لبنان وسورية وجريمة الأمونيوم المزدوجة

  سعد كيوان

العلاقة بين لبنان وسورية إشكالية لم تعرف يوما مسارا طبيعيا. بلدان يجمعهما التاريخ والجغرافيا والاقتصاد والتجارة والجيرة والروابط العائلية إلى درجة أن هناك من يعتبرهما بلدا واحدا، أو “شعبا واحدا في بلدين” على ما كان يردّد المقبور حافظ الأسد. وإنما لا تنسيق ولا تكامل بينهما، ولم تصل العلاقات يوما إلى المستوى المفترض بين جارين، وإنما يشوبها توتر شبه دائم، وأحيانا تصل إلى حد القطيعة. ولكي لا نرجع كثيرا إلى الوراء، ونغوص عميقا في الماضي والتاريخ. فمنذ استقلال البلدين عن الانتداب الفرنسي عام 1943، افترقت طريقهما وتباعدت خياراتهما بدءا من نظام الحكم، فاختار اللبنانيون النظام الديمقراطي التعدّدي فيما سلك السوريون، أو فرض عليهم، نظام الاستبداد وحكم الحزب الواحد. وبعد عقد، راحت العلاقات تتوتر شيئا فشيئا في المجالات كافة، من السياسي إلى التجاري واليومي، وتصل إلى حد إغلاق الحدود الذي واظبت دمشق على استعماله من وقت إلى آخر منذ السبعينيات سلاحا لابتزاز حكومة لبنان وممارسة الضغط على السياسيين، منذ سيطر حزب البعث على السلطة في سورية. طبعا، ليس للبنان، هذا البلد الصغير، أي طموح في السيطرة على القرار في سورية، أو أن يكون له أي نفوذ فيها، ولا يريد اللبنانيون أية وحدة اندماجية معها! وتتالت المشكلات والقطيعة تحت حجج مختلفة، إلى أن بدأ حافظ الأسد ينفخ في نار الحرب الأهلية، ثم دفع جيش بلاده إلى لبنان عام 1976، فهل تعود الأسباب إلى ما يؤكّده بعضهم إن النظام السوري يعتبر، وما يزال، أن لبنان جزء من سورية، وأنه لم يهضم أن جاره بلد مستقل قائم بذاته، بل يراه مرتعا للمؤامرات والدسائس عليه.

وهكذا، ومنذ أكثر من أربعة عقود، تحول لبنان إلى ساحة للصراعات والحروب، والتصفيات والاقتتال بين طرف وآخر، وفريق وآخر، وطائفة وأخرى، وبين لبناني وفلسطيني، ولبناني وسوري، وبين فلسطيني وسوري. وعملا بسياسة فرق تسد، كان النظام البعثي مرّة يتحجّج بحماية المسيحيين وأخرى بالدفاع عن الفلسطينيين والقضية، وثالثة باسم العروبة في مواجهة الانعزاليين وعملاء إسرائيل التي لم يطلق رصاصةً واحدةً عليها منذ احتلال الجولان السوري عام 1967، والتي لم يقطع، لا الأب ولا الابن، خيط التفاوض معها كما يحصل حاليا في قاعدة حميميم السورية تحت رعاية العرّاب الروسي.

وهكذا، تحوّل لبنان بلد الحريات إلى ركام سياسي، وتم تقويض التجربة اللبنانية في التعدّد والتنوع والتفاعل والانفتاح. ثم جاءت سيطرة السلاح المليشياوي الذي مهّد له النظام السوري الطريق وغطاه وحماه وقدّم له كل التسهيلات، وباتت الدولة مستباحةً ومشرعةً على كل التدخلات والوصايات والتبعيات، بعد أن تم إسكات الإرادات الحرّة أو تطويعها، واستتباع معظم الطبقة السياسية الفاسدة والوقحة والمستهلكة. ومع اندلاع ثورة الشعب السوري عام 2011، سعى النظام السوري جاهدا إلى تحويل لبنان إلى “حديقة احتياط خلفية”، لتوظيفها واستعمالها ضد الشعب السوري، بفضل جهود حزب الله الذي انخرط في القتال دفاعا عن بشار الأسد، ثم راح يجنّد كل ما يملك من إمكانات وسلطة ونفوذ، لتزويده بكل ما يحتاج، مستبيحا الحدود اللبنانية لكل أنواع التهريب المنظم من أجل تزويده بالدولار والبنزين والمازوت وشتى البضائع على أنواعها، للتعويض عن العقوبات التي فرضت عليه منذ بدء الثورة، وتصاعدت واشتدّت مع قانوني “قيصر” و”ماغنيتسكي” اللذين يمنعان أي دولة أو طرف من القيام باي تبادل تجاري أو تقديم أي مساعدة للنظام. وها هي السلطة اللبنانية، المعقودة الولاء لفريق الممانعة، تدشن خط رحلاتٍ جويةٍ بين حلب وبيروت، للالتفاف على العقوبات وتهريب البضائع جوا، ما من شأنه ان يعرّض لبنان للعقوبات هو الآخر.

وفيما اللبنانيون منهمكون بلملمة جراحهم بعد التفجير شبه النووي الذي أصاب مرفأ بيروت، وقبل أن يستفيقوا من هول وفظاعة الكارثة التي أوقعت أكثر من مئتي ضحية وستة آلاف مصاب وثلاثمئة ألف شخص من دون سقف يؤويهم ودمرت نصف بيروت. وفي الوقت الذي تسعى السلطة جاهدة إلى شل التحقيق القضائي، يسلّط الضوء مجدّدا على دور النظام السوري وأذرعه من رجال أعمال ومافياويين في الظروف والملابسات التي سبقت عملية التفجير وأحاطت بها، فقد كشفت تحقيقات تلفزيونية وتقارير صحفية أن رجال أعمال سوريين لعبوا دورا في إحضار مواد نترات الأمونيوم لتخزينها في مرفأ بيروت، للتحايل على العقوبات، لكي يتم من ثم شحنها إلى سورية، واستعمالها في شحن البراميل المتفجّرة ضد السوريين. الأول يدعى جورج حسواني، وهو قام أيضا بدور الوسيط بين النظام الأسدي وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) عبر شرائه النفط من هذا الأخير، عندما كان قد سيطر على حقول النفط في الشمال، وتزويد النظام به. وكان له دور أيضا في عملية إنقاذ راهبات بلدة معلولا السورية اللواتي احتجزهن عناصر من جبهة النصرة في نهاية عام 2013. واللافت أنه، بعد أيام قليلة، على ورود اسم حسواني في التحقيق حول تفجير المرفأ تعرّض نجله الذي يدعى باسل لمحاولة اغتيال في ريف دمشق، في منطقة يبرود في القلمون التي تقع تحت سيطرة حزب الله، وهو يملك شركة للإنتاج النفطي. وقد أشار تحقيق تلفزيوني عرضته قناة الجديد اللبنانية إلى الصلات القائمة بين رجال الأعمال السوريين، حسواني والأخوان عماد ومدلل خوري وشركة سافورو (مسجلة في بريطانيا) التي اشترت عام 2013 مادة نيترات الأمونيوم التي شكلت الصاعق الذي أدّى إلى تفجير المرفأ في 4 أغسطس/ آب الماضي. كما أن حسواني مقرّب من موسكو، ويحمل أيضا الجنسية الروسية، وينفذ مشاريع مع شركات نفطية روسية في سورية. ونتيجة علاقته بالنظام السوري ونشاطاته المتعدّدة والملتبسة، فرض عليه الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة عقوباتٍ دولية منذ عام 2015.

ويخلص التحقيق المتقن إلى التزامن الذي حصل بين تاريخ بدء تخزين الأمونيوم في نهاية صيف 2013 في مرفأ بيروت، وبدء استعمال البراميل المتفجرة ضد الشعب السوري. وكان قد سبق هذا التطوّر وساطة الرئيس الروسي، بوتين، مع الرئيس الأميركي الأسبق، باراك أوباما، والتي قضت بضرورة أن يسلم الأسد السلاح الكيميائي مقابل تراجع واشنطن عن قصف دمشق. وفي شهر أكتوبر/ تشرين الأول من ذلك العام، رضخ الأسد، ووقع على قرار الحد من الأسلحة الكيميائية، وبعد شهر ونصف الشهر تقريبا، وصلت إلى بيروت السفينة روسوس، وأفرغت حمولتها في المرفأ. وفي بداية العام 2014، تصاعدت وتيرة غارات البراميل المتفجرة، وبلغت حد العشر غارات في الأسبوع. وهنا تداخلت أسئلة عمّن استورد مع من خزّن، ومن غطّى التخزين ولمصلحة من؟ ومن سهل إخراج تلك الكميات الهائلة (ألفي طن؟) إلى سورية وكيف؟

أسئلة كثيرة ومتشعبة أسقطت فرضية الإهمال أو التقصير الإداري الذي يصبح ثانويا، وقد أصدر الإنتربول الدولي أصدر، قبل أيام قرارا بملاحقة قبطان الباخرة ومن يظهره التحقيق فاعلا ومتواطئا. والأنكى من ذلك أن أحد النواب حذّر من تكرار سيناريو المرفأ بوصول باخرة جديدة تحمل رايةً صينيةً لتفريغ مواد كيمائية من مادة “صوديوم سلفايد” في مرفأ بيروت، كي يتم نقلها برّا إلى سورية. وبما أن الجيش تحرّك سريعا على خط التحقيق في تفجير المرفأ، وكثف أخيرا من ضبط شاحنات التهريب عبر الحدود إلى سورية، فقد جنّد حزب الله وسائل إعلامه للهجوم على قائد الجيش. .. جريمة الأمونيوم المزدوجة التي ترتكب ضد الشعبين، اللبناني والسوري، وتستعمل لبنان قاعدة انطلاق، تختصر مدى عمق الأزمة وإشكالية العلاقة بين البلدين.

المصدر: العربي الجديد

اترك تعليقاً
1+

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى