التحالفات الديمقراطية السورية.. سطور في رمال

راتب شعبو

مع اقتراب الذكرى العاشرة للثورة السورية، يتساءل المرء عن أسباب التعثر المتكرّر لمحاولات تجميع القوى الديمقراطية السورية، بين الذاتي والموضوعي. هل المشكلة في أن السوريين لا يجيدون العمل المشترك فيما ينجحون أفراداً؟ أم أن الحدود الموضوعية (تعقد الموضوع السوري وهامشية تأثير السوريين على موضوعهم وشأنهم الخاص، بعد تحوّل سورية إلى مناطق نفوذ، وتوضع قوى سورية مسيطرة على الأرض من طبيعة متشابهة وتشكل موطئ قدم لنفوذات خارجية مباشرة.. إلخ) تثقل على المحاولات، وعلى النفوس، وتحبطها عن العمل؟

ماذا يمكن للذات السورية التي تهدف إلى تحرير الدولة السورية من قبضة سلطةٍ تستعمرها وتسخّرها لمصالحها الضيقة، كي تعود (الدولة) إلى كونها مؤسسةً عامة، وتريد تحرير سورية من سيطرة القوى الأجنبية، وتحرير الإنسان السوري من سيطرة جماعات محلية تفرض نفسها بالقوة: ماذا يمكن لهذه الذات أن تفعل في الظروف المتاحة اليوم؟ من أين تبدأ، من تثقيل حضورها السوري، كي تتمكّن من بناء علاقةٍ متوازنةٍ مع قوى خارجية من موقع غير تابع؟ ولكن هل تستطيع في الظروف القائمة أن تعزّز ثقلها السوري من دون مساندة ودعم من قوى خارجية؟ أم تبدأ ببناء علاقة مع قوى خارجية، بحيث تستثمر هذه العلاقة بتثقيل حضورها السوري؟ ولكن هل تستطيع أن تحافظ على استقلالها ونزاهتها في علاقتها مع الخارج، فيما هي لا تملك ثقلاً سورياً؟ أليس هذا حال الهيئات الرسمية للمعارضة السورية التي تشكل تبعيتها المبرّر العام لسعي الديموقراطيين السوريين للبحث عن بديل؟

يشكّل ما سبق خلفية التعثر المتكرّر للمحاولات التنظيمية السياسية للديموقراطيين السوريين في الخارج. ومن النماذج التي يمكن عرضها عن هذه الحال تجربة اللقاء السوري الديموقراطي، وهو إحدى المحاولات المشار إليها.

التقى في يوليو/ تموز 2018 في باريس ممثلو 24 مجموعة سياسية ومدنية سورية، بمبادرة من “حركة ضمير” غير السياسية، والتي تحرّكت بدافع “ضميري” سياسي، لتفعيل عمل مشترك بين مجموعاتٍ لا يوجد ما يبرّر تناثرها وتباعدها، وربما جهلها بعضها بعضاً. لدينا ما يدفعنا إلى الاعتقاد أن كون حركة ضمير غير سياسية، فضلاً عن القيمة المعنوية لأفرادها وجهدهم في التواصل والتنسيق مع المجموعات، كان من أهم أسباب نجاحها في لمّ شمل هذه المجموعات التي كان يمكن أن تتردّد، باعتقادنا، لو جاءت الدعوة من طرف سياسي قد تبدو دعوته في عيون بعضهم مسعى للبروز وتحقيق القيمة التي يستجرها بشكل تلقائي مجرّد السعي إلى جمع إرادة السوريين.

على أي حال، رأت القوى المجتمعة أن التشكيلات المعارضة السورية المعترف بها دولياً واقعة تحت تأثير الدول التي تحتضنها، وغير مستقلة في قرارها، ولا يمكنها بالتالي أن تمثل الشعب السوري في سعيه إلى التحرّر. على هذا، تم الاتفاق على تشكيل جسم تحالفي مستقل في قراره وفي تمويله (تمويل ذاتي)، يسعى إلى ملء ما اعتبروه فراغاً أو شبه فراغ للمكان الديموقراطي في اللوحة السورية التي سيطر عليها النظام من جهة والقوى الإسلامية والكردية غير الديموقراطية من جهة ثانية. وعلى تفاوت حجمها وثقلها وتاريخها، كان لدى هذه المجموعات ما يكفي من التقاطعات، ومن الحماس للعمل المشترك، وعبر بعضها عما يتجاوز العمل المشترك إلى أفق الاندماج، أو حتى الاندماج المباشر، سيما أن التباين السياسي بينها ليس كبيراً، ولا يتعدّى ما يمكن وجوده بين أعضاء الجماعة الواحدة.

سمّت المجموعات لقاءها الأول “اللقاء التشاوري” بما يدلّ على طبيعته بوصفه محطّة للتشاور والتفكير في العلاقة التي يمكن صياغتها فيما بينها، وبما يمكن التوافق عليه، وما يمكن عمله.. إلخ. بعد سنة ونصف من هذا، وبعد وضع ورقةٍ سياسيةٍ مشتركة ونظام داخلي (استغرق وضعها كثيراً من العمل والاجتماعات، وقد وقع العبء الأساسي على كاهل بضعة أفراد تجاوزوا الجميع في جهدهم ومثابرتهم وحرصهم على نجاح اللقاء)، نجحت هذه القوى بعقد مؤتمرها الأول في باريس أيضاً، في يناير/ كانون الثاني 2020. خلال هذه الفترة، انسحبت بضع قوى، منها من انقطع عن التواصل من دون سبب واضح، ومنها من اعترض على الورقة السياسية، وهذا شمل، بوجه خاص، القوى الكردية التي كانت مشاركةً في اللقاء التشاوري، فوصل اللقاء إلى مؤتمره الأول، ناقصاً في عدد القوى، وخالياً من أي قوةٍ كردية.

انتخب المؤتمر هيئة تنفيذية، وسرعان ما برزت أمامه مشكلةٌ لم تكن في الحسبان، وهي أن الهيئة التنفيذية اختارت لموقع منسق اللقاء شخصية نشيطة، ولكن لها مشاركة في اللجنة الدستورية، وفي مبادرة سورية الاتحادية التي كان لها حضور في ذلك الوقت، وهما محط خلاف بين القوى المعارضة. رأت القوى المتحالفة أن هذا الاختيار سوف يعطي للقاء هوية محدّدة، لا تعكس هويته، على اعتبار أن هوية الشخص الأول في أي تشكيلٍ تؤخذ على أنها هوية التشكيل.

حين حاولت القوى معالجة الأمر في اجتماع استثنائي وافق فيه الجميع (ما عدا المكوّن الذي تنتمي إليه الشخصية المشار إليها) على استبعاد هذه الشخصية من الموقع الأول في اللقاء، انسحبت الشخصية ومكونها من اللقاء، فاستكملت الهيئة التنفيذية، واختير شخصٌ آخر ذو خبرة ليكون منسق اللقاء. بعد أسابيع قليلة، استقال هذا الشخص فجأة من دون أن يوضح السبب، ثم انسحبت الجماعة التي ينتمي إليها من اللقاء. ليتبيّن لاحقاً أن السبب هو خلاف شخصي مع أحد أعضاء الهيئة التنفيذية. بعد ذلك، أُعيد انتخاب هيئة تنفيذية جديدة بمنسّق جديد، تولت العمل حتى المؤتمر الثاني الذي عقد في 24 فبراير/ شباط 2021.

يمكن عزو التعثر المذكور إلى أن اللقاءات تحتاج إلى بعض الوقت كي تستقر. ولكن السنة الفاصلة بين المؤتمرين تميّزت بضعف النشاط والحماس، وكانت كافيةً لأن يصبح عدد القوى المشاركة عشرة فقط، ولأن تفكّ القوى في المؤتمر الثاني تحالفها، وتتحوّل إلى منصّة أو ملتقى للنقاش وتبادل الرأي، وربما الاتفاق على بيان أو حملة مناصرة أو ما شابه، من دون قيادة ومن دون التزام متبادل.

نموذج عن محاولةٍ استهلكت الوقت والمال والجهود، وانتهت من دون أن تترك أثراً في الموضوع الذي تصدّت له، كأنها خطّت سطراً في رمال. يبقى ما يلفت النظر أن القوى التي شاركت في هذا التحالف تستمر في نشاطها، وكانت غالبيتها، طوال الوقت، أكثر حضوراً من اللقاء السوري الديموقراطي نفسه. كما لو أنه كلما اتجهنا صوب الفردية، كان الأداء أفضل.

المصدر: العربي الجديد

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى