
ليست التحديات الاقتصادية والمعيشية للسوريين، ولسورية الجديدة، التي جاءت بعد سقوط نظام بشار الأسد، ولا إمكانية الاستقرار الصعب، وحالات التشظي والتذرّر، ولا إشكالات الحل المستعصية في السويداء وجبل العرب، أو صعوبة تطبيق اتفاق 29 يناير (2026) بين حكومة دمشق وتنظيم قوات سوريا الديمقراطية (قسد) المنحل، ولا تعثر أو بطء مسار العدالة الانتقالية في الواقع السوري المتحرّك فقط، ما يؤرق أوضاع السوريين، أو يحول دون المضي في عملية بناء الدولة السورية، ومن ثم تضميد الجراح، وإعادة قيامة سورية على أسس جديدة، والنهوض بالوطن السوري وصولاً إلى الاشتغال على كينونة وماهية تشييد دولة المواطنة المتساوية، التي حرم منها الشعب السوري أكثر من 54 عاماً، عاشها هذا الشعب في ظل حكم الاستبداد المشرقي الأسدي، بعد أن خطف حافظ الأسد الوطن السوري صبيحة يوم 16 نوفمبر/ تشرين الثاني 1070، ثم عمل على أن تسود الدولة الأمنية، التي تقوم بكمّ الأفواه، وإلغاء السياسية من المجتمع السوري.. وتفسح المجال للفساد والإفساد الذي راح ينخر في مؤسسات الدولة والمجتمع.
ما هو أكثر فظاعة، وما بات يؤرّق بحق نهارات السوريين ومساءاتهم، ما تفعله إسرائيل من عدوان مستمر على الجغرافية السورية، وتهديد متواصل ومتلاحق للواقع السوري الجديد، ولعب واشتغال في ورقة الدروز في الجنوب، ضمن حالة من الصمت الإقليمي والدولي غير مبرّرة، عن كل ما يجري من ممارسات ضمن سياسة الصلف والعربدة لرئيس حكومة إسرائيل (بنيامين نتنياهو)، والتي فاقت كل حد، وأوجدت من المنطقة حالة من الخراب غير المسبوق.
لا تحرّكات جدّية لوقف تهديدات إسرائيل وتعدّياتها، ولا اشتغال أو ضغط حقيقي لمنع نتنياهو من الاستمرار في سياساته التي باتت تؤرّق الجميع
واليوم يعيش الشعب السوري لحظات تاريخية غاية في الصعوبة، وهو يرى أن الإنجاز الكبير الذي حققه بعد نضال طويل، وثورة امتدت أكثر من 14 عاماً من الجهد وبذل الأرواح، على مذبح الحرية والكرامة، بات ذلك كله مهدّداً بحق، من خلال سياسة الصلف والعنجهية والتنمر والعدوان اليومي الممارس صهيونيّاً على المنطقة العربية برمتها، ومنها بالضرورة واقع السوريين الصعب، بل الأكثر صعوبة. فقد أهال نتنياهو، التراب على اتفاق فض الاشتباك، الموقع بين حافظ الأسد وإسرائيل عام 1974، برعاية أممية وإشراف دولي، ثم دخل بقوته واحتل المنطقة العازلة بكليتها، وتمدّد إلى ما هو أوسع منها، وصولاً الى بعض أرياف محافظة درعا، وبعض ريف دمشق وتخوم دمشق، ثم راح يعتقل المواطنين السوريين من دون سبب، ويقيم الحواجز ويخرّب الأراضي الزراعية، ويبني دشماً وطرقاً عسكرية، ويقطع الأوصال، ويهدّد (نتنياهو) ليل نهار القيادة السورية الجديدة، ويلعب في ذلك انتخابيّاً، كورقة انتخابية يعتقد، ومعه كتلته من الليكود والمتطرّفين اليمينيين، أنهم سيستفيدون منها في صندوق انتخاباتهم التي أصبحت على الأبواب، بدعوى أنهم يحمون دروز سورية، (ويحمِّلون جميلة) لدروز فلسطين في هذا.
يراقب دونالد ترامب وإدارته ذاك كله، من دون أي تدخّل جدّي وعملي، لمنع كل هذه التعدّيات، وهو الذي يصرح ليل نهار أن الاستقرار في سورية يهمه جدّاً ومعني به، وهو (كما يؤكد) مصلحة ليس للسوريين فحسب، بل للمنطقة برمتها. لكن الواقع يقول غير هذا، فلا تحرّكات جدّية لوقف تهديدات إسرائيل وتعدّياتها، ولا اشتغال أو ضغط حقيقي لمنع نتنياهو من الاستمرار في سياساته التي باتت تؤرّق الجميع، وتشيع حالة من اللا استقرار، وعدم الاطمئنان في سورية، ضمن حيز من الوقت تعلن فيه حكومة دمشق أن خيارها الذي لن تتوقف عنه هو السياسة الدبلوماسية وليس الحرب، وهو واقع ملموس ومحسوس.
باتت إسرائيل المقلقة بسياساتها لكل دول المنطقة الهاجس اليومي للسوريين والكابوس المستمر
وليس هناك من عاقل اليوم تهمّه مصلحة السوريين يمكن أن يدفع سورية إلى حرب مع إسرائيل، ودمار جديد بعد الدمار الواسع الذي أحدثه نظام بشار الأسد، وأدّى فيما أدى إليه إلى تدمير أكثر من 65% من مجمل البنية التحتية في سورية، عبر حروبه المستمرة لقمع ثورة الشعب السوري، في عقد ونصف العقد من الثورة الشعبية، ويحتاج هذا الخراب إلى أكثر من 600 مليار دولار لإعادة البناء والتعافي، حسب تقديرات أممية.
وتدرك إسرائيل هذا، وتعي واقع سورية، وهي التي دمّرت أكثر من 80% من العتاد العسكري الذي كان زمن بشار الأسد، وبالتالي عدم قدرة سورية على خوض حروب مع إسرائيل، أو سواها، فتستمرّ إسرائيل في عربدتها واستثمار نتائج حرب الإبادة التي ارتكبتها ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، وكذلك حربها مع لبنان، وأيضاً ضد إيران. وبالتالي، باتت إسرائيل المقلقة بسياساتها لكل دول المنطقة الهاجس اليومي للسوريين والكابوس المستمر، الذي يهدّد أية عملية بناء في بلدهم، يمكن أن تشتغل عليها، وهي تقترف مزيداً من الخراب والعبث في الواقع السوري القلق.
وإذا كانت إسرائيل وسياساتها العدوانية المستمرة أكثر ما يؤرق حيوات السوريين، فهل يمكن أن يكون هناك من حل قادم، بعد انتخابات إسرائيل والانتخابات النصفية للكونغرس في الولايات المتحدة؟ وهل تمتلك الدول العربية والإسلامية القدرة على ممارسة الضغط على حكومة إسرائيل لوقف عدوانها، والوصول إلى تفاهم أمني ما مع دمشق، قد يكون تحديثاً لاتفاق فض الاشتباك المنهار، أو اتفاقاً أمنيّاً جديداً، وليس سلاماً دائماً أو شاملاً، إذ لا إسرائيل ولا سورية يمكن أن تصلا في هذه اللحظة التاريخية إلى أي سلام، في هذه الظروف وبدون حل وعودة الجولان المحتل. لذلك قد يتّجه العمل حالياً إلى تفاهم أمني مؤقت ليس إلا.
المصدر: العربي الجديد






