جذور نزعة “فوبيا الاسلام”

معقل زهور عدي

ليست نزعة فوبيا الاسلام ظاهرة مقطوعة الجذور , فهي ليست بقايا ذاكرة غربية متصلة بالحروب الصليبية , أو رد فعل تجاه التمدد العثماني في قلب أوربة واحتلال عاصمة الامبراطورية البيزنطية ” القسطنطينية ” أو إستانبول كما سميت فيما بعد .

كما أنها ليست رد فعل مبالغ فيه على ” الارهاب ” .

هي ليست كل ذلك , مع كونها تستمد من كل ذلك قوة لتبقى حية وفاعلة .

نزعة فوبيا الاسلام بالأساس هي نتاج حركة العولمة الاقتصادية في وعيها السياسي للهيمنة على العالم .

تستند العولمة في فعلها السياسي إلى الهيمنة الأحادية الأمريكية على العالم , وفي فعلها الاقتصادي إلى هيمنة الشركات المتعددة الجنسيات , أما في فعلها الثقافي فهي تستند إلى تنميط الثقافة ونمط الحياة بتعميم المفاهيم الغربية التي أعيد إنتاجها أمريكيا .

هكذا تهدف العولمة في النهاية لخلق المواطن العالمي , ودفع الثقافات القومية والأديان نحو الهامش , ليس لسبب عقائدي بل لأنها تشكل عقبة أمام الهيمنة الاقتصادية والسياسية .

ومن بين تلك الثقافات والأديان يبرز الاسلام كعقبة لاتقبل التدجين والتهميش , ليس فقط بوصفه تدينا ولكن نمط تفكير وحياة يستند لحضارة غنية ممتدة في المكان والزمان .

لذا كان ضروريا شيطنته , وأفضل وسيلة لذلك قرنه بالارهاب حتى يستقر في وعي المواطن العادي في أمريكا وأوربة أنهما شيء واحد .

وانطلاقا من الغرب يجري توسيع مجال ذلك الوعي ومده في العالم وبيعه حتى في أسواق الدول العربية والاسلامية حيث تتم عملية إعادة إنتاجه من قبل تجار بالجملة والمفرق .

فبدلا عن الانصراف لتجديد الفكر الاسلامي ومصالحته مع العصر عبر بعث المدارس العقلانية الكامنة فيه ومواجهة التطرف والجمود والتعصب , يتم تسويق ذات النظرة التي سبق تسويقها في الغرب .

وحين تصطدم حركة التسويق تلك بذلك التداخل البنيوي التاريخي بين الاسلام والهوية العربية يصبح الاثنان معا في مرمى التهديف .

لكن الفرد العربي لايستطيع حتى الآن التخلي عن هويته الحضارية الثقافية , وتلك هي المشكلة .

هي مشكلة العولمة مع الحضارة العربية – الاسلامية .

لذا ليس عبثا خاليا من المدلول توصل بعض المفكرين الغربيين لفكرة صراع الحضارات , التي مهد لها برنارد لويس والذي سبق هنتغتون في استخدام تعبير ” صراع الحضارات ” , لكن صموئيل هنتغنتون هو الذي حوّل الفكرة إلى نظرية متكاملة في العلاقات الدولية.

بالتأكيد هناك تصادم بين مصلحة العولمة التي وجدت قاطرتها في الهيمنة الاحادية الأمريكية على العالم وبين الثقافة العربية – الاسلامية .

لكن ذلك التصادم ليس ناتجا عن صراع حضارات , هو بالأحرى ناتج عن محاولة الهيمنة على العقل العربي ومحو الهوية العربية – الاسلامية فيه , ليتحول المواطن العربي إلى مواطن عالمي يشبه قطع الغيار في آلة العولمة .

مقاومة العقل العربي لذلك التحول هي التي تولد التصادم ولا شيء آخر .

فالانسان العربي قابل للتعايش مع الحضارة الغربية والتفاعل معها لكن ليس الذوبان الكامل فيها .

هنا يأتي دور فوبيا الاسلام التي يعاد إنتاجها محليا .

هي إذن محاولة لخلع العربي عن هويته , لكن المفارقة تكمن في أن تلك المحاولة فارغة المحتوى إلى حد كبير .

ومنطق الفرد العربي تجاه تلك المحاولة بسيط جدا : حسنا ولكن إلى أين ؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى