المشرق العربي على صفيحٍ ساخن

علي العبد الله

شهد المشرق العربي تطوراتٍ سياسية كثيفة، بدءا باتفاقيات التطبيع مع إسرائيل، والتي غدت مدخلا إلى العمل على تشكيل “ناتو إقليمي”؛ وعودة البحث في إطلاق الاتفاق النووي الإيراني، مرورا بتشكيل منصة سياسية جديدة، مكونة من روسيا وتركيا وقطر، وصولا إلى توقيع الاتفاق الاستراتيجي الصيني الإيراني، ما زاد في حدّة التنافس الجيوسياسي بين دول الإقليم والدول الكبرى، ورفع وتيرة الاحتكاكات المباشرة بين الخصوم الإقليميين والدوليين.

بدأ التسخين مع انسحاب الإدارة الأميركية السابقة من الاتفاق النووي الإيراني، وإعادة فرض العقوبات على إيران، مع تبنّي صيغة متشدّدة في ذلك، وصفت بـ “الضغوط القصوى”، بما في ذلك فرض عقوباتٍ ثانويةٍ على كل من يتعامل مع إيران أو يقدم لها مساعداتٍ عسكرية ومالية، واعتماد إسرائيل سياسة “المعركة بين الحروب”، وتوظيفهما في ترويج أولوية التصدّي لإيران، ولخطة الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي المعروفة بـ “صفقة القرن”، والولوج في عملية تطبيع متصاعدة، وانفتاح على التعاون والاستثمار بين الدول المنخرطة فيها، وإقرار قانون قيصر لتقييد التحرك الروسي في ملفي عودة اللاجئين وإعادة الإعمار.

لم تنجح خطتا “الضغوط القصوى” و”المعركة بين الحروب” في تغيير الموقف الإيراني من شروط الإدارة الأميركية الـ 12 التي طرحها وزير الخارجية الأميركي (السابق)، مايك بومبيو، للعودة إلى الاتفاق، فتجدّد الحديث عن تحالف دفاعي إقليمي، تشارك فيه إسرائيل في ضوء فشل إقامة تحالف دفاعي عربي، “ناتو عربي”، وبدء عمليات استعراض عضلات أميركية وإسرائيلية وإيرانية، بإجراء مناوراتٍ وتدريباتٍ في مياه الخليج العربي وبحر عُمان، والانخراط في حرب سفن بين إيران وإسرائيل، وتبنّي إيران سياسة التوجه شرقا بالتحالف مع روسيا والصين، واقتراح توسيع الاتفاق ليشمل إندونيسيا وماليزيا. أثمر التحرّك الإيراني توقيع اتفاقاتٍ تجاريةٍ قصيرةٍ مع روسيا، واتفاق استراتيجي مع الصين. وتصعيد خرقها بنود الاتفاق النووي، بما في ذلك بدء عملية إنتاج اليورانيوم المعدني، والتوعد بمزيد في المرحلة المقبلة، فالتصعيد في المجال النووي هدفه الضغط على الولايات المتحدة، من أجل تحقيق مكسبين متكاملين: رفع العقوبات؛ بإزالة جميع العقبات أمام صادرات النفط الإيرانية، وإمكانية الوصول إلى العملات الأجنبية، وتطبيع العلاقات المصرفية، وحصر المفاوضات في البرنامج النووي. مع ملاحظة اتسام مخطط إيران في المشرق العربي بسعة الأهداف ومحدودية القدرات، ما يؤسّس لمفارقة حادّة، حيث هناك قوة نسبية لملء الفراغ. ولكن ليس هناك نفوذ يضم استمرار الهيمنة والسيطرة. صبّ هذا التصعيد الإيراني الزيت على نار التجاذبات الإقليمية والدولية.

مع التغيير في الإدارة الأميركية، بفوز المرشح الديمقراطي، جوزيف بايدن، شهد المشهدان، الدولي والإقليمي، تصعيدا جديدا في ضوء تبني الرئيس الأميركي سياسة التنافس السياسي بين نماذج الحكم، وتشكيل تحالف الديمقراطيات لمواجهة الأنظمة السلطوية، والتركيز على حقوق الإنسان في التعامل مع الدول الأخرى، بما في ذلك الدول الصديقة، قابله على الضفة الأخرى تفاهم روسي صيني رافض للسياسة الأميركية التي تشكّل كتلا وتعمق التباينات. وهذا قاد إلى تصاعد التجاذب الأميركي الروسي والأميركي الصيني في الإقليم والعالم، وإلى نشوء تقاطعاتٍ بين أطراف دولية وإقليمية، جسّدها الاتفاق الاستراتيجي الصيني الإيراني، وتحرّك دول عربية لتشكيل كتلة إقليمية لموازنة الدور الإيراني، مصر الأردن والعراق، وتوجّه خليجي لاحتواء إيران في العراق وسورية ولبنان واليمن. جاءت جولة رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، والانفتاح على النظام السوري في هذا السياق، وسعي الدول الخليجية إلى التعاون مع روسيا والصين. والعمل على حشد الدول والمواقف السياسية والإعلامية ضد العودة إلى الاتفاق النووي الإيراني بصورته الحالية، والدعوة إلى توسيع القيود بمد الفترة الزمنية، وإشراك السعودية وإسرائيل في المحادثات، على أن يشمل الاتفاق الجديد البرنامج الصاروخي والتدخل الإيراني في الشؤون الداخلية لدول المنطقة، وهو ما تعارضه طهران بقوة.

هذا كله في ظل تباين في الخيارات والمصالح العليا، فالولايات المتحدة تركّز على احتواء التحرك الروسي في المشرق العربي، وترى في هزيمة روسيا فرصةً لتراجعها في البلقان والقرم والقوقاز والبلطيق، وتصعيد النبرة الغربية والأممية ضد النظام، لتذكيره بما ينتظره سياسيا وحقوقيا وإنسانيا في المرحلة المقبلة، هي للإعلان عن رفض بقائه في المشهد، وتحذير لروسيا وإيران وعواصم عربية تريد إنعاشه. في حين تركّز روسيا على ترسيخ العقود العسكرية والتجارية بعيدة المدى، الموقعة مع النظام، ما يستدعي تعويم النظام ومسايرته في مواقفه من الانتخابات الرئاسية واللجنة الدستورية والمعابر وإعادة الإعمار، ورفض الوجود الأميركي في سورية وعقوباتها الأحادية، قانون قيصر. وأنقرة متمسكة بأولويتها في لعب دور وازن في الإقليم، عبر الانفتاح على مصر ودول الخليج والعمل ضد المشروع الكردي، وضد التوسع الإيراني. وإسرائيل تركز على مواجهة الوجود الإيراني في سورية، وتتبنّى خيارا صلبا ضد المشروع النووي الإيراني، يطالب بمنع إيران من امتلاك دورة التخصيب، واستثمار مواجهة المشروع الإيراني في احتلال مركز القيادة والإشراف في الإقليم. وكان لافتا حرص الصين وروسيا على تعميق علاقاتهما السياسية والاقتصادية مع دول الخليج العربية، في سياق مبادرة “حزام واحد طريق واحد”، مع بقاء إيران في مقدمة قائمة أولوياتهما، على خلفية دورها في التصدّي للوجود الأميركي في الإقليم، وتبنّيهما مبادرات أمن إقليمي، أساسها توازن المصالح بين دول الإقليم وخروج القوى الخارجية، في تجاهل تام للخلل في توازن القوى في الإقليم، في حال خروج الولايات المتحدة قبل عودة إيران إلى سياسة الدولة واحترام دول الجوار ومصالحها. تقترب الرؤية الصينية في ما يتعلق بأمن منطقة الخليج من الرؤية الإيرانية التي سبق أن كشف عنها الوزير الإيراني، محمد جواد ظريف، تحت اسم “أمن هرمز”، تتضمن المبادرة الصينية دعوةً إلى إقامة “أمن جماعي مشترك” بين دول المنطقة، لتعزيز الأمن والاستقرار في المشرق العربي، تطلق عليه إيران تسمية خاصة: غرب آسيا، لإنكار طابعه العربي، في مواجهة التوجّه الأميركي الذي، وفق رأيها، لا يأخذ بالاعتبار مخاوف الأطراف الأخرى، غير المشاركة في التحالف الغربي أو تعارضه.

يعيش المشرق العربي على صفيحٍ ساخن، حيث توجهات كثيرة، تنذر بانفجار كبير على خلفية الصراعات والتنافسات الجيوسياسية. واللافت أن الدول العربية تتنافس وتتعارض في لحظةٍ هي في أمسّ الحاجة للتعاون والتنسيق، وتبنّي خيارات موحدة لحماية أمنها واستقرارها الداخلي، والفاتورة تدفعها الشعوب من حياة أبنائها وأحلامهم وتطلعاتهم نحو حياة حرّة ومزدهرة.

 

المصدر: العربي الجديد

 

زر الذهاب إلى الأعلى