايوان للمشاركة في قمة الديمقراطية. وقد سرَّب أفراد مسؤولون إلى وسائل الإعلام معلومات مفادها أن هناك جنودا أميركيين في تايون يُدرِّبون قواتها، والحال أن كل هذه التحركات لا ترقى إلى كونها اعترافا دبلوماسيا، لكن بكين قد ترى في زيارة “بيلوسي” الأخيرة فرصة لإرسال رسالة مفادها أن الولايات المتحدة عليها أن تكفَّ عما تعتبره الصين سلوكا مُتعمَّدا.

تُعَدُّ ردة فعل الصين على زيارة “بيلوسي” في جزء منها نتاجا للتوقيت غير الملائم. إن الرئيس الصيني “شي” يسعى لولاية ثالثة لا سابقة لها في الحزب الشيوعي الصيني (منذ رحيل “ماو زيدونغ”) هذا الخريف، ولعلَّه أحسَّ بأن الدعم الأميركي العلني عالي المستوى لتايوان قد يجعله يبدو ضعيفا وغير مُمسِك بزمام الأمور فيما يتعلَّق بالعلاقات الحاسمة لبلاده؛ مما يُقوِّض من موقعه ومكانته في تلك اللحظة.

الأهم من ذلك أن ردود أفعال بكين إنما تكشف عن ارتياحها المتزايد لتوقُّع نشوب أزمة حول تايوان. وفي الوقت الذي يواجه فيه الرئيس الصيني ضغوطا اقتصادية في الداخل واستياء داخليا بسبب سياسته الصارمة المعروفة بـ”صفر كوفيد”، فلربما انتهى الرجل إلى أن الأزمة التايوانية بمقدورها أن تحشد الرأي العام وتُعزِّز شعبيته. ولعله قرَّر أيضا أن الدعم الدولي لتايوان بات أقوى من اللازم، لا سيما في أعقاب الاجتياح الروسي لأوكرانيا. ومن ثمَّ يُحتمل أن “شي” يشعر بالحاجة إلى ردع الدول التي تعمل مع تايوان لتعزيز دفاعاتها، وأنه وجد في زيارة “بيلوسي” ذريعة مواتية للتدريبات العسكرية واسعة النطاق التي قامت بها الصين مؤخرا، وهي تدريبات تختبر استعداد جيش التحرير الشعبي الصيني لإجراء عمليات عسكرية مُعقَّدة.

عُقدة خليج تايوان

لقد حدثت أزمة مضيق تايوان الأخيرة قبل ما يزيد على ربع قرن. وكان خطاب الرئيس التايواني السابق “لي” حول ما أُطلق عليه “تجربة الديمقراطية التايوانية” في جامعة “كورنيل”، التي تخرَّج فيها سابقا، الحدث الذي أشعل فتيل أزمة عام 1995. إذ أثار غضب بكين في ذلك الوقت موضوع حصول الرئيس التايواني على تأشيرة لزيارة الولايات المتحدة، بعد أن أكَّد قبلها وزير الخارجية آنذاك “وارِن كريستوفر” لنظيره الصيني بأنه لن يُسمح للرئيس “لي” بدخول البلاد. وردا على ذلك، أجرى الجيش الصيني اختبارات وتدريبات صاروخية في مضيق تايوان، مما دفع وزير الدفاع الأميركي حينها “ويليام بِري” إلى الإعلان أن الولايات المتحدة ستُرسل مجموعتين من حاملات الطائرات الضاربة إلى المنطقة.

منذ ذلك الحين، طوَّرت الصين مجموعة أدوات أكثر صلابة لمعاقبة تايوان. وبينما تفوَّقت ميزانية تايوان العسكرية على نظيرتها الصينية عام 1994، فإن الصين تُنفِق الآن على ميزانيتها العسكرية ما يفوق إنفاق تايوان 20 مرة. لقد أصبحت الصين مؤخرا أكثر جرأة في مناوراتها العسكرية التي تستهدف الضغط على جيرانها، وليس علينا سوى النظر إلى توغُّلاتها شبه اليومية في نطاق الدفاع الجوي التايواني. ولكن إذا ما أرادت الصين إيصال رسالة بعينها، فإنه يتعيَّن عليها القيام بما يفوق ذلك النوع من المضايقات، مما يعني أن خياراتها ستكون تصعيدية بشكل متزايد.

علاوة على تفوُّقها العسكري على تايوان، تتمتَّع الصين بنفوذ في الاقتصاد التايواني. فقد شكَّلت صادرات تايوان للصين نحو 0.33% فقط من إجمالي صادرات تايوان بين عامي 1995-1996؛ أما الآن فإن صادرات تايوان إلى الصين تُمثِّل 30% من الإجمالي. ولذا، يُمكِن للصين أن تغلق سوقها في وجه العديد من البضائع التايوانية، وهي خطوة سيكون من الصعب على تايوان -أو الولايات المتحدة- مواجهتها.

إن العلاقة بين الصين وتايوان لم تتطوَّر وحدها، فخلال الأزمة الأخيرة، كان للصين مصلحة كبرى في الحفاظ على علاقة بنَّاءة مع الولايات المتحدة. وقد تحقَّق ذلك أثناء أزمة 1995-1996، ولاحقا أيضا حين اندلعت أزمة أخرى نتيجة قصف الولايات المتحدة غير المقصود للسفارة الصينية في بلغراد عام 1999، وكذلك إبَّان الحادث الذي وقع عام 2001 حين اصطدمت طائرة مقاتلة صينية بطائرة استطلاع أميركية. وقد سعى القادة الصينيون في كل تلك الحالات إلى إيجاد سبيل لتهدئة التوترات، لكن مع تدهور العلاقات الأميركية الصينية الآن، قد يرى الرئيس “شي” أنه لم يتبقَّ سوى النزر القليل للحفاظ عليه.

ما بعد زيارة بيلوسي

إننا على أعتاب حقبة أخطر للعلاقات الدولية عبر مضيق تايوان. لقد حدَّد الرئيس “شي” هدفه بالوصول إلى “التجديد العظيم” للصين بحلول عام 2049، والوحدة مع تايوان شرط مُسبَق لتحقيق هذا الهدف. ولعلَّ “شي” يرغب بالتحرُّك بسرعة أكبر من الجدول الزمني؛ فمن غير المرجَّح أن يعيش الرجل حتى عام 2049، وقد عبَّر بنفسه عن أن هذه القضية لا يمكن أن تُنقل من جيل إلى جيل، مما يُشير ضمنيا إلى أنه يريد إحراز تقدُّم ذي أهمية على أقل تقدير في مسألة تايوان. بعد ترسيخ حكمه في حزب المؤتمر القادم وتهميش منافسيه وتقليد الموالين له المناصب الحساسة، سيكون لدى “شي” حرية أكبر لمتابعة أهدافه.

تفاديا لأسوأ النتائج المحتملة لهذه المرحلة الخطرة الجديدة، يجب على إدارة “بايدن” أن تشرع في إجراء مراجعة شاملة لسياسات الولايات المتحدة تجاه تايوان. والحال أن مراجعة كهذه للسياسات حصلت عام 1994، وحصلت على إثرها تغيُّرات كبيرة في التفاعلات عبر مضيق تايوان طيلة السنوات التالية. ولا بد أن يكون أحد المبادئ الإرشادية لسياسات الولايات المتحدة ردع أيِّ هجوم صيني على تايوان، وإنفاذا لهذه الغاية، على الولايات المتحدة أن تُعلنها جهارا بأنها ستستخدمُ القوة دفاعا عن تايوان. علاوة على ذلك، يجب على الحكومة الأميركية أن تُحسِّن القدرات القتالية لتايوان، وتمدَّ يد العون إليها لإصلاح قوات الاحتياط الخاصة بها، وتُطوِّر قوات الدفاع الأرضية التايوانية، وتُكثِر من الإنفاق الدفاعي للاستثمار في القدرات غير النظامية. وينبغي لصُنَّاع السياسة الأميركيين أن يعملوا أيضا مع تايوان لإعداد سكانها المدنيين لهجوم صيني مُحتمَل. وإذا كانت الولايات المتحدة على اعتقاد بأن هنالك أزمة في طور التشكُّل، فقد تكون زيارة رفيعة المستوى ناجعة لإرسال رسالة إلى الصين، ولكن ليس على كبار المسؤولين أن يطأوا بأقدامهم العاصمة “تايبيه” كهدف في حد ذاته ليس إلا.

ووفقا لهذا المعيار، فإن زيارة “بيلوسي” لم تكُن موَفَّقة. فرغم أن تايوان لم تجنِ أي مكاسب ملموسة من الزيارة على الأرجح، فإنها تتحمَّل وطأة ردود الفعل الصينية. بيد أن “بيلوسي” أحسَّت أنها الفرصة الأخيرة لإظهار دعمها لتايوان بالنظر إلى أن بقاءها رئيسة لمجلس النواب بعد الانتخابات القادمة أمر صعب. علاوة على ذلك، فإن اتخاذ موقف صارم من الصين لطالما كان إحدى قواعد عملها السياسي، ونظرا إلى أن زيارتها صارت علنية قبل وصولها مع دعم كبير من الحزبين الديمقراطي والجمهوري في الكونغرس، فإن إلغاء رحلتها حينذاك لربما تبعته تداعيات سياسية سيئة داخل الولايات المتحدة.

—————————————————————————

هذا المقال مترجم عن Foreign Affairs ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

المصدر : الجزيرة. نت

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى