الدبلوماسية الصعبة في سورية

حسام الحميد

تمرّ السنة العاشرة على بدء الثورة السورية، والحالة من سيئ إلى أسوأ، وليس هناك من حل يلوح في الأفق، حتى أن الغالبية العظمى ممن ينسبون أنفسهم لهذه الثورة فقدوا الأمل في وجود حل على الأرض، وصاروا ينتظرون الحل من السماء. ونتيجة الحالة المعقدة التي تعيشها الثورة، تولد لدى السواد الأعظم من الشعب الثائر يقين بأن كل المتداخلين في الصراع السوري لا يملكون المصداقية في التعامل مع الملف السوري، وكل يسعى إلى مصالحه وتحقيق مناطق نفوذه ليس أكثر، ولن تجلب الدبلوماسية الخارجية لهذه الدول سوى استمرار المأساة في سورية.

وإذا نظرنا، بشكل دقيق، في كل ما يحدث اليوم، نجد أن هذه الدول تعمل على مصلحة مشتركة واحدة، وهي استمرار الحالة السورية إلى أطول أمد ممكن، وأن الدبلوماسية الدولية لن تسعى لإيجاد حل سريع للأزمة في سورية على المدى المنظور. ولمعرفة السبب، لا بد من مناقشة الدور الأساسي في سياسات الدول المتداخلة في الصراع. وتفسيراً لذلك، لا بد من النظر بشكل منطقي في دبلوماسية كل طرف على حدة، ورؤية إن كانت مصالحها تستدعي التفاعل أكثر في الملف السوري أم لا.

الثابت في السياسة أن الدول، بشكل عام وكملاذ أخير، تخوض حروباً خارجية عندما تشعر بخطر يهدّد أمنها القومي، وتجنح نحو الخوض في الدبلوماسية التفاوضية عندما يكون هذا الخطر بدرجة أقل يهدّد جوهر مصالحها الاقتصادية الخارجية، ولا يمس بثوابتها الأساسية. وانطلاقاً من هذا الثابت، يمكن النظر إلى دور الدول المتداخلة في الصراع السوري، وما هي السياسة الدبلوماسية التي تنتهجها كل منها في التعامل بشكل مباشر أو غير مباشر في سورية.

دولياً، الولايات المتحدة الأميركية هي الطرف الأبرز في ميدان الصراع في سورية، فما هي المصلحة التي تدفعها للتفاعل أكثر في المسألة السورية؟ ما يهم الإدارة الأميركية الجديدة بالدرجة الأولى هو الوضع الداخلي المتأزم حالياً، نتيجة الشرخ الذي أحدثته إدارة ترامب في المجتمع الأميركي، وفي درجة أولى أيضاً هو أمنها القومي، وطالما أن المسألة السورية لم تصل إلى تهديد أمنها القومي، فلن تتدخل بشكل فعلي، وستبقى أولويتها في الملف السوري هي حماية أمن إسرائيل، والذي لا يزال بعيداً عن التهديد في وجود ضمانات روسية على الحدود الجنوبية لسورية. أما في ما يخص مصالحها في منطقة شرق الفرات فلا تشعر الإدارة الأميركية بأي تهديد لتلك المصالح، في ظل وجود حليف قوي (حتى الآن)، هو قوات سورية الديمقراطية. ويبدو أن الولايات المتحدة ستزيد من دعمها لهذا الحليف، خصوصاً مع تعيين بريت ماكغورك مستشاراً في مجلس الأمن القومي الأميركي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، والذي يُعرف بدعمه المطلق للمليشيات الانفصالية شرقي سورية.

أما في ما يخص علاقتها مع تركيا ودول الخليج، في مقاربة المسألة السورية، فذلك سيبنى على حسب تفاهماتها مع هذه الدول، بشأن الملف النووي الايراني ومدى نجاح الدبلوماسية الأميركية في تحجيم دور إيران في المنطقة، وكذلك علاقة هذه الدول مع روسيا، وتأثيرها في الملف السوري. لذلك ستبقى دبلوماسية الإدارة الأميركية في سورية مضطربة وغير واضحة، على الأقل في المستقبل القريب.

روسيا اللاعب الثاني في سورية، الثابت في سياستها الحالية إعادة تأهيل النظام، واستخدامه ورقة ضغط على المجتمع الدولي، لتحقيق مكاسب أكبر في مزاد التسويات الدولية، وما يخص الغاز والوصول إلى أوروبا من خلال تركيا. وربما تتحوّل، في مرحلة من المراحل، إلى تغيير شكلي في بنية النظام، وتدجينه بوجوه مقبولة دولياً، في حال تحقيق نتائج على مستوى العملية التفاوضية.

أما أوروبا ودبلوماسيتها المترنحة في سورية، فقد لا تبدو أفضل حالاً من قبل، وخصوصاً مع تمدّد اليمين الشعبوي في جنبات السلطات في هذه الدول، واللعب على مسألة اللاجئين وتأثيرهم على الأمن القومي.

إقليمياً، هناك ثلاث دبلوماسيات رئيسية متداخلة في الملف السوري: التركية، وتعتبر اللاعب الأقوى حالياً، ودبلوماسية المحور السعودي الإماراتي المصري، ودبلوماسية إيران التي تعمل على توسيع مشروعها الفارسي في سورية. وتتركز الدبلوماسية التركية هنا على حامل أساسي، هو الأمن القومي التركي، وهو أيضاً الركيزة الأساسية في خط السياسة الخارجية التركية، ومن خلاله تشكل الخطوط الحمراء التي تعمل تركيا للحفاظ عليها. ولم يكن التدخل التركي في سورية سوى نتاج لهذه السياسة، وكذلك حدث بالنسبة للتقارب التركي الإيراني والتركي الروسي في الملف السوري، وما نتج عنه من لقاءات أستانة وسوتشي، والتنازلات التي قدّمتها المعارضة السورية نتيجةً للضغط التركي.

وجود تركيا في الشمال السوري مرتبط ارتباطاً جوهرياً بأمنها القومي، وهي تسعى، على المدى البعيد، إلى تثبيت هذا الوجود عسكرياً، من خلال الكم الهائل من العتاد والقوى العسكرية التي دخلت إلى هذه المنطقة خلال العام الفائت (2020)، بحجة كبح جماح أي عمل عسكري روسي، أو تقدّم لقوات النظام نحو المنطقة، وهي تعمل بشكل متسارع لربط هذه المنطقة إدارياً واقتصادياً بالدولة التركية لتصبح لاحقاً جزءاً من الجغرافيا التركية.

وفي ما يتعلق بمنطقة شمال وشرق الفرات، فالخط الأحمر الوحيد في السياسة التركية عدم قيام دويلة أو كيان كردي على حدودها في الجانب السوري يكون ممرّاً لدعم أكراد تركيا الانفصاليين. عدا عن ذلك، فيمكن لتركيا قبول أي حلول للوضع السوري ضمن تفاهمات روسية أميركية، أو إيرانية روسية، تضمن لها مصالح اقتصادية وجيوسياسية في المنطقة.

الحامل المعلن بالنسبة لدبلوماسية محور السعودية/ الإمارات/ مصر هو محاربة التمدّد الشيعي، وإبعاد الخطر الإيراني عن حدود هذه الدول. وتعمل من خلال هذه الرؤية على دعم بعض القوى الفاعلة في الأرض السورية لتحقيق ذلك، وقد تصل، في مرحلة ما (في حال عدم توافقها مع روسيا في تأهيل نظام الأسد)، إلى التقارب مع قوات سورية الديمقراطية، لتكون ذراعها القوي في حال التقاء مصالحها مع الإدارة الأميركية الجديدة في هذا الإطار. والأمر الثاني سعيها إلى تبريد الأزمة السورية، للحفاظ على الاستقرار في المنطقة، في سبيل استقرار مستوى سعر النفط. ولا نتوقع تقدّم دبلوماسية هذا المحور أبعد من ذلك، إلا في حال الحصول على ضمانات أميركية حقيقية في حل سياسي في سورية يكون مبنيا على عدم القبول بالتوسع الإيراني في المنطقة.

أما الدبلوماسية الإيرانية في سورية، فهي ثابتة ولا تتغير، وحاملها الأساسي هو كما تدّعي الحرب المقدسة الهادفة إلى توسيع المشروع الفارسي إلى دول الجوار، ولن تحيد إيران قيد أنملة عن هذه السياسة، لغياب القوة العربية السنية التي تستطيع وقف هذا التمدّد. ونتيجة ذلك، استطاعت إيران إحكام السيطرة على رابع العواصم العربية دمشق، عندما تدخلت في سورية، منذ اليوم الأول للثورة السورية العظيمة، وبكل ما تملك من قوتها السياسية والعسكرية والدبلوماسية والمالية، وهي تدرك تماماً أنه في حال هزيمتها في سورية، ستفقد إلى الأبد مشروعها الفارسي الشيعي التوسعي في المنطقة. والمتغير الوحيد في الدبلوماسية الإيرانية الذي قد يحدث هو قبول إيران تغيير رأس النظام من دون جسمه، والإبقاء على وجودها الكامل في سورية في حال تحقق ما تريده من مفاوضات الملف النووي.

خلاصة لما تقدّم، ربما تتغير كل هذه الدبلوماسيات الدولية في حال قرّرت الإدارة الأميركية الجديدة أن يكون إنهاء الصراع في سورية على أولى درجات سلم أولوياتها، وأن استمرار الحرب في سورية سوف تترتب عليه تداعيات خطيرة على المنطقة، أهمها استمرار معاناة الشعب السوري، واحتمال تدفق موجات جديدة من اللاجئين إلى تركيا وأوروبا، في حال عمل الروس على تأزيم الوضع والسماح للنظام بالقيام بعمل عسكري ما، ما قد ينعكس سلبيا على استقرار كل دول الجوار. وبالتالي، سيكون حل الأزمة السورية من الأمور الثابتة في سياسة الرئيس بايدن الخارجية، وستدفع بشكل حقيقي نحو وضع عملية السلام في نصابها الصحيح، وهو مقرّرات جنيف 1، وبالتالي العمل على إحداث تطور سريع باتجاه حل الأمور. أما إذا قرّر بايدن اتباع سياسة الرئيس الأسبق، أوباما، في تجاهل الأزمة السورية، والسعى إلى مساومة إيران على الملف النووي في سورية، فستكون هناك تعقيدات أكبر في الملف السوري، ستنعكس على كل دول الجوار، وسيكون هناك مزيد من الدماء والأرواح.

هكذا تقع الثورة السورية ضحية دبلوماسيات صعبة ضائعة بين مصالح سياسية لدول، واقتصادية لدول أخرى. وحتى اللحظة، لم تستطع قوى المعارضة السورية الممثلة لهذه الثورة قراءة هذه الدبلوماسيات بشكلها الصحيح، ولم تضع أي استراتيجية للتعامل معها، فهل تفعل ذلك الآن.

 

المصدر: العربي الجديد

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى