الصحافية ليست دائماً ضحية…

  رانية الدريدي  

طلب البيت الأبيض، أخيراً، من سفيرته في اليونان، كيمبرلي غيلفويل، أن تستقيل. لم يكن السبب خلافاً دبلوماسياً مع أثينا، ولا تصريحاً أزعج واشنطن، بل تسريبات متعلقة بانتهاكات أخلاقية شملت قضيّة رشوة. وفجّرت رسالة الفضيحةَ، إذ طلبت فيها غيلفويل من رجل أعمال ومتبرّع للحزب الجمهوري أن يسدّد عنها ديون بطاقة ائتمانية بلغت مئة ألف دولار، قبل يومَين فقط من جلسة تأكيدها في مجلس الشيوخ عام 2025. لم تكن الرسالة، التي نشرتها صحيفة وول ستريت جورنال، مجرّد طلب مالي عابر، بل كانت صفقة مكشوفة: المال مقابل الوصول. كتبت غيلفويل بوضوح إنّ المبلغ يجب أن يُدفع مباشرةً لشركة البطاقة، لا لحسابها الشخصي، ثم أرفقت تعليمات الدفع. وحين سُئلت لاحقاً، نفت كل شيء، وقالت إنّها ستدافع عن اسمها “بقوة”.

ما يهم هنا ليس ما إذا كانت غيلفويل مذنبة أم بريئة، الأهم ما كشفته القضية عن المنطق الذي تعمل به السلطة في عهد ترامب، فالسفيرة لم تخفِ طلبها، ولم تستخدم قناة سرّية معقدة، ولم تُشعر نفسها بأنها تفعل شيئاً خارج المألوف. تصرّفت كما لو أن المنصب الدبلوماسي سلعة، والوصول إلى الرئيس خدمة، والعلاقة بين الاثنين مسألة تسعير لا مسألة أخلاق. وحين انكشف الأمر، لم يكن الردّ اعتذاراً أو استقالة طوعية، بل بيان يصف الاتهامات بأنها “لا أساس لها”. ثم جاء الطلب الرئاسي بالاستقالة، لا لأنّ الفساد غير مقبول، بل لأنّ الفضيحة أصبحت عبئاً سياسيّاً على ترامب قبيل الانتخابات النصفية.

ليس ما حدث في قضية غيلفويل معزولاً، إنه يندرج ضمن تحوّل أوسع في بنية الخطاب السياسي، وهو تحوّل سبق أن حلّله عزمي بشارة في مقاله المنشور في العدد 82 من دورية “سياسات عربية”، تحت عنوان: “من لا-أخلاقيّة السياسة إلى السياسة غير الأخلاقية في ظل إدارة ترامب وأثرها”. يقدّم تمييزاً دقيقاً بين مستويَين: الأول “لا أخلاقية السياسة”، أي الاعتراف بأنّ للسياسة منطقاً خاصاً لا يخضع بالضرورة للأخلاق اليومية، وهذا واقع يمكن وصفه وتحليله دون إدانة مباشرة. الثاني هو “السياسة غير الأخلاقية”، أي تبرير الممارسة والخطاب غير الأخلاقيَّين وتطبيعهما حتى يصبحا مقبولَين. الخطر ليس في الانتهاك الأول، بل في الانتقال من وصف الواقع إلى إضفاء الشرعية عليه.

إذا كانت أميركا تنتقل من لا أخلاقية السياسة إلى سياسة غير أخلاقية، فمجتمعاتنا لم تغادر الأولى حتى استقرّت في الثانية

تقع قضية غيلفويل بالضبط في هذه المنطقة الرمادية، فالسفيرة لم تنكر فحسب، بل حاولت تطبيع ما فعلته. وحين لم ينجح التطبيع، لم يُحاسبها النظام لأنها أخلّت بالقانون، بل لأنها تحوّلت إلى مأزق سياسي. والفرق بين الاثنَين هو الفرق بين العدالة والانضباط: العدالة تقول: أخطأتِ فتُحاسَبين، أما الانضباط يقول: أحرجتِنا فتُبعَدين. وفي الحالتَين، لا يُستعاد المعيار الأخلاقي، بل يُطوى الملف ويُنسى.

من هي غيلفويل التي أوصلها ترامب إلى أثينا؟ … بحسب تقرير في “نيويورك تايمز”، لم تكن خياراً تقليدياً للدبلوماسية، عملت مذيعة في “فوكس نيوز” ومدّعية عامة، ثم ارتبطت بالابن الأكبر لترامب، وخطّبا عام 2022 قبل أن ينفصلا نهاية 2024. وعندما نُصّبت سفيرة، وصلت إلى أثينا على متن طائرة خاصة، وسهرت في نواديها حتّى الثالثة فجراً، وظهرت في مناسبات رسمية بملابس أثارت الجدل. كانت الصحف تلاحقها، لكن اليونانيين قالوا إنها “تعمل بقدر ما تلعب”. ثم بدأ السقوط، تقارير عن تضارب مصالح في صفقات طاقة، ثم التقرير الذي فجّر كل شيء: رسالة إلى متبرّع جمهوري تقول فيها “حبيبي أرجوك، أريدك أن تنجز هذا لي اليوم”، في إشارة إلى سداد مئة ألف دولار من ديون بطاقتها قبل جلسة تأكيدها في مجلس الشيوخ. … نفت كل التهم وقالت إنّها ستدافع عن اسمها، لكن البيت الأبيض طلب استقالتها، لا لأنّ الفساد غير مقبول، بل لأنها أصبحت عبئاً سياسياً، وحين سُئل ترامب عنها، اكتفى بالقول: “لم تكن فرداً من عائلتي، أعتقد أنها واعدت ابني منذ زمن بعيد”.

ماذا يحدث إذا نقلنا هذا التحليل من واشنطن إلى سياق عربي يعاني الاستبداد منذ عقود، ويعدّ فيه الفساد بيئةً خصبةً لا حالة عارضة؟… هنا تتجلّى الحالة الأكثر دلالة في لونا الشبل، المستشارة الإعلامية السورية التي كانت من أقرب الوجوه إلى نظام بشار الأسد، لُقّبت “السيدة الثانية في القصر”. عملت قبل الثورة مقدّمة نشرات وبرامج في قناة “الجزيرة”، ثم تركتها عام 2010، وبعد اندلاع الثورة عام 2011 اختارت صف النظام، فتولت المكتب الصحافي في القصر الجمهوري، وأشرفت على توجيه الإعلام السوري في حملة تشويه واسعة للثورة. لم تكن مجرّد إعلامية، بل كانت ذكية وطموحة، استخدمت جاذبيتها وحضورها كرأسمال سياسي، فشاركت في وفد النظام إلى “جنيف 2” عام 2014، فرضت عليها وزارة الخزانة الأميركية عام 2020 عقوباتٍ رسميةً ضمن قائمة داعمي النظام، متهمة إياها بالمشاركة في “معاملات فاسدة” و”عرقلة الحل السياسي”. لكن المقارنة مع غيلفويل ليست في درجة الفساد، بل في طبيعة النظام الذي استهلكهما، ففي سياق الشبل، لم يكن الفساد استثناءً يحتاج تغطية، بل كان القاعدة. كانت واجهة النظام، والصوت الذي يجمّل القتل، والوجه الذي يقدّم الاستبداد في صورة حديثة ومقبولة، وحين انتهى دورها، لم يُطلب منها أن تستقيل، بل قُتلت. أعلن النظام أن حادث سير أودى بحياتها، لكن جمجمتها كانت مهشّمة وحدها. تقول رواية أخرى إنها استُدعيت إلى القصر وضُرب رأسها حتى الموت. أياً كانت الرواية، الصفحة طُويت بسرعة، بلا تحقيق، وبلا محاسبة، لأنّ من يقتل هو من يكتب النهاية.

كانت لونا الشبل واجهة النظام، والصوت الذي يجمّل القتل، والوجه الذي يقدّم الاستبداد في صورة حديثة ومقبولة

ولكن ما الذي يجمعها بغيلفويل؟ ليست درجة الفساد، بل “الصورة”… كلتاهما استُخدمت صورتها جزءاً من رأسمالها السياسي. دخلت غيلفويل السياسة عبر الإعلام، ثم عبر علاقتها بابن ترامب، واستخدمت حضورها لبناء شبكة مصالح. والشبل دخلت عبر الإعلام أيضاً، ثم تحوّلت إلى وجه النظام، إذ كان جمالها وحضورها جزءاً من تغليف سلطة تقتل. لكن ما اشتراه النظام منهما مختلفٌ جذرياً. باعت غيلفويل نفسها لنظام يدفع، فكانت شريكة في فساد يُقاس بالمال. والشبل باعت نفسها لنظام يقتل، فكانت متواطئة في جريمة يُقاس ثمنها بالدم. الأولى أخذت من النظام، والثانية أعطت النظام. ومع ذلك، كلتاهما انتهتا مستهلَكتَين.

المفارقة الأعمق أن الرجلَين اللذين دارتا في فلكهما لم يُحاسَبا. اكتفى ترامب بالقول “نحن غير راضين”، ثم طُلب من سفيرته أن تستقيل. أما الأسد، وهو مجرم مطلوب دوليّاً، محمي من روسيا، لم يُحاسَب بعد على جرائمه التي ارتكبها بحق الشعب السوري. وهنا يبرز السؤال: إذا كان هذا التحوّل في بنية الخطاب السياسي يهدّد ديمقراطية عريقة كالولايات المتحدة، فما حال مجتمعات تعاني أصلاً ضعف آليات المساءلة وهشاشة المؤسّسات؟

وإذا كانت أميركا تنتقل من لا أخلاقية السياسة إلى سياسة غير أخلاقية، فمجتمعاتنا لم تغادر الأولى حتى استقرّت في الثانية، والامتحان الحقيقي ليس في مواجهة الفساد، بل في الحفاظ على القدرة على رؤيته فساداً

 

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى