دوما في الثورة السورية

محمد عمر كرداس

قرب دمشق وعلى بعد 12 كم واحة اسمها دوما، بين أشجار غوطتها وعلى مرمى أنهارها السبعة، يمر فيها “نهر تورا” ومعه اثنتا عشرة قناة تتدفق من ينابيع دوما، وكان محمل كسوة الكعبة يرتفع على جمال ولدت ونشأت في دوما التي اشتهرت بها على مر العصور. كانت دوما ملجأ للكثير من الهجرات من مختلف اللاجئين الذين هربوا من اضطهاد عانوه في بلدانهم وعلى رأسهم جالية سكنت المنطقة الشرقية وهم بقايا جيش إبراهيم باشا وسميت حارتهم بحارة العرب، ليأتي بعدها الفلسطينيون بأعداد كبيرة ليختلطوا بالسكان ويصبحوا جزءً منهم.

    بدأت الانتفاضة في هذه المدينة الوادعة والجميلة الهادئة مبكرًا، فبعد مظاهرة درعا الأولى في 18 آذار 2011 التي أصبحت تؤرخ لبداية الثورة والتي قمعت بعنف من قبل أجهزة أمن النظام سقط على إثرها عدد من الشهداء السلميين، تجاوبت المدينة مع شقيقتها درعا لتتشكل مظاهرة يوم الجمعة 25 آذار رفعت شعارات الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية ضمت الآلاف من أبناء المدينة وتوجهت إلى ساحة البلدية وكان شعارها الأبرز يا درعا دوما معاكي للموت.

سبقت إرهاصات هذه التحركات محاولات من نشطاء بدمشق وريفها للتضامن مع ثورات الربيع العربي في كل من تونس وليبيا ومصر أمام سفارات هذه الدول التي منعها الأمن. وكانت الشرارة في موقفين، موقف أمام القصر العدلي للمطالبة بإلغاء حالة الطوارئ والأحكام العرفية يوم 9 آذار/مارس منع من قبل الأمن، وموقف تجار سوق الحريقة التجاري وسط دمشق الذين احتجوا على إذلال شرطي لمواطن فشكلوا مظاهرة كان شعارها الأبرز ” الشعب السوري ما بينذل “. وكانت سابقة اعتبرها النظام خطيرة فأسرع لاحتوائها بنزول وزير الداخلية للمكان لمحاولة التهدئة.

    في دوما كانت المظاهرة الأولى سلمية وتفاهم الأمن مع المحتجين بالحوار وانتهت المظاهرة دون مشاكل.

    اختلف الوضع في المظاهرة الثانية يوم الجمعة قي 1/4/ 2011 فقد بادر الأمن بعد صلاة الجمعة إلى تطويق الجامع الكبير في دوما والتي من المقرر أن تخرج منه المظاهرة السلمية الثانية، وبدأ بضرب الخارجين بالهراوات وتم اعتقال 83 مصلي قبل انطلاق المظاهرة، إلا أن المتظاهرين أصروا على الاستمرار واندلعت مظاهرة قدر عددها بمئة ألف تصدى لها الأمن بوحشية كبيرة مما أدى إلى استشهاد 11 متظاهر 8 منهم من المدينة والباقي من ريف المدينة.

    شيع السكان الشهداء يوم الأحد بعد الاتفاق بين الأهالي ممثلين ببعض الوجهاء والسلطة على أن تخرج قوات الأمن من المدينة يوم التشييع، وهكذا تم التشييع والعزاء لثلاثة أيام دون مشاكل، وحضر العزاء عدد من الشخصيات المعارضة التي ألقى بعضهم كلمات أدانوا فيها قمع الأمن للمتظاهرين السلميين، وعم الهدوء الحذر حتى الجمعة بتاريخ 15 نيسان/ابريل عندما حاول بعض المتظاهرين دفع المظاهرة للوصول إلى دمشق سيرًا إلا أن الموضوع تأجل ليوم 22 نيسان/ابريل حيث جرت محاولة ثانية إلا أنها قمعت بقسوة واستشهد 8 متظاهرين وأثناء تشييعهم في اليوم التالي اقتحم الأمن مظاهرة التشييع وقتل 3 مشيعين ليقوم يوم 25 نيسان باقتحام المدينة بقوات ميكانيكية ومدرعة من الجيش وليقوم باعتقال أكثر من 800 مواطن بشكل وحشي واقتادهم إلى فرع أمن الدولة بدمشق، ليجري التحقيق معهم مع تعذيب شديد وأحيل معظمهم إلى محاكمة عسكرية  جرت في مركز الشرطة العسكرية في القابون ليترك عدد منهم بعد أسبوع تحت محاكمة ثم يحال الجزء الأكبر إلى سجن عدرا.

    بعد استمرار العنف المفرط من قبل الجيش والأمن واستمرار الاعتقالات والقتل والقصف العشوائي وقطع الاتصالات والخدمات العامة  مع إخفاء لكثير من الناشطين السلميين من أهالي المدينة، وبعد أشهر من بدء الحراك الثوري، تشكلت في المدينة مجموعات مسلحة للدفاع عن الأهالي وأصبحت تزداد الاشتباكات مع الأمن وخاصة بعد إفراج النظام عن عدد من المتطرفين الإسلاميين الذين شكلوا فصائل مسلحة سرعان ما توسعت بالدعم الخارجي لتتصدى لقوات الأمن والجيش ومن هذه المجموعات كتائب شهداء دوما وأسود الله وشباب الهدى وأسود الغوطة ثم لواء الإسلام، التي نجحت في شهر تشرين ثان / نوفمبر 2012 من إخراج النظام وكافة مؤسساته العسكرية والأمنية والمدنية ليسارع نشطاء الثورة المدنيين لتشكيل هياكل تنظيمية لإدارة المدينة تحت اسم المجلس المحلي ليحتوي على 300 موظف بمختلف المؤسسات من حملة الشهادات وأصحاب الاختصاصات، ومن أهم المكاتب المشكلة كان السجل المدني والعقاري ومكتب الخدمات ومكتب المرأة والمكتب الزراعي والتعليمي.

    ويستمر حصار المدينة القاسي ليضطر الأهالي لأكل الحشائش وأوراق الجر والشعير بعد أن كانت المدينة الخزان الغذائي للغوطة والعاصمة تزودهم باللحوم والألبان والخضار والفواكه.

شاركت المليشيات اللبنانية والإيرانية بالقصف كما كان للقصف الروسي الجوي أبلغ الأثر للدخول في مباحثات بين الروس والمسلحين للخروج من المدينة وضمها لمناطق المصالحة في شهر نيسان/ ابريل 2018 حيث تم تهجير المسلحين إلى الشمال السوري الخارج عن سيطرة النظام مع من رغب من المدنيين وأسرهم. المدينة تعاني إلى الآن من عسف وظلم النظام مع تجميد كل مرافقها الحيوية ومنع الأهالي من ممارسة أعمالهم وخاصة الزراعية التي هي الأساس في اقتصاد المدينة مع انعدام الخدمات الأساسية. كما هو الحال في أكثر المناطق التي عادت لسيطرة النظام بفعل القصف والضغط الروسي المحتل.

المصدر: اشراق

اترك تعليقاً
2+

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى