
لم تعد المعضلة الأساسية التي تواجه سوريا بعد إسقاط النظام السابق مرتبطة بإنهاء مرحلة سياسية وفتح أخرى بقدر ارتباطها ببناء قواعد جديدة للدولة نفسها؛ فإعادة تشكيل المؤسسات، واستعادة ثقة المواطن بالقضاء والقانون، وكشف مصير المفقودين، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وحصر السلاح والقرار الأمني بالمؤسسات الرسمية، جميعها ملفات تتقاطع اليوم في اختبار واحد عنوانه قدرة البلاد على الانتقال من إرث الحرب والسلطة الفردية إلى نظام مؤسسات يعمل وفق قواعد معلنة ومستقرة.
ومن هذه الزاوية جاءت كلمة وزير العدل مظهر الويس أمام «القمة الدولية للعدالة» في إسطنبول، الخميس 8 تشرين الأول، لتضع العدالة في قلب مشروع إعادة بناء الدولة، لا باعتبارها ملفاً منفصلاً يتعلق بالماضي وحده، وإنما بوصفها عنصراً مؤثراً في السلم الأهلي ومستقبل المؤسسات والعلاقة بين المواطن والسلطة.
وقال الويس إن سوريا تعيش «تحولاً تاريخياً ومفصلياً» نحو دولة تقوم على المواطنة وسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان، موضحاً أن العمل جارٍ لإعادة بناء المؤسسة القضائية على أساس الكفاءة والنزاهة، وإطلاق مسار شامل للعدالة الانتقالية يتضمن محاكمات علنية وضمانات للمحاكمة العادلة.
وجاء الخطاب السوري أمام اجتماع دولي ضم مسؤولين وقضاة وخبراء قانونيين من أكثر من 70 دولة، واستضافته وزارة العدل التركية في إسطنبول يومي 8 و9 تشرين الأول تحت عنوان «مستقبل العدالة: مسؤولية مشتركة من أجل الإنسانية». وتناولت جلساته القانون الدولي الإنساني والمساءلة وحقوق الإنسان والهجرة والتحكيم والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، إضافة إلى المساءلة القانونية عن الانتهاكات في قطاع غزة.
وفي قلب الرسالة التي حملها الويس ظهر ملف العدالة الانتقالية بوصفه أحد أكثر الاستحقاقات السورية تعقيداً. وقال إن غايتها «ليست الانتقام»، وإنما معالجة آثار الماضي وإنصاف الضحايا وكشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين وفق القانون، رابطاً نجاح المسار بكشف مصير المفقودين وتبادل المعلومات وتسليم المطلوبين إلى القضاء.
العدالة كجزء من إعادة تأسيس الدولة
تكتسب هذه الرسالة أهميتها من أن سوريا تحاول معالجة إرث سنوات طويلة من الانتهاكات بالتزامن مع إعادة تأسيس مؤسسات الدولة نفسها. فالمسار لا يجري بعد اكتمال البناء السياسي والقضائي، وإنما في الوقت ذاته الذي يعاد فيه تنظيم السلطة التشريعية والقضاء والأمن والجيش والإدارة العامة.
وكان مؤتمر إعلان انتصار الثورة في 29 كانون الثاني 2025 قد مثل إحدى نقاط التحول الأساسية، مع إعلان أحمد الشرع رئيساً للبلاد خلال المرحلة الانتقالية، وإلغاء العمل بدستور 2012 ووقف القوانين الاستثنائية، وحل مجلس الشعب السابق وحزب البعث وجيش النظام وأجهزته الأمنية، إلى جانب حل الفصائل العسكرية والأجسام السياسية والمدنية الثورية ودمجها ضمن مؤسسات الدولة.
وعملياً، وضعت تلك القرارات سوريا أمام مهمة مزدوجة: تفكيك بنى حكم تشكلت خلال عقود، وبناء مؤسسات بديلة قادرة على العمل من دون إعادة إنتاج العلاقة القديمة بين السلطة والقانون.
ويبرز القضاء في مقدمة هذا التحدي، لأن الانتقال إلى دولة القانون لا يتحقق بمجرد تعديل التشريعات أو تبديل بنية المؤسسات، بل يرتبط باستقلال القضاء وقدرته على إخضاع الأفراد والسلطات للقواعد القانونية ذاتها، وضمان حق التقاضي والمحاكمة العادلة ومنع العقاب خارج الأطر القضائية.
ولهذا اكتسب تأسيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية والهيئة الوطنية للمفقودين في أيار 2025 أهمية مؤسساتية؛ فقد أنشئت الهيئة الوطنية للمفقودين بموجب المرسوم رقم 19 لتتولى البحث في مصير المفقودين والمختفين قسراً وتوثيق الحالات وبناء قاعدة بيانات وطنية وتقديم الدعم لعائلاتهم، فيما أحدث المرسوم رقم 20 الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية.
وتطورت أعمال الهيئتين خلال المرحلة التالية من مجرد التأسيس إلى بناء الهياكل والأطر القانونية. ففي حزيران الماضي أُقر الهيكل التنظيمي للهيئة الوطنية للمفقودين، وأطلقت الهيئة مشاورات لإعداد المبادئ التي سيقوم عليها مشروع قانون المفقودين والمختفين قسراً، مع إشراك العائلات والخبراء ومنظمات الضحايا والمجتمع المدني.
وفي المسار الموازي، تعمل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية على إعداد الإطار القانوني الناظم لعملها بالتنسيق مع مجلس الشعب ومؤسسات الدولة وذوي الضحايا والمجتمع المدني، بعد أن أمضت عامها الأول في بناء آليات التوثيق والاستماع إلى الضحايا وتطوير ملفاتها المتخصصة.
الثقة لا تبنى بالمؤسسات وحدها
غير أن وجود الهيئات والقوانين يشكل بداية للمسار وليس نهايته، فالثقة التي فقدها السوريون خلال عقود تحتاج إلى أن تظهر آثار القانون في الحياة اليومية، بدءاً من العلاقة مع الأجهزة العامة، مروراً بالقضاء والإدارة، وصولاً إلى طريقة التعامل مع الانتهاكات والحقوق.
وكان المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان قد شدد منذ كانون الأول 2024 على أن العدالة الانتقالية في سوريا تحتاج إلى توثيق الانتهاكات وكشف الحقيقة والمساءلة القضائية وإصلاح المؤسسات، معتبراً أن تجنب الانتقام والاعتراف بالضحايا من الأدوات الضرورية لاستعادة ثقة المجتمع بالدولة ومنع تكرار الانتهاكات.
وهذا يضع معياراً أكثر تعقيداً لنجاح المرحلة الانتقالية؛ فلا يكفي أن تنشئ الدولة مؤسسة جديدة، بل يتعين أن تكون صلاحياتها واضحة وأن تخضع هي نفسها للقانون، وأن يتمكن المواطن من التعامل معها على أساس الحقوق وليس على أساس النفوذ أو الولاء أو الاستثناء.
وفي هذا السياق، تصبح العدالة الانتقالية مرتبطة بإصلاح الدولة كلها. فالمحاسبة لا تستطيع العمل بصورة مستقرة في بيئة قضائية ضعيفة، وكشف مصير المفقودين يحتاج إلى أرشيف وطني ومؤسسات تحقيق وقدرات فنية وتعاون دولي، فيما يتطلب جبر الضرر موارد وسياسات اجتماعية واقتصادية تستمر لسنوات.
ويعبّر الباحث السياسي عبد الرحيم خليفة، في حديث لـ«الثورة السورية»، عن هذا الترابط بقوله إن سوريا تمتلك فرصة لبناء دولة مؤسسات وعدالة وقانون إذا تضافرت الجهود الحكومية والمجتمعية وحصلت البلاد على دعم دولي كافٍ.
ويرى خليفة أن أحد مفاتيح نجاح المرحلة يتمثل في استمرار الحوار بين المكونات الاجتماعية والهيئات والمؤسسات الحقوقية، بما يسمح ببناء مفهوم للمواطنة يتجاوز الانقسامات والهويات الضيقة، معتبراً أن ملفي العدالة الانتقالية والسلم الأهلي سيشكلان اختباراً أساسياً لقدرة البلاد على تجاوز آثار المرحلة الماضية.
من السلطة التشريعية إلى الرقابة الدستورية
وفي الجانب المؤسسي، شهد تموز الماضي خطوتين بارزتين؛ ففي السابع منه صدر المرسوم رقم 149 لعام 2026 بتعيين رئيس وأعضاء المحكمة الدستورية العليا وتحديد مجموعة من اختصاصاتها خلال المرحلة الحالية، ومنها الرقابة على دستورية القوانين والأنظمة وتفسير نصوص الإعلان الدستوري وفق الآليات المحددة.
وبعد خمسة أيام، عقد مجلس الشعب أولى جلساته في 12 تموز، وأدى أعضاؤه القسم الدستوري وبدأ ممارسة مهامه ضمن الصيغة التشريعية الانتقالية المنصوص عليها في النظام الانتخابي المؤقت.
ويعطي اكتمال هذه المؤسسات جانباً من الصورة المتعلقة ببناء الدولة، لأن وجود سلطة تشريعية ومحكمة دستورية ومؤسسات للعدالة والمفقودين يخلق هياكل يمكن أن تنتقل عبرها الخلافات من المجال السياسي أو الأمني إلى المجال القانوني والمؤسساتي.
وتبقى القيمة الحقيقية لهذه المؤسسات مرتبطة بأدائها وبمدى استقلالها وقدرتها على تنفيذ اختصاصاتها، وهو ما يجعل المرحلة المقبلة مرحلة اختبار للممارسة أكثر منها مرحلة استكمال للأسماء والهياكل.
الدولة والسلاح والاندماج
ويمتد مفهوم بناء الدولة إلى مسألة احتكار السلاح والقرار الأمني، وهي واحدة من القضايا المركزية في المجتمعات الخارجة من النزاعات. فوجود قوى عسكرية ذات مرجعيات مستقلة يضعف قدرة المؤسسات على تطبيق القانون بصورة موحدة، ويجعل انتقال الصراع من الجبهات إلى داخل الدولة خطراً قائماً.
وخلال الفترة الماضية تحركت دمشق في هذا الاتجاه عبر دمج الفصائل والتشكيلات المسلحة في مؤسسات الدولة، وصولاً إلى ملف شمال شرقي سوريا. وفي 25 آب الماضي أعلن مظلوم عبدي انتهاء مهمة «قوات سوريا الديمقراطية» وحلها كقوة عسكرية مستقلة بعد استكمال اندماج قواتها في تشكيلات الجيش السوري.
وترافق ذلك مع خطوات تتعلق بحقوق المواطنين السوريين الكرد، أبرزها المرسوم رقم 13 الصادر في 16 كانون الثاني 2026، الذي أكد أنهم جزء أصيل من الشعب السوري، وأقر حماية هويتهم الثقافية واللغوية ضمن الهوية الوطنية السورية، وتبعت ذلك إجراءات لتنفيذ مواد تتعلق بالجنسية والحقوق المدنية والتعليمية.
وتكشف هذه الملفات أن توحيد الدولة لا يختزل في دمج القوات؛ إذ يحتاج إلى موازنة بين وحدة السلطة والمؤسسات من جهة، وضمان الحقوق والتمثيل والمواطنة المتساوية من جهة أخرى.
وتقدم تجارب الدول الخارجة من الحروب دروساً في هذا المجال، منها تجربة البوسنة والهرسك بعد اتفاق دايتون عام 1995، حيث لم يكن انتهاء العمليات العسكرية كافياً لبناء الدولة، بل احتاجت البلاد إلى عمليات طويلة لإعادة تنظيم المؤسسات الأمنية والعسكرية والمدنية ضمن نظام سياسي جديد.
والدرس الذي يمكن استخلاصه بالنسبة إلى الحالة السورية لا يتعلق باستنساخ تجربة بعينها، وإنما بضرورة وجود مسار واضح ينتقل فيه حاملو السلاح إلى مؤسسات الدولة وفق القانون أو إلى الحياة المدنية، بحيث لا تستمر مراكز قوة مسلحة تعمل بموازاة السلطة الرسمية.
العودة مرتبطة بقدرة الدولة
وتظهر العلاقة بين السياسة والمؤسسات والاقتصاد بصورة أوضح في ملف عودة اللاجئين والنازحين. فقد قال وزير العدل في إسطنبول إن آلاف السوريين بدأوا بالعودة وإن ملايين آخرين يتطلعون إلى ذلك، رابطاً استدامة العودة بإعادة بناء ما دمرته الحرب وتأهيل البنية التحتية والخدمات.
فالعودة لا تتحول إلى استقرار بمجرد عبور الحدود؛ إذ يحتاج العائد إلى مسكن وخدمة وفرصة عمل ومدرسة ومحكمة ووثائق مدنية وبيئة أمنية مستقرة. وهذا يجعل إعادة الإعمار جزءاً من بناء الدولة وليس مشروعاً هندسياً منفصلاً عنه.
ويقول خليفة إن حجم التحديات السورية يتجاوز في جوانب عديدة الإمكانات المحلية المتاحة، ما يجعل التعاون الدولي ضرورياً في ملفات العودة وإعادة الإعمار والعدالة وبناء القدرات القانونية والمؤسساتية.
وفي هذا الإطار، بحث الويس على هامش قمة إسطنبول مع المدير التنفيذي للهيئة الدائمة المستقلة لحقوق الإنسان التابعة لمنظمة التعاون الإسلامي سبل تعزيز التعاون القانوني والحقوقي وتبادل الخبرات، في امتداد لاتصالات تهدف إلى تطوير القدرات القضائية السورية.
العدالة الداخلية والقانون الدولي
وتزامن خطاب إعادة بناء القانون في الداخل مع تأكيد سوري متكرر على احترام قواعد القانون الدولي في التعامل مع الخارج. ففي إسطنبول جدد الويس التزام دمشق باتفاق فصل القوات لعام 1974، وأدان العمليات الإسرائيلية في الأراضي السورية، معتبراً أن استمرار التوغلات والهجمات يضع قواعد القانون الدولي أمام اختبار يتعلق بمدى تطبيقها بصورة متساوية.
ودعا إلى منظومة عدالة دولية تطبق قواعدها على الجميع بعيداً عن ازدواجية المعايير، في وقت جعلت فيه القمة مسألة تطبيق القانون الدولي الإنساني والمساءلة إحدى قضاياها الرئيسية.
وبهذا تلتقي التحديات الخارجية والداخلية عند نقطة واحدة: حاجة سوريا إلى القانون بوصفه مرجعية لتنظيم السلطة في الداخل وحماية السيادة في الخارج.
فالانتقال الذي بدأ في كانون الأول 2024 لم يحسم بمجرد سقوط النظام، كما أن إنشاء المؤسسات الجديدة لا يعني اكتمال الدولة الجديدة تلقائياً. المرحلة الأصعب تبدأ عندما تتحول المبادئ المعلنة إلى قواعد ثابتة، ويصبح القضاء طريقاً للمحاسبة، وتعرف عائلات المفقودين مصير أبنائها، ويخضع السلاح لسلطة واحدة، ويشعر المواطن بأن القانون يحميه بالمعيار نفسه الذي يطبق على غيره.
ومن هنا يمكن قراءة كلمة وزير العدل في إسطنبول بوصفها توصيفاً لاستحقاق يتجاوز وزارة أو هيئة بعينها. فنجاح سوريا في السنوات المقبلة لن يقاس فقط بعدد المؤسسات التي أعيد بناؤها أو القوانين التي صدرت، وإنما بقدرتها على إنتاج علاقة مختلفة بين المواطن والدولة؛ علاقة تصبح فيها المؤسسة أقوى من الشخص، والحق أقوى من النفوذ، والمساءلة جزءاً من عمل الدولة لا إجراءً استثنائياً.
وهذا هو الاختبار الأكثر حساسية في مرحلة ما بعد الحرب: ألا تنتهي الدولة عند احتكار القوة، بل تبدأ منه، لتضيف إليه استقلال القضاء، وفاعلية المؤسسات، والمواطنة المتساوية، وحماية الحقوق، والقدرة على معالجة الماضي من دون تحويله إلى مصدر لصراع جديد. وعندها فقط يمكن للعدالة الانتقالية أن تنتقل من ملف لمعالجة إرث السنوات السابقة إلى أحد الأسس التي تقوم عليها سوريا في مرحلتها الجديدة.
المصدر: الثورة السورية






