
قد ينطوي السؤال برُمّته على قدرٍ غير قليل من الكرم أو حسن الظن؛ فالقول بـ”العجز” يفترض ابتداءً وجود نية صالحة للنجاح أفشلتها الظروف، أو تجربة مخلصة اصطدمت بقلة الحيلة. أما الواقع العراقي المرير الممتد منذ عام 2003، فيخبرنا بأمرٍ مختلف تماماً: فنحن لم نكن أساساً أمام نخبة “عجزت” عن إقامة دولة، بل أمام جماعاتٍ “نجحت” بامتياز في الإجهاز على مفهوم الدولة لحساب منظومة المقاطعات والمافيات.
يبرع العراقيون في عقد المقارنات، ولمَ لا؟ فعالم اليوم المفتوح يتيح لهم ذلك بوضوح… يسأل أحدهم وهو يقارن بين صورة “زعيم سياسي” وصل إلى العراق مع المحتلين، يوم كان يحمل ملفاً أصفر وهو يجوب شوارع بغداد يبحث عن وظيفة، وما هو عليه اليوم؛ سبحان مغيّر الأحوال. أين كان وأين أصبح؟ ليس هذا الشخص إلا فرد يعبّر عن المجموع؛ فكل من جاء إلى العراق “حافياً” بات اليوم ينتعل الذهب، وهذه ليست مبالغة، بل وصفٌ متواضع يقل حتى عن حدود الواقع.
في عام 2003، وبعد سنوات طويلة من الحروب والحصار والحكم الفردي الشمولي، كان العراق أحوج ما يكون إلى نخبة سياسية تتعالى عن الأحقاد، وتتجاوز عقد التاريخ، وتسعى إلى ترميم ما انهدم من أساسات الوطن والدولة، لتشكل حالة وعي وطني قادرة على إعادة رسم وجه البلاد. غير أن ما حدث كان العكس؛ إذ قفزت في غفلة من الزمن على صدارة المشهد مجاميع أقرب ما تكون إلى قطّاع الطرق، محمّلة بأحقاد التاريخ، وإنْ لم يكفها التاريخ القريب. اجتهدت حتى نَبَشت القديم منه، ونفخت فيه روح الكراهية، لتحول ما تبقى من وطن ودولة إلى مجرّد كعكة تتقاسمها بعناوين شتى.
تشعر، في أحيانٍ كثيرة، بأن العراق وصل إلى مرحلة من الشلل الفكري والسياسي، بعد أن أصبحت المنظومة تُدار على نحو أحادي
وتجلت النتيجة في انفصام كلي وهائل بين “الدولة كمفهوم” و”الدولة كواقع”؛ فعلى الورق، يمتلك العراق دستوراً أُقر عام 2005، ومؤسّساتٍ وبرلماناً وانتخابات دورية. وعلى أرض الواقع، لا شيء من هذه العناوين له أثر، بل هي مفرغة وخاوية من أي مضمون. وهذا الواقع الملموس يثبته شريط الأحداث اليومية؛ حيث تحوّلت الأحزاب المتنفذة إلى مافيات اقتصادية وعصابات مسلحة تحت عناوين “المقاومة”، تمسك السلاح بيد ومقاليد الحكم باليد الأخرى، في مفارقة قد لا تجد لها مثيلاً إلا في العراق المبتلى.
الأدهى والأمرّ أنهم يمارسون هذا كله في وضح النهار، وعلى مرأى ومسمع من الشعب الذي يبدو أنه هو الآخر تعب، وربما استكان أو تحوّل إلى شريكٍ يرضى بفتات ما يُقدَّم له على شكل “وظائف” في دوائر ومؤسّسات لا تنتج أكثر من البطالة المقنعة.
تشعر، في أحيانٍ كثيرة، بأن العراق وصل إلى مرحلة من الشلل الفكري والسياسي، بعد أن أصبحت المنظومة تُدار على نحو أحادي؛ إذ تحول “الإطار التنسيقي” (يضم القوى والأحزاب الشيعية) إلى ما يشبه “مجلس قيادة الثورة”، بعد أن أُفرغ “ائتلاف إدارة الدولة” (يضم القوى والمكونات الأخرى) من محتواه، تحوّل هذا الإطار إلى إطار الدولة نفسه؛ يتحكّم بجميع قراراتها المصيرية، يستوزر من يشاء، ويرفع من يريد، بغض النظر عن تحصيله العلمي أو كفاءته، إذ يكفي أن يكون قريباً لفلان أو “صهر” علان لتُفتح له أبواب الوزارة التي يشتهي. وفي الوقت نفسه، تمتلك بعض هذه الأحزاب مليشيات مسلحة تعمل ضد الدولة، وتنتمي عقائدياً إلى ما وراء الحدود، متعهدة، ليل نهار، بأنه في حال اندلاع أي مواجهة مع إيران لن تقف مكتوفة الأيدي. والمضحك المبكي هنا أن “الدولة” التي تشكلها هذه الأحزاب، تدّعي رغبتها في نزع سلاح المليشيات التابعة للأحزاب نفسها.
فعل النظام السياسي بالعراق ما عجزت عن فعله سنوات الحروب ومواجع الحصار
التهكّم المأساوي في هذه الملهاة يكمن في أن الطبقة السياسية، وبعد أن استنزفت مئات المليارات من دولارات النفط على مدى عقدين، لا تزال توهم الناس بأنها في رحلة “بناء وتقويم”، وتخرُج في كل موسم انتخابي لتعد بشوارع مبلّطة أو جسور جديدة كأنها إنجازات إعجازية، متجاهلة أن أصل المشكلة ليس في خدمة بيئية هنا أو نقص كهرباء هناك، بل في الغياب التام لـ”مشروع الدولة”.
لقد نجح هؤلاء في تحويل شعبٍ، يمتلك من التاريخ والنخب الفكرية والثقافية والخيرات المادية ما يكفي لبناء دولٍ بأسرها، إلى رهينة للفقر والتلوث، وشبح السلاح المنفلت، والخشية الدائمة من العودة إلى مربع التصعيد الأمني… كيف يمكن لنخبة أن تنتج وعياً وطنياً، وهي تعتاش أيديولوجياً وسياسياً على بقاء الشارع مقسّماً وخائفاً؟ وجود الوعي الوطني يعني، بالضرورة، انتهاء تاريخ صلاحية هذه “النخبة”. لذلك حرصت المافيات الحاكمة على تجهيل المجتمع، وتفريغ المؤسّسات التعليمية من محتواها، وتغذية الخلافات المناطقية والمذهبية كلما اقترب الشارع من الخروج عن نطاق السيطرة.
وما قمع تحرّكات الشباب المطالبين بالوطن والكرامة في مختلف المحافظات إلا دليل على مدى رعب هذه السلطة من أي صوت يطرح العراق أولوية فوق منطق المكونات والدكاكين السياسية.
العجز العراقي ليس مصادفة ولا قدراً تاريخيّاً لا مفر منه، بل هو “صناعة متعمّدة” أتقنتها طبقة سياسية جرّدت الدولة من أهليتها وسيادتها، واستبدلت القانون بعرف العصابة، والسيادة بملفات الإملاءات الخارجية… مريرة هي أحوال العراق، ومريرٌ هو الواقع؛ فقد فعل هذا النظام السياسي (بأحزابه وقواه المتنفذة) بالعراق ما عجزت عن فعله سنوات الحروب ومواجع الحصار. لقد عاثوا فساداً في كل أركان البلاد، وخرّبوا ما لم تتمكن من تخريبه كلُّ آلات الدمار. وصدق أحدُ رموز هذه “النخبة” حين قال، في مقابلة مع قناة محلية، في معرض وصفه الطبقة السياسية الحاكمة “نحن مقاولو تدمير لا مقاولو بناء”.
المصدر: العربي الجديد






