لبنان والحوار المفقود

توفيق شومان

 

لا يخرج إلى الفضاء العام صوت إسرائيلي يدعو إلى وقف العمليات العسكرية في لبنان أو الانسحاب من أراضيه المحتلة. ومع حدّة الخطابات والمنازعات السياسية التي شهدتها الدعاية الانتخابية في دولة الاحتلال، لم يظهر في الجدال الداخلي ما يمكن اعتباره تبايناً في رؤى المتنافسين والمتصارعين الإسرائيليين حيال لبنان، وكأن هناك إجماعا على التعاطي مع “أمن الشمال” موزعا بين نظريّتين، تكمل الواحدة منهما الأخرى: الأولى فحواها حرب التجريف والتهجير التي يعتمدها بنيامين نتنياهو، والثانية محتواها “عقيدة الضاحية” التي شرّعها الجنرال غادي آيزنكوت عام 2006، ويطبقها نتنياهو منذ ثلاثة أعوام.

وعلى اختلاف المشارب اللبنانية، لم تلاحظ فوارق في قراءة العقول الأمنية والسياسية لكبار المتنافسين في السباق الانتخابي الإسرائيلي، فكان التقاطع في قراءة العقول الإسرائيلية مساحة سواء. أما قراءة مرحلة ما بعد الانتخابات، فلا وصال ولا لقاء.

في مقدمة السجال المحلي، تأخذ التصورات المرتبطة بدور الجيش اللبناني مأخذاً لا يبدو أنها قد تعرف فيه تراجعا أو تقلّصاً في المدى المتوسط على الأقل، فبعض الأطراف السياسية تُثقل دعواتها بمطالبة الجيش بـ “تشديد” إجراءاته، وسحب سلاح المقاومة اللبنانية بالقوة لو لزم الأمر، وتغالي، في مقلب آخر، ليصل مطلبها إلى حدود إصدار استنابات قضائية بحقّ مسؤولين في حزب الله!

هل يمكن أن تسرح المخيّلة قليلاً ليتصوّر صاحبها حصيلة ما يمكن أن يحدُث لو تحوّلت الأقوال إلى أفعال، وانبسط المشهد على مطاردات وملاحقات وتعقبات؟ … لا يجيب أصحاب هذا المطلب عن السؤال الآنف، ولكن الذاكرة اللبنانية تحمل في قاعها مطالب مماثلة في مفاصل حادّة خلال الأعوام 1952 و1958 و1975، وكلها فشلت نظراً إلى مخاطر زجّ الجيش في مواجهة مجتمعه. وباستدعاء تلك المحطات، تُقرأ في صحيفة النهار اللبنانية (19/4/2001) مقالة تستعيد موقف قائد الجيش اللواء فؤاد شهاب عام 1952، حين طلب منه رئيس الجمهورية، بشارة الخوري، أن يجابه الجيش التظاهرات الشعبية المطالبة بإسقاطه من الرئاسة الأولى، فرفض من دون تردّد، لأن “مهمّة الجيش الدفاع عن الوطن، لا خدمة السياسيين والرؤساء وأهوائهم”.

رفض قائد الجيش اللواء فؤاد شهاب عام 1952، طلب رئيس الجمهورية، بشارة الخوري، أن يجابه الجيش التظاهرات الشعبية المطالبة بإسقاطه من الرئاسة الأولى

وعلى الموقع الرسمي للجيش اللبناني نبذة مطوّلة عن اللواء فؤاد شهاب (1902ـ 1973) الذي رفض مرّة أخرى إنزال الجيش إلى الميادين لمواجهة مناوئي الرئيس كميل شمعون عام 1958 المعروفين بـ”المقاومة الشعبية”، والمدعومين من الرئيس المصري جمال عبد الناصر، والداعين إلى عدم تجديد الولاية الرئاسية لشمعون. وجاء في النبذة “لم يكن يرغب بالرئاسة، لكن تطور الأحداث الإقليمية والدولية دفعه إليها دفعاً، بعد أن وجد الرأي العام أنه الحلّ الوحيد للخلاص، إثر محنة الأشهر الستة سنة 1958، حيث حُفرت الخنادق في الشوارع وأقفلت الأسواق وقامت التظاهرات، وجرت عدّة محاولات لإغتيال كبار المسؤولين، وبرز العصيان المسلح. وقد رفض اللواء فؤاد شهاب إنزال الجيش إلى الشوارع لقمع الثورة، محيّداً بذلك إياه من التجاذبات السياسية بين الأفرقاء”.

في 1975، وعقب انفجار الأوضاع الأمنية في لبنان، تنادت قوى سياسية محلية، ودعت إلى إنزال الجيش اللبناني إلى المدن والقرى ومواجهة المقاومة الفلسطينية والقوى اليسارية اللبنانية المتحالفة معها، وانقسمت المواقف. ويروي رئيس الحكومة آنذاك الراحل رشيد كرامي تفاصيل ذلك في حوار في 22/11/1976 في صحيفة السفير البيروتية، أن تقارير عسكرية من داخل قيادة الجيش كانت تأتي إلى المسؤولين السياسيين وتنصحهم بعدم استخدام الجيش في قضايا داخلية، ولا بإنزاله إلى الشوارع. ويكشف كرامي في الحوار أنه وخلال إدارته وزارة الدفاع ومناقشته القيادة العسكرية بالمطلب المذكور “أعلنت القيادة أمامي وبصورة رسمية أنها على غير استعدادٍ لإنزال الجيش، وإذا طُلب منها ذلك فستمتنع، ولو اعتُبر ذلك تمرّداً، ونقلتُ هذا إلى مجلس الوزراء، وقلتُ لهم الحقيقة كما هي. وفي جلسةٍ لمجلس الوزراء، بُحث هذا الأمر، فالتفت رئيس الجمهورية سليمان فرنجية، وقال: بكل صراحة… أنا لم أطالب بإنزال الجيش”.

تأخذ التصورات المرتبطة بدور الجيش اللبناني مأخذاً لا يبدو أنها قد تعرف فيه تراجعاً أو تقلّصاً

ما يُراد قوله هنا أن مطالب إدخال الجيش في التشققات الداخلية ليست حديثة العهد، بل هي امتداد لخطٍّ سياسي محلي موروث. ولكنها تأخذ أبعاداً خطيرة في هذا الظرف اللبناني العصيب، لا تخرج من دائرة القراءة القائلة إنها تعمّق جروحاً وطنية قد يصعب تضميدها في مراحل لاحقة، فحين تعمد أطراف داخلية إلى رفع شعار “نزع السلاح أولاً”، وعن طريق القوة إذا اقتضى الأمر، فمن حقّ الطرف المعني أن يسأل: من يخدم هذا الشعار؟ ولمصلحة من؟

هذه الأسئلة بقدر ما هي تعبير عن ردودٍ بقالب غير مباشر، إلا أنها، من جهة ثانية، تحمل في طياتها طابعاً قلقاً من احتمال تكاتف ثلاثة ضغوط على لبنان في مرحلة ما بعد الانتخابات الإسرائيلية: تكثيف الضغط السياسي الأميركي، وتجاوب بعض الداخل اللبناني مع هذا الضغط، وضغط الإعتداءات الإسرائيلية. وبذلك يكتمل الثلاثي الضاغط، وهذا ما يؤدّي إلى استحضار السؤال التقليدي الذي اشتهر بطرحه وليد جنبلاط عام 2005: إلى أين؟

وإلى هذا السؤال، يُطرح آخر مواز: ما الحائل دون الدعوة إلى حوار وطني يتقدّم على مطالب نزاعية واستقطابية، فيحلّ أولاً وتنزل النزاعات إلى الأسفل، وتُفتح الطريق أمام وحدة داخلية ضائعة، فيكسب اللبنانيون وحدتهم، أو ليس السلام في الداخل مقدّماً على السلام مع “الخارج” … هذا إذا كان الخارج يريد “سلاما”.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى