مؤتمر المعارضة في جنيف..استعادة القرار السوري أم مغازلة روسيا؟

عقيل حسين

وسط جدل كبير وانتقادات واسعة، أعلن “المؤتمر الوطني لاستعادة القرار” بيانه الختامي مع انتهاء أعمال الهيئة العامة للمؤتمر التي عقدت اجتماعاتها على مدى يومين في مدينة جنيف بسويسرا، مع حضور عبر الانترنت من داخل سوريا وخارجها، على أن يستكمل جدول الأعمال التنظيمي خلال أيلول/سبتمبر، بانتخاب الأمين العام ومجلس الحكماء ومسؤولي المكاتب التنفيذية من أعضاء الأمانة العامة لاحقاً.

بيان مفاجئ

ونص البيان الصادر عن المؤتمر على “السعي لاستعادة السيادة الوطنية والتمسك بوحدة وسلامة الأراضي السورية وحرية الشعب السوري بكافة مكوناته”.

كما طالب ب”خروج كافة الاحتلالات والقوات الأجنبية من البلاد، والتمسك بأهداف الشعب السوري بإسقاط الديكتاتورية وتحقيق العدالة، وكذلك محاسبة المجرمين والعمل على إخراج المعتقلين والمغيبين قسراً في سجون النظام وسجون التنظيمات الإرهابية”.

المؤتمر أكد على اعتبار نضال السوريين “حركة تحرر وطني ضد الاحتلال الخارجي والاستبداد الداخلي”، وضرورة صياغة عقد وطني جامع بالاعتماد على “المحددات الأساسية لمفاوضات الحل السياسي، بناءً على ما نص عليه مؤتمر جنيف واحد عام 2012، والقرارات الأممية ذات الصلة، بما فيها القرار 2254”.

البيان عبّر عن سقف مرتفع فاجأ الكثيرين ممن توقعوا أن يتضمن لغة أقل صدامية تجاه النظام، على خلفية مشاركة عدد من المقيمين في مناطق سيطرته، من المحسوبين على التيار الثالث، بالإضافة إلى وجود كل من هيثم مناع وخالد المحاميد وأسماء أخرى مقربة من حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في لجنته التحضيرية.

وإلى جانب المعايير التي اعتمدت في ترشيح واختيار أعضاء المؤتمر، وجهت انتقادات أخرى إلى مضمون البيان الختامي، خاصة في ما يتعلق بترتيب البنود ووجود بعض التعابير العامة التي رأى البعض أنها تجنبت المباشرة، مثل الحديث عن إسقاط النظام وإغفال اسم بشار الأسد.

اعتراضات رد عليها عضو الأمانة العامة للمؤتمر، العقيد المنشق مصطفى فرحات، بالتأكيد على أن معايير اختيار الأعضاء هي “الوطنية وعدم ارتكاب جرائم أو انتهاكات”، أما في ما يخص انتقاد ترتيب بنود البيان أو الغمز من قناة بعض العبارات الواردة فيه وتأويلها فهو “تعبير عن موقف سلبي مسبق”.

وأضاف في تصريح ل”المدن”، أن “ما تضمنته وثائق المؤتمر محط إجماع غالبية الشعب السوري، إذ لا يمكن الجدال حول حق السوريين في الحرية وخروج الاحتلالات ومحاسبة المجرمين والحفاظ على وحدة الأراضي السورية”. أما حول الاعتراض على ما تضمنه البيان الختامي فرأى أنها “اصطياد في الماء العكر. فنحن عندما نقول إسقاط النظام فهذا يشمل كافة أركانه ورموزه ولا يمكن تصور استثناء الأسد”.

تحفظات وانسحابات

إلا أن التحفظات تجاه المؤتمر عززتها السجالات التي شهدتها اجتماعات اليوم الأول، إلى جانب بعض الأخطاء التنظيمية وكذلك انسحاب عدد من المشاركين فيه احتجاجاً على عدم وضع علم الثورة في قاعة المؤتمر.

الناشط السياسي درويش خليفة، أحد المنسحبين من المؤتمر، قال ل”المدن”، إنه غادر بعد ساعتين أو ثلاث على البداية بسبب “الطروحات التي اتسمت بعدم العمق”، ناهيك عن الشعور بأن الوثائق قدمت جاهزة وليس هناك الكثير الذي يمكن للهيئة العامة أن تناقشه.

وأضاف “إذا تجاوزنا قضية العلم على اعتبار أن مناقشة سبل الحل هي الضرورة في الوقت الحالي، فإن الأهم هو عدم الاقتناع بأن بعض أصحاب الطروحات في الساعات التي شاركت فيها عبر الانترنت جديرين بالتصدي لمهمة خطيرة بمستوى إنتاج أفكار للحل السياسي، فضلاً عن التطرق لمواضيع ليس هنا مجال نقاشها، مثل شكل الدولة وطبيعة نظامها السياسي، وهل نحن شعب أم شعوب ..الخ”. وتابع: “بينما يفترض أننا أتينا إلى مؤتمر إنقاذ للقرار الوطني واستعادة للسيادة السورية وهو ما لم ألمسه فقررت الانسحاب”.

لكن العقيد فرحات اعتبر أن الخلل الذي رافق مناقشات الجلسة الأولى من اللقاء أسبابها فنية بحت، بالإضافة إلى بعض التشنجات، أما قضية العلم فهي ليست معيار التقييم بل وثائق المؤتمر ونتائجه.

وقال: “لأن المؤتمر غير ممول من أي دولة أو جهة، وبسبب حضور عدد كبير من الأعضاء عبر الانترنت فقد حدثت أخطاء فنية زاد من أثرها حدة الطروح من قبل البعض في الجولة الأولى، لكن لاحقاً تم تدارك الأمور”. أما في ما يتعلق بقضية العلم، فقال: “نحن لم نمنع أي شخص من وضع العلم على كتفه أو صدره داخل القاعة، بمعنى أنه ليس لدينا موقف سلبي تجاه علم الثورة كما يروج البعض، لكن أردنا ألا ندخل بخلاف حول نقطة ليست مدرجة على جدول البحث، لأننا نؤمن أن اختيار علم الدولة أمر يقرره السوريون لاحقاً، أما تركيزنا فكان على ما يمكن أن ينتج عن هذا اللقاء”.

رضا المنظمين

واعتبر فرحات أن ما نتج عن المؤتمر “يلبي الحد الأدنى من التطلعات، لكن تقييمه النهائي يعود للشعب السوري”، مشيراً إلى أن المخرجات لا تقتصر فقط على البيان الختامي، بل أُقرت وثائق أخرى تعتبر خريطة طريق وبرنامج عمل سياسي سيتم البناء عليها، و”رغم أن هذه الوثائق تم العمل عليها من قبل اللجنة التحضيرية واطلع المشاركون عليها وقدموا ملاحظاتهم حولها على مدى الأشهر الماضية، إلا أن نقاشها كان مفتوحاً خلال الجلسات”.

وأضاف “أهم ما حصل برأيي هو أننا حطمنا الجدران المصطنعة بيننا كسوريين وتمكن ممثلون عن مختلف أطياف الشعب من الجلوس مع بعضهم البعض ومناقشة الأفكار بحرية كاملة، وعلى أي حال نحن نتفهم هذا الجدل الذي أثير حول الخطوة التي قمنا بها، بسبب التصحر السياسي الذي فرضه النظام على السوريين طيلة عقود، لكن نحترم الانتقادات الموضوعية طبعاً”.

مؤسسات المؤتمر

وإلى جانب اعتماد أوراق ووثائق المؤتمر وتصدير البيان الختامي، انتخب المشاركون 31 عضواً كاعضاء للأمانة العامة التي سيتم من خلالها إدارة مكاتب المؤتمر ولجانه تحضيراً للاجتماع القادم الذي لم يحدد موعده بعد.

وأبرز الاسماء التي انتخبت لهذه المهمة: اللواء محمد الحاج علي، ابراهيم مسلم، بهية مارديني، منيرفا الباروكي، مروان خوري، صالح النبواني، سمير الهواش، آصف دعبول، عامر قوتلي، لمى اللبواني، ممدوح القدسي، رواد بلان وإيمان كمان الدين. ومن المتوقع أن يتم اختيار اللواء محمد الحاج علي أميناً عاماً للمؤتمر الوطني لاستعادة القرار، وهيثم مناع رئيساً لمجلس الحكماء.

يتخوف البعض من أن يكون هذا المؤتمر ترويجاً للتفسير والرؤية الروسية للقرار الدولي 2254، خاصة مع تصدر المشهد فيه شخصيات معارضة تربطها علاقات جيدة مع موسكو، مثل هيثم مناع وخالد المحاميد، ويعتقد آخرون أنها مجرد نتاج لمنصة معارضة جديدة تضاف إلى المنصات الحالية، بينما يرى البعض أنها خطوة إيجابية من حيث المبدأ على الأقل باعتبارها حجراً في المياه السورية الراكدة سياسياً منذ وقت غير قصير.

المصدر: المدن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى