
الحلقة الثانية
منذ العام 1909 سقطت الدولة العثمانية تماما بيد جماعة الاتحاد والترقي الشباب بقيادة الثلاثي ” أنور وطلعت وجمال ” الذين كانوا عازمين على تجديد بنية الدولة العثمانية ونقلها نحو بنية دولة حديثة على النمط الأوربي .
لكن ما عجزوا عن فهمه هو واقع الدولة العثمانية الامبراطوري الذي يحتوي شعوبا متعددة القوميات والأديان , وبالتالي فإن دولة ذات ايديولوجية قومية متشددة لايمكن لها احتواء ذلك التعدد وفق حكم مركزي يتجاهل حقوق القوميات الأخرى سوى بالقوة والعنف في حين لم تكن الدولة العثمانية في وضع اقتصادي داخلي أوعسكري أو سياسي خارجي قادر على فرض مثل تلك القوة العنيفة وكانت التدخلات الأوربية في الأوضاع الداخلية العثمانية قد أصبحت مسألة معتادة . لكن ما تنتجه مثل تلك السياسة قاصرة الرؤية هو التعصب القومي المقابل , وإعطاء السلاح الفكري لكل من يدعو للإنفصال عن الدولة بغض النظر عن التوجهات التي ينطلق من خلالها لذلك الهدف .
اشتعلت حروب البلقان الأولى والثانية في 1912-1913 وفيها تحالفت أربع دول هي اليونان وصربيا والجبل الأسود وبلغاريا ضد الدولة العثمانية وكانت تلك الحرب كارثة على الدولة العثمانية فقد استطاع ذلك التحالف بداية من طرد العثمانيين من كامل الأراضي الأوربية وهدد العاصمة استانبول , ثم تمكن أنور باشا من تجميع القوى العسكرية العثمانية ورد قوات التحالف واستعادة أدرنة وقسم من الأراضي الأوربية لكن الدولة العثمانية خسرت في النهاية معظم الأراضي الأوربية التي كانت تحت سيطرتها.
وليس هناك وصف للكارثة التي حلت بالدولة العثمانية في الهزيمة أمام دول البلقان أفضل مما كتب شكيب أرسلان : ” ولو قيل إنه لم يقع مع تركية حرب أشأم من هذه الحرب من أول الدهر إلى ذلك الوقت لم يكن في هذا القول مبالغة “
في ذلك الوقت عقدت الجمعيات القومية العربية مؤتمرا في باريس , وكان عبد الحميد الزهراوي هو ” دينامو ” المؤتمر والعقل الذي صاغ بكثير من الاعتدال لكن بطريقة حازمة أيضا مقرراته التي كانت مطالب إصلاحية موجهة للاتحاديين في استانبول مايعني الاعتراف بالدولة العثمانية وعدم الرغبة في الانفصال عنها .
في البدء تلقى الاتحاديون تلك المطالب بفتح حوار مع من يمثل المؤتمر , وظهر كأن اتفاقا بين الطرفين قد تم ضمن شروط لاترتفع لمستوى المطالب لكنها تعبر على الأقل عن الاستعداد لتغيير سياستهم تجاه العرب ..
وضمن ذلك الاتفاق سافر عبد الحميد الزهراوي لاستانبول واجتمع مع قادة الاتحاديين وإليكم ما كتب برسالته التي أرسلها لزميله في جمعية اللامركزية بمصر رشيد رضا :
” الاتحاديون هم أولياء الأمر مباشرة , وهم اليوم يتسلحون بعزائم شديدة ماضية , وناوون نية قاطعة أن يجددوا شباب الدولة بقدر ماتسمح الظروف , ويشتهون أن يخلص إليهم العرب , ويساعدهم فضلاؤهم في هذا السبيل , ويعترفون بخطيئاتهم الماضية , ويودون أن لايعودوا لمثلها قدر الامكان , أنا مؤمن بنياتهم وأقوالهم هذه كل الايمان لأدلة كثيرة ظهرت لي , ولكني مرتاب لجهة قابليتهم تطبيق العمل على النية , وعلى كل حال أرى أن عدم تركهم وحدهم خير من تركهم , ويرجى به أن تقوى قابليتهم …” ( مذكرات الدكتور أحمد قدري – ص24)
هل كان الاتحاديون صادقين مع الزهراوي ثم حدث أن تحولت سياستهم مع دخول الدولة العثمانية الحرب العالمية الأولى ؟
أم أنها كانت مجرد مخادعة لطمئنة العرب في حين أن سياستهم القومية والتي كانت تسير باتجاه تتريك كل القوميات وفرض حكم مركزي لم تكن قابلة للتعديل ؟
على اية حال فاستدعاء الزهراوي من استانبول لاحقا وإعدامه على يد جمال باشا لايترك هامشا واسعا للتخمين في أي الاحتمالين أقرب للحقيقة .
مع ذلك فلابد أن دخول الدولة العثمانية الحرب كان سببا إضافيا للنظر للقوميين العرب في بلاد الشام كأعداء محتملين وشن حملة واسعة ضدهم كان ذروتها إعدامات جمال باشا .
شكلت إعدامات جمال باشا نقطة انعطاف بالغة الأهمية , فهي التي حولت تيار القومية العربية من شأن داخلي للنخب الشامية إلى تيار عام يمكن أن يجده المرء عند عموم الشعب .
بعد جمال باشا لم يعد لامثال الأمير شكيب أرسلان الذي كان يقف ضد أي دعوة لانفصال العرب عن الدولة العثمانية – وسأفصل في ذلك فيما بعد – إلا القليل ممن يصغون إليه , وأصبح دعوات الاصلاح في طي الماضي , وانفتح واسعا التفكير في الانفصال عن الدولة العثمانية , لكن ذلك لم يكن بسبب سياسة الاتحاديين وإعدامات جمال باشا فقط , لكن بسبب أن الشريف حسين في الحجاز كان يستعد للتمرد على الدولة العثمانية في الحجاز ضمن تفاهم مع بريطانيا مقابل المساعدة في الحرب ضد الدولة العثمانية .
هكذا وقعت النخب الشامية بين عوامل الطرد الناشئة عن سياسة الاتحاديين القومية المتعصبة وعوامل الجذب نحو مشروع حلم الدولة العربية الكبرى والمخلص القادم من الحجاز .






