مماحكات الأسد الدستورية

بسام مقداد

لم يكن أحد من السوريين ينتظر خيبة أمل غير بيدرسن من نتائج الجولة السادسة من إجتماعات اللجنة الدستورية قي جنيف يوم الجمعة المنصرم، ليتأكد أن المماحكات الدستورية المستمرة في جنيف منذ 2019 لن تضع البداية للخروج من المقتلة السورية. فلم يغرهم تفاؤل بيدرسن لدى إنطلاق عمل اللجنة، ولا خيبة أمله لدى نهاية جولتها الأخيرة إلى ما انتهت إليه جولاتها الخمس السابقة. فهم يدركون أن اللجنة الدستورية لن تجترح المعجزات في ظل توافق الأطراف الدولية الوالغة في مأساتهم على الإبقاء على الوضع كما هو، بل وعمل بعضها على التطبيع مع النظام وإنعاشه، والقبول الصامت لبعضها الآخر بهذه العملية، أو الإكتفاء برفضها الكسول.

الكرملين الذي يقول بأنه يضغط على الأسد للإنخراط الجدي في عمل اللجنة الدستورية كبداية لإنطلاق التسوية السورية، لم تصدر عنه إشارة ملامة واحدة لعودة النظام إلى شل عمل اللجنة بعد يومين من البداية الإيجابية لعملها، والذي أخذ البعض يبني عليها آمالاً عريضة، بمن فيهم غير بيدرسن نفسه الذي خرج علينا يوم الجمعة بخيبة أمله. كما خرج علينا ممثل  الكرملين الخاص في سوريا ألكسندر لافرنتيف بتصريح بعد إنفضاض إجتماعات اللجنة، قال فيه بأن مواقف الأطراف الممثلة في اللجنة مضادة لبعضها البعض في الوقت الراهن، لكن هذا ” ليس سببًا للشعور بخيبة الأمل في احتمالات المزيد من العمل، ونعتبر أن عمل اللجنة يجب أن يستمر”، حسب الصحيفة الرسمية للحكومة الروسيةRG .

عشية إنطلاق الجولة السادسة للجنة الدستورية قام الممثل الخاص للرئيس الروسي في التسوية السورية ألكسندر لافرنتيف ونائب وزير الخارجية سيرغي فرشينين وممثل وزارة الدفاع بلقاء الرئيس السوري بشار الأسد. ويوم إختتام أعمال الجولة إلتقى الممثل الخاص للرئيس الروسي في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ميخائيل بوغدانوف مع السفير السوري في موسكو رياض حداد، وبحثا في عمل اللجنة الدستورية، حسب نوفوستي.

بوريس دولغوف من مركز الأبحاث العربية في معهد الإستشراق برتبة باحث رئيسي، قال، لدى إنطلاق عمل اللجنة في 18 من الجاري، بأن عملية وضع دستور سوري جديد، هي عملية معقدة لأنه لا يوجد حتى الآن اتفاق أساسي بين الأطراف المشاركة في المفاوضات. ومن دون أن يلمّح بكلمة واحدة لموقف النظام في عرقلة عمل اللجنة، قال بأنه ليس من توافق داخل المعارضة نفسها،  حيث توجد مجموعات خاضعة لنفوذ كل من تركيا والسعودية، كما توجد “منصة موسكو” داخلها أيضاً. هذا الخلل وعدم التوافق داخل المعارضة لا يسمح بتوقع التوصل إلى أية نجاحات جذرية في الجولة الراهنة. إضافة إلى ذلك ثمة راديكاليون وسط المعارضة يرفضون مشاركة الأسد في عمل اللجنة. ويرى بأن هذا ليس بالموقف البناء، خاصة بعد إعادة إنتخابه لفترة رئاسية جديدة وتصويت “أكثر من 90%” من السوريين لصالحه.

ويكرر دولغوف القول بترسيخ الأسد سلطته وبأنه يتحكم بالوضع، وتدعمه “غالبية السوريين”، كما تلتف حوله القيادة السورية بزعامة حزب البعث، ويبقى أن تجد المعارضة”القوة في نفسها للتوحد والمشاركة في الحوار الوطني” كما جاء على موقع وكالة الأنباء الروسية informros.

موقع التلفزة الروسية InoTV التابع للشبكة الروسية RT نقل عن شبكة تلفزة ألمانية يوم إنطلاق عمل الجولة السادسة قولها بأن الجولات الخمس السابقة لم تسفر عن أية نتيجة، لكن المفاوضات ستمضي الآن على نحو بناء أكثر، حسب غير بيدرسن في سياق تفاؤله الذي سرعان ما إنتهى إلى “خيبة امل” في نهاية الجولة. وينقل الموقع عن بيدرسن قوله بأن اللجنة الدستورية تقدم مساهمة مهمة للعملية السياسية، لكنها ليست هي التسوية، بل لا بد من الإلتفات إلى الجوانب الأخرى من الأزمة. وهذه الجوانب لا تقدم سبباً للتفاؤل، فبعد عشر سنوات من الحرب سوريا مدمرة، وأكثر من 13 مليون سوري يحتاجون لمساعدات إنسانية، وحوالي 90% منهم يعيشون تحت خط الفقر. وعلى الرغم من كل ذلك لا يزال الرئيس السوري بشار الاسد مستمراً في التمسك بالسلطة، بل وأعيد إنتخابه للمرة الرابعة الربيع الماضي، وهي الإنتخابات التي تشكك الولايات المتحدة وأوروبا بنتائجها.

وبعد أن يتحدث موقع التلفزة الألمانية عن “غالبية” الدول العربية التي إستعادت علاقاتها مع سوريا، ينقل عن هادي البحرة قوله بأنه إذا لم يتحرك عمل اللجنة الدستورية بوتيرة أسرع، فسوف يكلف ذلك ضحايا بشرية، “ولن نقوم نحن بما علينا القيام به حيال معاناة الشعب السوري”.

الخدمة الروسية في وكالة أناضول التركية نشرت في 24 من الجاري نصاً بعنوان “موقف نظام الأسد المتصلب يشكل تهديداً لعمل اللجنة الدستورية اللاحق”. قال الموقع بأن الجولة السادسة للجنة الدستورية السورية لم تنته فقط ب”خيبة كبيرة” بسبب الموقف المتصلب لوفد نظام بشار الأسد، بل ولم تتمكن الوفود المشاركة من تحديد موعد الجولة القادمة للجنة. وتشكل جلسات اللجنة الحلقة الأهم في البحث عن حل سياسي للصراع والسعي لوضع نهاية للفوضى في البلاد.

تسجل الوكالة لممثل المنظمة الدولية غير بيدرسن أنه، وللمرة الأولى، يحمل النظام مسؤولية عدم الخروج بأية نتائج في نهاية الجولة السادسة، حيث قال بأن وفد النظام إتخذ قراراً بعدم تقديم رؤيته للدستور الجديد.

وكانت الوكالة التركية قد قالت في 20 من الشهر الجاري بأنها حصلت على نصي الدستور الجديد المقدمين من النظام والمعارضة. يقول البند الأول في الدستور المقدم من قبل النظام السوري بأن “الجمهورية العربية السورية ـــــ دولة كاملة الإستقلال والسيادة، ولا تقبل بأي شكل التدخل الخارجي بشؤونها الداخلية”. وينص البند الخامس من المشروع بأن “الجمهورية العربية السورية هي “جزء من العالم العربي، تفتخر بعروبتها وتدعم تعاون وتضامن العرب في بلوغ أهداف وحدة الشعوب العربية”.

وتقول الوكالة بأن المعارضة تقدمت في الجولة السادسة بمشروع للدستور الجديد من أربع نقاط، بعد أن كانت قد تقدمت في الجولة الخامسة بمشروع من عشر نقاط، رفض وفد النظام حتى مناقشته حينها.

ينص البند الأول على أن “تلتزم الدولة ببناء المؤسسات الأمنية والاستخباراتية لحماية الأمن القومي ، وتلتزم الدولة بسيادة القانون ، وتعمل في إطار الدستور والقانون ، وتلتزم بمبدأ احترام حقوق الإنسان ، وتتصرف وفق أحدث المعايير”.

البند الثاني ينص على أن”الجيش والقوات العسكرية والهياكل الأمنية مؤسسات وطنية تضمن الوحدة والسيادة الوطنية. مبادئ الجيش هي الابتعاد عن كل أنواع الأيديولوجيات وحرب العصابات والروابط الطائفية وأن يكون المؤسسة الوحيدة التي تحمل السلاح وتستخدمه في سوريا”.

ينص البند الثالث على أن “الجيش هو الهيكل العسكري الرئيسي للدولة، وتقوم أفعاله على مبادئ الكرامة والانضباط. يمارس نشاطاته وفق الدستور. تشكل على شروط الوحدة ووفقاً للقانون. يتعهد بحماية الوطن والشعب من التهديدات الخارجية والإرهاب. يحمي استقلال سوريا وسلامة أراضيها. مُلزم قانونًاً بالمحافظة على الحياد السياسي ودعم السلطات المدنية المختصة والمجتمع”.

أما البند الرابع فينص على أن “الهياكل الأمنية مسؤولة عن الحفاظ على النظام العام وحماية الأشخاص والمؤسسات والممتلكات وإنفاذ القانون. كما أنها تخضع للقانون وتؤدي واجباتها بحياد سياسي كامل واحترام حقوق الإنسان الأساسية”.

المصدر: المدن

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى