ماذا يريد الأردن من حراكه السوري؟

غازي دحمان

باتت سورية تحتل مركزاً أساسياً في تفكير صانع القرار الأردني، يبدو هذا واضحاً من تصدّر الملف السوري مباحثات الملك عبد الله الثاني في واشنطن وموسكو. بعد أن كانت سورية ونظامها لا يشغلان مساحة مهمة في تفكير المطبخ السياسي الأردني، وتكفلت المستويات الأمنية والعسكرية بالتعامل مع هذا الملف، فيما ظل الأردن السياسي منخرطا في انشغالاته بالشأن الفلسطيني وعلاقاته الخليجية المتأرجحة، والأهم علاقاته المتذبذبة مع إدارة دونالد ترامب، والتي فقد الأردن، في عهدها، مكانته حليفاً من الدرجة الأولى.

يبدو أن المرحلة الراهنة أدّت إلى حصول انكشاف أمني في الأردن، ربما نتيجة قناعة جهات إقليمية وعناصر محلية بأن حصول تغيير سياسي في الأردن ربما سيكون مرحّباً به، خصوصا أن نظام الحكم بقي خارج الديناميات المتشكّلة في المنطقة، بالإضافة إلى عدم وضوح موقعه في لعبة المحاور القائمة.

اللافت أن أول استجابات الأردن للتحديات التي واجهته كان البحث عن مقاربة جديدة للتعاطي مع الملف السوري، انطلق من خلالها الملك عبد الله من فكرةٍ طالما أن الأسد باق في السلطة، وأن خصوم الأخير وأعداءه قد أزاحوا من تفكيرهم مسألة إسقاط نظامه، وأن واشنطن تكتفي بتغيير سلوكه، فالأمر يوجب إعادة الاتصال والتواصل به، وهذا أمر طبيعي، ذلك أن تغيير سلوك شخص ما يستوجب الحوار معه بداية… ولكن لماذا هذه المقاربة الجديدة، وما الهدف الذي يريد الأردن تحقيقه، وما الدوافع التي تقف وراء مساعيه؟

في المحادثات التي أجراها عبد الله الثاني مع الرئيس الأميركي، جو بايدن، في واشنطن، الشهر الماضي (يوليو/تموز)، بدا الهدف من ذلك بحث الأردن عن نافذة اقتصادية، فالأردن الذي يمرّ بظروف اقتصادية صعبة يعتبر أكثر الأطراف تضرّراً من قانون قيصر الذي يعاقب النظام السوري، ويهدّد بفرض عقوبات على الأفراد والشركات والدول التي تتعامل معه. وبالتالي، يرغب الأردن، الواقع في أزمة اقتصادية خانقة، في الحصول على استثناءات للتجارة مع سورية.

وعلى الرغم من أن جميع التحليلات ذهبت في هذا المسار، انطلاقا من أن سورية أحد أهم الشركاء الاقتصاديين للأردن، غير أن هذا التحليل صحيحٌ ما قبل 2011، ولا يأخذ في الاعتبار المعطيات الأخيرة للاقتصاد السوري، المتمثلة في تراجع الإنتاج، إلى حد أن سورية لم يعد لديها ما يغري الأردن تجارياً، بضائع رخيصة الثمن، خصوصا الملابس والمنتجات الحيوانية. كما أن القدرة الشرائية المنخفضة لدى السوريين، الذين يقبع أكثر من 80% منهم تحت خط الفقر، تجعل السوريين غير قادرين على شراء المنتج الأردني، مرتفع السعر نسبياً.

يصنّف اقتصاديون أردنيون الأسواق السورية بـ”الواعدة”، باعتبار أن سورية ستشهد في المرحلة المقبلة عملية إعادة إعمار، ولدى الأردن شركات كثيرة لديها خبرة في التشييد والبنى التحتية، بالإضافة إلى قطاع نقل ضخم سيجد فرصة أكيدة للعمل في سورية، فضلاً عن إمكانية تشغيل ميناء العقبة بطاقته القصوى لتلبية احتياجات عملية الإعمار.

تفترض هذه الطموحات أن الأردن قادرٌ على تفكيك كل العقبات التي تقف في مواجهة بدء عملية الإعمار السورية، وأن التحرّك السياسي ومناقشة الأمر لدى عواصم القرار كاف لتحقيق هذا الطموح. وتدرك القيادة الأردنية الخبيرة بكواليس السياسة الدولية صعوبة، إن لم يكن استحالة، تحقيق هذا الأمر في الوقت القريب، ما يعني أن طرح الموضوع الاقتصادي كان هدفه الضغط على الأميركي لزيادة المساعدات الأردنية لتعويض الأردن عن الخسائر الواقعة عليه نتيجة العقوبات على النظام السوري، لكن إدارة بايدن يبدو أنها اختارت منح الأردن حرية التعاطي الاقتصادي مع النظام على رفع قيمة المعونة المقدمة أميركياً!

في شقّ آخر، يذهب رئيس وزراء الأردن، بشر الخصاونة، في لقائه مع الـ”إندبندنت” التركية، إلى أن من شأن إعادة النظام السوري إلى جامعة الدول العربية أن تؤسّس هوامش مبادرة وحوار أفضل معه، ويمكن مناقشة القضايا المهمة، خصوصا قضية اللاجئين. هنا تظهر القضايا الأمنية في مقدمة أولويات الحراك الأردني، فالأردن يبدو، مثل غيره، باتت قضية اللاجئين تشكّل أزمة داخلية بالنسبة له، في ظل شحّ الموارد وضعف الاقتصاد، ووجود تململ داخلي من وجود اللاجئين السوريين. ولكن، من أين تأتي الثقة بأن مشكلة اللاجئين يمكن حلها إذا أُعيدت الاتصالات بالنظام السوري؟ ولعلّ المثال اللبناني أكثر وضوحاً في هذا المجال، فالطبقة الحاكمة هناك صديقة للنظام وداعمة له، كما أن لبنان يمرّ بأزمة خانقة. وعلى الرغم من ذلك، لم يستطع لبنان تحقيق أي تقدّم في موضوع إعادة اللاجئين إلى سورية.

يتميز الأردن، عن أنظمة حاكمة كثيرة في المنطقة، بوجود نخبة من الخبراء السياسيين؛ أكاديميين وسياسيين سابقين، غالبا ما يعتمد عليهم القصر في اتخاذ قراراته. ولدى صانع القرار الأردني إحاطة شاملة بالفرص والمخاطر المتوقعّة من الانفتاح على النظام السوري. ومن خلال الوقائع والتطورات، يبدو أن كفّة المخاطر تفوق كفّة الفرص، والواضح منها محاولات النظام السوري إغراق الأردن بالمخدّرات أو تحويله إلى بلد عبور لها إلى دول الخليج، وكذلك محاولات وضعه تحت رحمة المليشيات الإيرانية، وهذه مسائل يستحيل حلها من خلال إعادته إلى جامعة الدول العربية، لأن المخدّرات أصبحت أهم مصادر تمويل النظام، أما المليشيات الإيرانية فلا سلطة له عليها.

الأرجح أن الأردن يسعى من حراكه السوري إلى إشعار الحلفاء الخليجيين أن لديه خيارات أخرى، وأنه يستطيع تنويع علاقاته الإقليمية، أين يجد مصلحة وفائدة له.

المصدر:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى