رسالة من أرض الرمل والدماء

   ميشيل كيلو

عندما قرّر دونالد ترامب، الرجل الذي لا يمكن أن ينتخبه أي مخلوق في العالم رئيسا له، باستثناء مخاليق في أميركا، سحب قوات لبلاده من سورية، سوّغ قراره ذاك بما يعرفه عن سورية “أرض رمل ودماء”، وليس أحد أقدم مهاد الحضارة البشرية، بشهادة التاريخ، والذين تربوا على يديها فلسفيا وحضاريا، زراعيا وتجاريا، أسطوريا ودينيا. وجهِلَ رئيس أميركا، لشدّة ما كان جاهلا، أن يسوع المسيح لم يكن غير سوري من فلسطين.

ـ دخلت تركيا إلى ليبيا، وحطمت جزءا مهمّا من جيش خليفة حفتر في حربٍ مباشرة شنها جيشها في غرب البلاد. في المقابل، أرسل الكرملين جيشه الاحتياطي الذي يحمل اسم فرقة فاغنر، ويضم خمس عصابات أخرى، إلى الطرف المقابل، حيث جيش حفتر وبنغازي في حرب مع طرابلس وحكومة الوفاق، المحميتين تركياً. وحشد الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، مئات الدبابات على حدود ليبيا، وفرض خطا أحمر بين مدينة سرت وواحة الجفرة، وهدّد من يجتازه من الأتراك وغيرهم بحربٍ لا تبقي ولا تذر، بدعم فرنسي. في هذه الأجواء، كان من الطبيعي أن يتصاعد التوتر، ويتوقف العراك الكبير، الإقليمي والدولي والمحلي، على طلقةٍ تصدر من هنا أو هناك، عن هذا التنظيم الإرهابي أو ذاك من تنظيمات الإرهاب الكثيرة جدا، والتي لا يوجد مكان في العالم يضاهيها في الإرهاب وتنظيماته. ثم، وفجأة، توقفت القعقعة بالسلاح، وانقلب العداء بين أطراف الصراع إلى حوار حبّي وعن قرب، وخمدت تصريحات الرئيس التركي، أردوغان، العنيفة، وتهديداته الساحقة الماحقة. وأقلع الرئيس الفرنسي، ماكرون، ورئيس وزراء إيطاليا، جوزيبي كونتي، عن تصعيد لهجتيهما كل حيال الآخر، وغابت ليبيا عن لغتهما. كما صمت سيد الكرملين، بوتين، ونفى أن يكون لبلاده أو لجيشه دور ليبي، إلا إذا كان العالم سيعتبر طائرات ميغ 29 التي قدمت من قاعدتها في حميميم على الساحل السوري إلى قاعدة الجفرة الجوية، وكذا منصات إطلاق الصواريخ المضادة للطائرات، أسلحة لا تستحق الذكر. وأمعنت واشنطن، بدورها، في لعب دورها من وراء الستار، وفي تحديد مواقف الجميع وأدوارهم، بمن فيهم ديوك بنغازي وطرابلس، ومن انضم إليهم من سوريين في شرق البلاد وغربها.

لماذا جنح الجميع إلى السلم؟ هو سبب أجهله، جسّده انتقال هؤلاء، بقضهم وقضيضهم، إلى مفاوضات كالتي تدور عادة بين حبايب، يرفضون أن يعكر معكّر صفو تفانيهم في “الانغرام” ببعضهم، كما يقول أنصار الحب العذري من اللبنانيين، وها هم يعلنون توصلهم إلى اتفاقٍ بشأن حلّ للحرب التي اكتشفوا جميعهم أنها كانت “أزمة”، وحول من سيمثلون الشعب الذي كان المتصالحون قد شحنوا انقساماته بقدرٍ مخيف من الغل والحقد والرغبة في القتل، وها هو يتآخى بتآخيهم، فلا حرب ولا ضرب ولا سيوف رنّانة، بل حب يجلو ما في القلوب من نجاساتٍ أملتها “خلافاتهم الأخوية”.

كيف حدثت هذه النقلة، وبأي عصا سحرية، ولماذا أمكن أن تنجح، وإنْ في جمع المتحاربين، على الرغم من وجود إرهابيين بين داعميهم المدججين بالسلاح يفوق عددهم كثيرا من ابتلي الشعب السوري بهم من أشباههم، لكن العالم الحر ونصف الحر لم يضف صفتهم إرهابيين على الشعب الليبي، على العكس مما فعله في سورية، لماذا؟ لماذا تحل المعضلة هناك، ويتم الانتقال من الحرب إلى الحوار، محليا وإقليميا ودوليا، ولا يحدث شيءٌ من هذا، أو مما يشبهه، ولو من بعيد، في سورية؟ ألأن عدد شهداء حروب ليبيا أقل بما لا يقارن من عدد شهداء حرب الأسدية على السوريين، الذين بلغ عدد من قتل منهم تحت التعذيب وحده مليونا ونصف مليون، بشهادة سوري مقنّع، وقف أمام محكمة كوبلنز الألمانية، وقدم نفسه رئيسا سابقا لفريق دفن قتلى التعذيب على أيدي عناصر المخابرات السورية بين عامي 2011 و2016، من دون احتساب قتلى الفرقة الرابعة ومخابرات القوى الجوية، الذين كانوا يدفنون في مطار المزّة وتلال ثكنات الحرس الجمهوري جنوب دمشق وغربها، ناهيك عن قتلى الغارات والاقتحامات الذين يقدّرون بمليون شهيد إضافي؟ أم لأن عدد من هجروا من ليبيا أكثر من الملايين العشرة ونيف الذين طردهم التحالف المقدس الأسدي/ الروسي/ الإيراني من سورية، بالصواريخ والقنابل والمجازر الأربعمائة التي غطت الأرض السورية؟ أم لأن المتدخلين هناك مسالمون، وهنا محاربون أو ممتنعون عن التدخل لأنه من صلاحيات الأمم المتحدة التي يعطلونها كي لا تحيد عن ميثاقها؟ أم لأن جيوشهم لا ترابط في كل شبر من الأرض السورية، ولا تضم هنا ما لا وجود له هناك: حرس إيران وجيشها، وهي التي تضحّي بخبز شعبها حفاظا على حصتها من دماء الشعب السوري “الشقيق”. ويشاع أن واشنطن، وبقية محبي الحرية والديمقراطية، والمدافعين عن الكرامة الإنسانية، يرفضون دورها السوري، شأنهم في ذلك شأن الشعوب العربية والإسلامية؟ ومع ذلك، ما يجري على ليبيا التي يسعدنا نجاح انتقالها من الحرب إلى السلام لا يجري هنا، فلماذا؟ هل لأن إيران تقاتل في بلادنا بصورة مباشرة، ولا تقاتل هناك كما يجب أن تقاتل؟

ـ أعلنت واشنطن مكافأة إيران على دورها في اليمن، وألغت تصنيف الحوثيين تنظيما إرهابيا، والذريعة: جوع الشعب اليمني الذي تشعر إدارة الرئيس الأميركي، بايدن، بمسؤولية خاصة تجاهه، ولا تقبل تجويعه، ولو أدى ذلك إلى تزويد تنظيم الحوثيين الإرهابي بما يحتاجه ليستمر في تجويع هذا الشعب، ويتوفر لديه ما يكفي من تموين لعناصره المسؤولين عن تفاقم بؤس اليمنيين المزمن، وإراقة دمائهم، واحتلال وطنهم، وتدمير بيوتهم، وقتل أطفالهم، بدعم فاعل ويومي من إيران، الدولة التي أسست في العراق وسورية ولبنان تنظيماتٍ إرهابية تضم قتلة مأجورين، يخوضون معاركها، ويتولون، بوصفها تنظيمات حرس ثوري، توسعة نفوذها وحضورها في واحدةٍ من أخطر مناطق العالم، بالنسبة للغرب وأميركا. كيف تحبّون أن نفهم هذا، سادتنا الأكارم في البيت الأبيض؟ هل هو التمهيد الضروري للمفاوضات مع إيران بشأن عدم التزامها بالعمل لإنتاج أسلحة نووية، أم هو رسائل “لتلطيف الجو”، تمهيدا لتراجعكم عن مقاطعتها، وانتقالكم إلى “احتوائها” بطريقة باراك أوباما الذي سامحها في سورية، وحذّر مساعديه، وكان منهم الرئيس بايدن، قائلا: لا أريد أن يذكر أحد منكم سورية بعد اليوم؟!

ـ يبدو أن سيد البيت الأبيض الجديد لا يحتاج إلى من يذكّره بذلك. ومن المؤكد أن الذين وضعت مقادير سورية بين أيديهم من أنصار إيران، كروبرت مالي، وحزب العمال الكردستاني كبريت ماكجورك، لن يذكروه بها، بل سيساعدونه على العبور بسرعة إلى مرحلة ما بعد سورية التي يبدو أن لها حسابا خاصا في السماء كما على الأرض، وإلا ما معنى النجاح بين عشية وضحاها في نقل ليبيا من الحرب إلى الحل بكبسة زر، وشد أزر الاحتلال الإيراني في اليمن، والقرار بتزويد عملائه الحوثيين بما يحتاجونه من غذاء ودواء، ومن وقف “للعدوان” السعودي عليهم، وتجنب ذكر سورية في أي موقف أو تصريح من مواقف وتصريحات من يعلنون، في البيت الأبيض إياه، بأنهم سيدافعون عن الحرية وحقوق الإنسان في العالم بأسره؟ أليس السوريون بشرا لهم حقوق تستحق أن يدافع عنها، ويشملها التزام الرئيس بايدن وإدارته؟ أليست سورية في حاجةٍ إلى السلام أيضا، وإلى وقف تجويع شعبها وتهجيره في المنافي والمعازل الداخلية التي يتم فيها اغتيال شعبها تعذيبا وتجويعا وإذلالا؟ ألا يجب كذلك الضرب على أيدي من قتل نيفا ومليونين من مواطنيها؟ أخيرا، ألا يستحق شعبها أن تطبق عليه القرارات الدولية التي نالت موافقة واشنطن (بيان جنيف وقرار مجلس الأمن 2118)، أو كانت هي التي اقترحتها (قرار مجلس الأمن 2254)، وتقول جميعها بضرورة نقله من الحرب إلى حل ديمقراطي، بينما لا توجد قراراتٌ مماثلةٌ لها في العدد والمضمون الصريح في ليبيا، وليس هناك قرارات دولية تعفي الحوثيين من دماء الشعب اليمني وجوعه، وشن الحرب عليه، وتشطير وطنه، واستعماره إيرانيا؟

ـ ما قصة سورية؟ أي جريمة بحق الله والإنسان اقترفها شعبها، حتى يصفها الجاهل الأحمق ترامب بأنها “أرض الرمل والدماء”، ويتناساها الرئيس بايدن وإدارته، ويتجاهل أن قضيتها مثلت، خلال عشرة أعوام من المجازر والمذابح والقتل المفتوح، تسعين في المائة من انشغالات السياسات الدولية، وأن مشكلتها لا تحلّ بتجاهلها. ومن المحال إعادة شعبها إلى المسلخ الأسدي ليستأنف إبادته، بعد أن قاوم هذا الشعب عشرة أعوام، صمد خلالها صمودا لم يكن أحد يتخيّل أنه قادر عليه، وقدم خلاله نيفا ومليوني شهيد. ومثلما شنّت الأسدية حرب إبادة عليه، من دون أن تتمكّن من إعادته إلى بيت طاعتها، فإنه عازمٌ على اعتماد المعيار الدولي الذي يحترمه العالم، القوة، للدفاع عن نفسه بجميع وسائل القوة والعنف التي يوفرها له انتشاره في عشرات الدول، وخصوصا منها التي قررت مكافأة الأسدية والحوثيين وإيران على جرائمهم وعنفهم الإرهابي، الذي لن يبقى حكرا عليهم، في حال كان قرار العالم مكافأة النظام الأسدي، لأنه شطبهم من الوجود، كرمى لإسرائيل، صاحبة المصلحة الاستراتيجية في تدمير دولته ومجتمعه بيد سفاح، بسبب خدماته لتل أبيب، ويُستثنى السوريون من كرم واشنطن التي ليس أمنهم وسلامهم أولوية بالنسبة لها، ولا تعترف بحقهم في اختيار حكامهم.

أكتب هذا النص لألفت نظر من بيده الحل والربط في البيت الأبيض، وتمنيت، كأغلبية الشعب الذي أنتمي إليه، نجاحه في انتخابات الرئاسة الأميركية، ورجوت أصدقائي من العرب الأميركيين أن يدعموه بكل استطاعتهم. وأتمنى ألا يكرّر حماقة أوباما الذي عقد صفقة لا لزوم لها مع إيران على حساب شعبٍ بأسره، أسهم عقدها في تركه فريسةً للذبح. وها هي المنطقة بأسرها تدفع ثمنا باهظا لما ترتب على الصفقة من صواريخ إيرانية تغطيها (المنطقة) بطولها وعرضها، ونالت سفارة البيت الأبيض في بغداد نصيبا وافرا من هذه الصواريخ. ومن البلاهة أن يعتقد سيد البيت الأبيض أن ما يقدّمه لطهران من تنازلات وترضيات ستُفهم بصورة صحيحة من قيادتها، وأنها لن تعتبر علامة ضعف تشجعها على مزيد من التوسع في جوارها.

ـ لن ينعم العالم بالهدوء والأمان، إن كان هناك من يرى في الشعب السوري جبناء وخوافين، سيمتثلون لإرادته، حتى إن قرّر التنكر لحقوقهم، وإبقاء أعناقهم تحت سكاكين القتلة. إذا حدث هذا، فلا يلومن أحدٌ أحدا غير نفسه.

نهنئ ليبيا بالتوافق بين أبنائها، ونتمنّى لشعبها ما يصبو إليه من حرية وكرامة واستقلال. وننتظر أن تلبينوا سورية، قبل أن يسورن بلدانكم من لم يسبق له أن أيّد أية أعمال إرهابية ضد من قد يخيّرونه من الآن فصاعدا بين الإبادة والجنون.

المصدر: العربي الجديد

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى