الدور الإيراني في سورية قبل وبعد 2011

مصطفى عباس

الدراسة التي صدرت مؤخراً عن مركز حرمون للدراسات “الدور الإيراني في إعادة هندسة المجتمع السوري” يمكن برأيي اعتبارها الجزء الثاني من كتاب “البعث الشيعي” للباحث عبد الرحمن الحاج، والذي هو دراسة استقصائية ميدانية، ترصد عملية تشييع المجتمع السوري بالأسماء والأرقام والوثائق، غير أن هذا الكتاب يرصد حتى عام 2011 فقط، ولكن التغيير الديمغرافي الكبير والتغول الإيراني المخيف جرى بعد اندلاع الثورة السورية، ومن هنا تأتي أهمية هذا البحث الذي أعده عمر إدلبي مع عدد من الباحثين الميدانيين، لأنه يوثق ما جرى منذ عام 2011 وحتى أيامنا هذه.

إيران وتشدد النظام

كانت سوريا تتعرض لعملية تشييع هادئة منذ قدوم بشار الأسد إلى السلطة وتوغل الإيرانيين شيئاً فشيئاً في سوريا، مرة عبر إنشاء مزارات جديدة “مزعومة” لآل البيت، وشراء ما حولها من العقارات، وأخرى عبر النشاط المحموم للمستشارية الثقافية الإيرانية، ثم عبر الانتصارات الخلبية التي حققها حزب الله في مواجهة إسرائيل، لكن الانفجار الكبير في عملية التغيير الديمغرافي والطائفي اشتد بعد الثورة السورية، وكانت إيران وراء تشدد بشار الأسد منذ البداية، ألم يعد فاروق الشرع في لقاء مع الإخبارية السورية في أثناء جلسات الحوار التي أقيمت عقب احتجاجات درعا بأنه سيكون هناك أخبار جيدة في أثناء خطاب بشار الأسد الأول أمام مجلس الشعب، ولكن شيئاً ما جعل الخطاب متشدداً، ألا وهو التوجيه الإيراني.

هروب بشار الأسد

وفي نهايات عام 2012 كان بشار الأسد على وشك الهروب من سوريا، حسبما قال قائد الحرس الثوري الإيراني السابق أحمد همذاني في مذكراته، قبل أن يرسل له المرشد علي خامنئي قائد فيلق القدس قاسم سليماني، كمندوب سامٍ، كي يتولى مواجهة الاحتجاجات، والتخطيط للتغيير الديمغرافي الكبير في سوريا.

رغم أن ميليشيا حزب الله، وعلى لسان زعيمها حسن نصر الله كانت من أشد المؤيدين للربيع العربي في مصر وليبيا وتونس، حتى قال نصر الله في إحدى خطبه “يا ليته كان مع الثوار المصريين في ميدان التحرير”، إلا أنه ورغم أن ما جرى في سوريا لا يختلف بشيء عن غيره من دول الربيع العربي، سرعان ما اعتبره مؤامرة على المقاومة والممانعة! وانخرطت ميليشياته في عمليات قمع المتظاهرين، وقُتل العديد من عناصره في سوريا، وعندما يتم نعيهم كان يُقال إنه “استشهد في نشاطات جهادية” دون أن يذكر أين، مع إنكار تام لانخراط هذه الميليشيا في عمليات القمع، فضلاً عن مشاركة مجموعات من شباب الشيعة من أبناء حي العباسية وحي البياضة في عمليات قمع المتظاهرين في حمص في بدايات الثورة، ووجود قناصة إيرانيين، حسبما تقول الدراسة.

معركة القصير

يرى الباحث عمر الإدلبي أن معركة القصير في بداية عام 2013 هي “نقطة انعطاف في استراتيجية إيران العسكرية في سوريا، حيث انتقلت طهران من مرحلة دعم قوات الأسد لوجستياً واستخباراتياً وتدريبياً، إلى مرحلة تولي ضباط الحرس الثوري قيادة المعارك والعمليات العسكرية بصورة مباشرة، وبتنفيذ مباشرة من ميليشيات حزب الله اللبناني”.

التدخل العسكري المباشر عبر الميليشيات الشيعية المتعددة الجنسيات من الأفغان والباكستان والعراقيين واللبنانيين وغيرهم، يلاحظ فيه قلة العنصر الإيراني، في مسعى لخوض كل حروبها على أراضي الآخرين وبأرواحهم، ولا بأس من الاستفادة حينها من عامل العقيدة، لذلك عاد نصر الله إلى مظلومية آل البيت ونحت منها شعار “لن تسبى زينب مرتين” كي يشحن به المقاتلين الشيعة.

طرق التغيير

لا تقتصر مجالات التدخل الإيراني في سوريا على العسكري، إذ يحدد الباحث مجالات أخرى، كمؤسسات ثقافية ودعوية وتعليمية وخيرية تقوم بعملية “التغلغل الصامت”، والتركيز على أماكن معينة دون غيرها لبسط النفوذ فيها، ولا يغفل نظام الملالي الذي يعيش 40 بالمئة من شعبه تحت خط الفقر المستوى الاقتصادي، إذ بلغت ديون النظام السوري له 35 مليار دولار حسبما نقلت الدراسة عن المبعوث الدولي السابق ستيفان ديمستورا، فضلاً عن إنتاج طبقة رجال أعمال موالين لإيران، وتكبيل النظام بالاتفاقيات الاقتصادية.

اتبع النظام الإيراني عدة طرق في التغيير الديمغرافي، أهمها: 1- القصف والمجازر التي تؤدي إلى تهجير السكان، وعدم السماح لهم بالعودة إلى مدنهم وبلداتهم.

2- اتفاقيات الإخلاء القسري كما في حمص وريف دمشق وغيرها.

3- شراء الأراضي والعقارات.

4- هدم أحياء سكنية عديدة بحجة عدم الترخيص، بهدف إقامة مشاريع عقارية يقودها مقربون من إيران، كمشروع ماروتا سيتي وباسيليا سيتي وغيرهم.

5- بناء الأضرحة والمقامات، التي تزعم أنها لآل البيت، وفي سوريا، حسب الدراسة، حوالي 49 مقاماً ومشهداً يحاول الإيرانيون عبره مد خلاياهم السرطانية في مناطق متفرقة من الجسم السوري.

ولا تغفل إيران في مسعاها للسيطرة الجانب الإعلامي، إذ تبث باللغة العربية عشرات المواقع والصحف والتلفزيونات، فضلاً عن سيطرتها على إعلاميين سوريين باتوا محسوبين عليها، وتغلغلها في الجيش السوري، عبر بعض الضباط المتشيعين.

غالبية المهجرين

وفي سعيها لتبيان نتائج السياسات الإيرانية للعبث في النسيج الاجتماعي السوري، ينقل الباحث عن دراسة لمعهد واشنطن عام 2015 أن نسبة السكان السنة من النازحين واللاجئين السوريين تبلغ نحو 91 بالمئة، بينهم 80 بالمئة من السنة العرب، “ما يظهر خللاً كبيراً في التركيبة المجتمعية ساهمت إيران على نحو واسع في صورتها الجديدة المختلفة كلياً عما كانت عليه بنية المجتمع السوري قبل الثورة”.

تنتقل الدراسة من مدينة إلى أخرى لتوضيح بالأرقام والوثائق العبث الإيراني بها، ولا تنسى أن تشير إلى معامل الأسلحة ومخازنها، ومصانع المخدرات، التي تعرف ميليشيا حزب الله بالاتجار بها وتسويقها ومحاولة إغراق المجتمع السوري بها.

استكمال ذات المهمة

كتاب “البعث الشيعي” يلجأ كاتبه في بعض الأحيان للتحليل السياسي والاجتماعي للتدليل على وجهة نظره، التي كان النظام حينها ينكرها تماماً، وروى كيف كانت قوات الأمن تضيق حتى على رجال الدين السنة المقربين من النظام، بينما كانت تترك الحرية الكاملة للحوزات الشيعية للعمل، حتى دون تراخيص، وذكر الدور الكبير الذي لعبه رئيس مكتب الأمن القومي في سوريا، الشيعي هشام بختيار. كما ذكر الكتاب أرقاماً صادمة لعدد المعاهد الشيعية والحوزات الشيعية، مقارنة بعدد المعاهد السنية التي تم منحها التراخيص، مع العلم أن نسبة الشيعة في سوريا كانت أقل من واحد بالمئة.

في حين أن دراسة عمر إدلبي “الدور الإيراني في إعادة هندسة المجتمع السوري” هي ذات صبغة بحثية أكاديمية بحتة، يغيب فيها التحليل السياسي لصالح المعلومات والبيانات والباحثين الميدانيين، ولكن كلا البحثين يعتبر استكمالاً لذات المهمة، المتعلقة بتوضيح وتوثيق تهجير شعب وتغيير ديمغرافيته وثقافته، لصالح دولة أينما حلت يحل الخراب، ولنا أن نسأل عن وضع لبنان، الذي كان إلى عهد قريب سويسرا الشرق، والعراق أغنى البلدان العربية، الذي تفتقد بعض أحيائه إلى الآن مياه الشرب، ولن أتكلم عن سوريا واليمن فكلنا نعرف وضعيهما.

يعتبر الوقت الحالي في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يعانيها نظام الأسد هو الأمثل بالنسبة لإيران، عبر استغلال جوع الأهالي ولقمة العيش في التشييع، ولاسيما أنها بلد غني بالثروات رغم أن شعبه فقير، فهي ماضية في مشروعها، في ظل عجز عربي وتواطؤ دولي، يراد من خلاله تغيير تركيبة سوريا حتى تصبح منطقة أقليات متصارعة، يكون للغرب وإسرائيل الكلمة الفصل فيها، حسبما قال باحث وأكاديمي لبناني يدعى نبيل خليفة في كتابه “استهداف أهل السنة” الذي هو دراسة جيوسياسية صادرة عن دار بيبلوس عام 2014.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى