مؤرخ يهودي يقدم نظرة جديدة لحرب 1967 ويكشف بعض خباياها

وديع عواودة

يقدم المؤرخ والبروفيسور اليهودي، إيلان بابيه، في ندوة نظمها  “ملتقى فلسطين” عبر تطبيق “زووم” نظرة جديدة لحرب 1967 ومخططات إسرائيل السرية حيالها، مشددا على أن الدولة العبرية خططت للاستيلاء على الضفة الغربية وقطاع غزة قبل سنوات من نشوب الحرب.

ويوضح بابيه في الندوة أن كتابه حول الحرب يقدم حجتين، إحداهما واضحة تماما ولن يسهب فيها، والأخرى مخفية أكثر، ويودّ التوسع فيها. أما الحجة الأولى، فهي أن إسرائيل حكمت الضفة الغربية وقطاع غزة كسجن ضخم. ويضيف: “كان للسجن نموذجان، الأول هو السجن المفتوح، أو الحكم الذاتي داخل حدود تحددها إسرائيل مع سيطرة كاملة من الخارج على أي قضية تعتبرها إسرائيل مهمة، وقد باعت إسرائيل هذا النموذج كحل سلمي. النموذج الثاني هو سجن شديد الحراسة، مع عدم وجود أي حقوق للنزلاء وعقاب جماعي مستمر حتى يقبل المجتمع نموذج السجن المفتوح”.

أما الحجة الثانية، فهي أن هناك حاجة إلى إعادة النظر في تاريخ حرب 1967 وإيجاد سياق جديد للعمل الإسرائيلي في الحرب وبعدها. وقال بابيه إنه بعد أكثر من خمسين عاما من الحرب العربية الإسرائيلية في حزيران/ يونيو 1967، هناك مواد جديدة لفهم أصول وتأثير ذلك الحدث التاريخي بشكل أفضل، وبالتالي منظور تاريخي أفضل بكثير. منوها أن السرد المشترك، الذي لا يزال سائدا في الدوائر السياسية الغربية، يتكون من أسطورتين: إحدى الأساطير أن الحرب فُرضت على إسرائيل، والأسطورة الثانية هي أنه بعد الانتصار المذهل لإسرائيل كانت مستعدة لتحقيق السلام مع جميع الدول العربية والفلسطينيين، مشددا على أنه يمكن الآن تحدي كلتا الأسطورتين وفضحهما بسهولة أكبر.

ويقول إن الاستيلاء الإسرائيلي على الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967  كان حدثا تاريخيا، وبالنسبة لإسرائيل، شكّل ثروة كبيرة لاستغلالها: منذ ولادة إسرائيل عام 1948، شعرت النخبة السياسية والعسكرية في البلاد أن إسرائيل قد أضاعت فرصة ثمينة خلال حرب 1948 لإنشاء دولة يهودية في جميع أنحاء فلسطين التاريخية. ومما يؤسف له أن الجيش لم يحتل الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1948 عندما بدا أن لديه القدرة العسكرية والفرصة للقيام بذلك. لم يتم احتلال الضفة الغربية بسبب اتفاق سري بين إسرائيل والأردن، ولم يتم احتلال قطاع غزة، حيث أرادت إسرائيل دفع مئات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين إليه.

بابيه الذي يعرف بمواقفه المناهضة للصهيونية، وكتب عدة كتب هامة أبرزها “التطهير العرقي في فلسطين” يشير إلى أنه منذ ذلك الحين، نشط لوبي عسكري وسياسي قوي داخل إسرائيل للضغط من أجل احتلال الضفة الغربية (وبدرجة أقل قطاع غزة).

ويتابع: “كان اللوبي يتألف من أشخاص أقوياء، وفقاً لبحوثي المستندة إلى أرشيف إسرائيل، كادوا ينجحون في إقناع الحكومة بأخذ الضفة الغربية بالقوة في عامي 1958 و1960. التهديد بمثل هذا الإجراء في 1960، بالإضافة إلى توسيع العمل الإسرائيلي عند تحويل مسار نهر الأردن، دفع الرئيس المصري جمال عبد الناصر إلى إرسال قوات إلى شبه جزيرة سيناء، وهي خطوة كان سيتخذها مرة أخرى خلال أزمة 1967.

استعمار استيطاني

ويقول بابيه إن مراجعة الوثائق في أرشيف إسرائيل بالإضافة إلى التقارير الصحافية المعاصرة، تجعل من الممكن رؤية كيف كانت الحكومة الإسرائيلية قد استعدت جيدا لاستيلاء سريع على الضفة الغربية وقطاع غزة وهذا ليس مفاجئا. مستذكرا أن إسرائيل امتلكت بالفعل نظام سيطرة على مجموعة من الفلسطينيين (نظام الحكم العسكري المفروض على الفلسطينيين في إسرائيل منذ عام 1948) والذي يمكن إعادة فرضه او نقله على مجموعة فلسطينية أخرى.

واعتبر أن القرارات التي اتخذتها الحكومة الإسرائيلية في أعقاب حرب عام 1948 تعزز الانطباع بأنها كانت تبحث عن فرصة لتوسيع المساحة الجغرافية للدولة اليهودية. وبرأيه يمكن فهم هذا السلوك الإسرائيلي بشكل أفضل إذا قبلنا الاتجاه الأكاديمي لتعريف الصهيونية على أنها حركة استعمار استيطاني، وإسرائيل كدولة استعمارية استيطانية. ويضيف: “كانت  في ماضي الاستعمار الاستيطاني حركات أيديولوجية دفعت الأوروبيين (الذين شعروا بعدم الأمان في أوروبا) إلى التوطين في مناطق بعيدة بحثا عن وطن قومي في أماكن عاشت فيها شعوب أخرى. واجه هذا البحث سكاناً أصليين أصبحوا في كثير من الأحيان ضحايا للإبادة الجماعية على أيدي المستوطنين الأوروبيين.

في فلسطين، كان التطهير العرقي والفصل العنصري لا يزال الوسيلة الرئيسية التي يأمل المشروع الاستعماري الاستيطاني من خلالها تحويل فلسطين بأكملها إلى دولة يهودية. ويقول المؤرخ الإسرائيلي إنه كما قال باتريك وولف، الباحث الكبير في الاستعمار الاستيطاني، فإن الاستعمار الاستيطاني هو هيكل وليس حدثاً، وبالتالي يجب أن يُنظر إلى حرب 1967 وما بعدها على أنها استمرار مباشر ونتيجة للاستعمار الصهيوني لفلسطين منذ عام 1882، والنكبة الفلسطينية عام 1948.

ويضيف: “ذهبت إسرائيل عن علم واستعداد جيد للحرب عام 1967، ولقد فكرت قبل الحرب بوقت طويل باحتلال الضفة الغربية وقطاع غزة”. ويعود بابيه لسنوات سبقت النكسة، ويكشف أنه منذ عام 1963، اجتمع فريق مؤلف من مستشرقين، حقوقيين، ضباط في الجيش ومسؤولين من الحكم العسكري داخل إسرائيل، رجال قانون وأعضاء في وزارة الداخلية بانتظام لوضع اللمسات الأخيرة على خطة السيطرة على الضفة الغربية وقطاع غزة.

وبرأيه كان واضحا أنه في حال وقوع أي اشتباك خطير مع الأردن تحت أي ظرف من الظروف، سيحتل الجيش الضفة الغربية وسيحرص السياسيون على بقائها جزءا من “إسرائيل الكبرى”. ويوضح أن خططا مماثلة وجهت السياسة الإسرائيلية تجاه قطاع غزة، حيث أعدّ هذا الفريق من المسؤولين الإسرائيليين خطة مفصلة للاحتلال، منوها أن هذا التمهيد سمح للجيش بأن ينصب فوراً نظاماً قانونياً جديداً لإدارة شؤون المناطق المحتلة. وفي عام 1967، تم وضع كل بلدة وقرية تم احتلالها تحت هذا النظام على الفور حتى قبل اكتمال احتلال المنطقة بأكملها.

الأسطورة الثانية

يقول بابيه إن الأسطورة الثانية هي كذبة البحث الإسرائيلي المستمر عن السلام، وإن هذه الأكذوبة تواجه تحديا أيضا نظرا لما نعرفه بمرور الوقت وكشف المزيد من الأدلة.  موضحا أن القرارات الاستراتيجية الرئيسية التي اتخذتها القيادة الإسرائيلية بعد حرب 1967 مباشرة، شملت البحث عن السلام كوسيلة لضمان استمرار السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية وقطاع غزة، ولم يكن هذا بحثا حقيقيا عن السلام.

وتابع: “كان هناك اختلاف واضح بين نظرة النخبة السياسية الإسرائيلية، في أعقاب الحرب، إلى الضفة الغربية وقطاع غزة من جهة، وشبه جزيرة سيناء المصرية ومرتفعات الجولان السورية من جهة أخرى. منذ اللحظة التي انتهت فيها الحرب، اتضح أن المنطقتين الأوليتين لم تكن مفتوحة للمفاوضات، في حين اعتبر بعض الوزراء على الأقل المنطقتين الأخريين ورقة تجارية محتملة للسلام الثنائي في المستقبل. مع مرور الوقت، استغرقت الحرب عام 1973 للتوصل إلى اتفاق مع مصر رغم بداية الاستعمار اليهودي المكثف في شمال وجنوب سيناء. السلام مع سوريا لم يتحقق قط، وأصبح الاستعمار اليهودي هناك أكثر كثافة وتبعه ضم شرعي”.

واحة الديموقراطية في الشرق الأوسط

المؤرخ اليهودي الذي ترك جامعة حيفا ليعمل باحثا محاضرا في جامعة إكستر البريطانية قبل سنوات، بعدما لم يعد يحتمل العنصرية الإسرائيلية كما قال لـ”القدس العربي” في حديث سابق، يوضح أنه في سلسلة من الاجتماعات بعد حرب 1967، اتخذت الحكومة الإسرائيلية الثالثة عشرة بعض القرارات التي احترمتها والتزمت بها جميع الحكومات اللاحقة كأساس لسياساتها تجاه الضفة الغربية وقطاع غزة.

ويذكر أن القرار الأول الذي اتخذته الحكومة، كان إبقاء الضفة الغربية وقطاع غزة تحت الحكم الإسرائيلي. ويضيف: “مثل اليوم كان هناك نقاش تكتيكي حول أفضل السبل لتحقيق هذا الهدف.. كان النقاش حول حكم المناطق بشكل مباشر أو غير مباشر. مع مرور الوقت، خلق هذا الجدل الانطباع في الغرب كما لو كان هناك نقاش أيديولوجي حقيقي بين معسكرين داخل إسرائيل، نقاش حقيقي بين معسكرات السلام والحرب داخل النخبة السياسية الإسرائيلية. ساعد هذا التصور الخاطئ على تحويل إسرائيل إلى سلعة باعتبارها الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط عندما واجهت مع ذلك أقوى دليل على أنها ليست كذلك، احتلال قاسٍ مفروض على ملايين الناس”. منوها أنه مع مرور الوقت، علم أن الحكم غير المباشر يعني تهويد أجزاء من الضفة الغربية وقطاع غزة (مناطق ليس بها كثافة سكانية فلسطينية) كما في عام 2005  حيث تم تحويل إعادة فك الارتباط عن قطاع غزة سحب المستوطنين اليهود منه وفرض حصار وإغلاق عليه.

لماذا لم تبادر إسرائيل لتهجير الفلسطينيين مجددا؟

يشدد بابيه أن الوثائق الحكومية الإسرائيلية الأرشيفية تظهر تصميما واضحا على إبقاء الضفة الغربية تحت السيطرة الإسرائيلية إلى الأبد، وترسيم نهر الأردن بشكل دائم باعتباره الحدود الطبيعية لإسرائيل. ويقول إن الاحتفاظ بهذه الأرض تطلب قرارا إضافيا حول مستقبل الناس الذين يعيشون في المناطق التي تريد إسرائيل الاحتفاظ بها إلى الأبد.

ويتابع: “في البداية، دار نقاش جاد حول إمكانية تكرار التطهير العرقي عام 1948. لكن انتهاء القتال، ووجود التلفزيون، والخوف من أن تكون المقاومة الفلسطينية هذه المرة أكثر شراسة، أزال الفكرة من سياسة الحكومة. لذلك تقرر السماح للفلسطينيين بالبقاء. لكن هذا لم يمنع أعمال التطهير العرقي الأصغر في أجزاء من الضفة الغربية وقطاع غزة والتي أدت إلى خلق مشكلة لاجئين جديدة”.

ويوضح أن هذا القرار الثاني أثار الحاجة إلى اتخاذ قرار ثالث: لو بقيت المناطق تحت الحكم الإسرائيلي وبقي الشعب، ماذا سيكون مستقبلهم؟

تُظهر المداولات أن صانعي السياسة الإسرائيليين قرروا بوعي تام أن سكان الضفة الغربية وقطاع غزة لن يكونوا مواطنين إسرائيليين، بل سيكونون بلا جنسية، وبالتالي بدون أي حقوق مدنية أساسية. ويضيف: “كان هناك أيضا اعتراف بين قادة إسرائيل بأنه سيتم الاحتفاظ بمكانة “مواطنين بدون مواطنة ” لفترة طويلة جدا (في الواقع، لا يزال هذا هو الحال اليوم) وكان التحدي الأكبر الذي يواجه إسرائيل هو كيفية تحويل هذه القرارات الثلاثة إلى سلعة للمجتمع الدولي ككل، وخصوصا للولايات المتحدة، الحليف المهم لها”. مستذكرا أن المجتمع الدولي من خلال الأمم المتحدة، طالب إسرائيل بالانسحاب من أراضي عام 1967 مقابل السلام (كما تم التعبير عنه بوضوح في قرارات مجلس الأمن رقم 242 ثم لاحقا 338). وأصبح هذا التحدي واضحا بشكل خاص عندما يتعلق الأمر بالقدس. إذ قررت الحكومة الإسرائيلية بعد وقت قصير من نهاية القتال عام 1967 ضم القدس لها، وكانت قد انتهكت بالفعل قرار الأمم المتحدة لعام 1949 بشأن تدويل المدينة من خلال نقل مكاتبها الحكومية من تل أبيب إليها (وهذا هو سبب عدم وجود سفارة لأغلبية الدول في القدس).

موقف الولايات المتحدة

يشير بابيه أيضا إلى أنه في حزيران/ يونيو 1967، كان هذا ضمٌ رسميٌ وحكمٌ رافقه طرد الفلسطينيين في البلدة القديمة في القدس ومصادرة الأراضي الخاصة حول المدينة. وكان من الممكن إيقاف هذا الضم لو اختارت الولايات المتحدة منعه.

وخلص بابيه للقول في ندوته: “أعربت الحكومة الأمريكية بشكل خاص عن استيائها ولكنها كانت على استعداد لغض الطرف عن هذه الانتهاكات الخطيرة للقانون الدولي. الموقف الأمريكي نفسه وفّر فيما بعد غطاءً لاستعمار الضفة الغربية وقطاع غزة. وباستثناء إدارة بوش الأب، لم تجرؤ أي حكومة أمريكية أو ترغب في كبح جماح مشروع التهويد. أصبحت هذه القرارات الثلاثة حجر الزاوية في الاستراتيجية الإسرائيلية تجاه الضفة الغربية وقطاع غزة. وبموافقة أمريكية، تم تصور عملية سلام  في عام 1967 من المفترض أن تطبّق مبدأ الأرض مقابل السلام الذي أقرته الأمم المتحدة، والذي كان في الواقع تمثيلية، وفّر حصانة دولية لتنفيذ الاستراتيجية الإسرائيلية على الأرض. لم تكن هذه القرارات معروفة للرأي العام في إسرائيل في ذلك الوقت. كان هناك نقاش حقيقي بين ما يمكن تسميته مخيم المخلصين أو الفاديين، ومخيم الأوصياء. وأكد المخلصون أن الضفة الغربية، وبدرجة أقل قطاع غزة، تنتمي إلى قلب إسرائيل القديمة التي تم استردادها عام 1967. ودعوا إلى الضم الكامل لهذه الأراضي إلى إسرائيل. من ناحية أخرى، اعتبر الأوصياء هذه الأراضي بمثابة أوراق مساومة في التفاوض على اتفاقيات السلام الثنائية، أولاً مع الأردن ثم مع الفلسطينيين لاحقا. حتى اغتيال رئيس الوزراء يتسحاق رابين عام 1995، يمكن القول إن الأوصياء كان لهم وجود في السياسة والصحافة والأكاديميين الإسرائيليين. بطريقة ما، ترأس رابين هذا المعسكر عندما قرر دعم اتفاقية أوسلو الأولى عام 1993”.

 

المصدر: القدس العربي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى