قراءة في كتاب: ١١١ يوما في العتمة                        معاناة عشتها وحكايا شاهدتها وسمعتها

عبد المجيد عرفة

سميح العوام كاتب وناشر سوري متميز . كتاب ١١١ يوما في العتمة – معاناة عشتها وحكايا شاهدتها وسمعتها. الذي كتبه سميح العوام ونشره عن دار نشر العوّام في عام ٢٠٢٦م.  يوثق تجربة الاعتقال الشخصية لسميح العوام وذلك في مطلع عام ٢٠١٧م. ولمدة ١١١ يوما كما ذكر في عنوان الكتاب – الشهادة.

يعتمد الكاتب في سرده لغة المتكلم عن ما عاشه شخصيا ما قبل اعتقاله وما بعده .

يبدأ سرد سميح العوام عن نفسه وأنه ناشر وفنان تشكيلي وأنه شارك في معارض للكتاب تحصل في دول كثيرة. وأنه في الشهر الاول لعام ٢٠١٧م تم توقيفه على حاجز عسكري ، من الحواجز الكثيرة التي نشرها النظام السوري البائد في طول البلاد وعرضها بعد الثورة السورية ضد الاستبداد والطغيان والفساد التي بدأت في ربيع عام ٢٠١١م.

لم يذكر سميح العوام أي شيء عن هذه الثورة ولا تبعاتها على الشعب السوري من قتل واعتقال وتشريد وتدمير للبلدات وحصول مأساة حقيقية انعكست على الشعب السوري في عمومه، حيث اعتقل هو نفسه بعد مضي ستة سنوات على بداية الثورة. ويبدو من خلال السرد أنه كان كناشر يحصل على موافقات أمنية عند كل سفرة لمتابعة حضوره معرض الكتاب في الدول العربية تباعا.

وقبل الغوص في تجربة اعتقال سميح العوام اود ان اوضح ان سميح العوام من طائفة الموحدين الدروز وهو من احدى قرى السويداء. وأن مشاركة السويداء في الثورة السورية اقتصرت على الحراك السلمي المعارض، مظاهرات وغيره، للنظام وأن سياسة النظام كانت تعتمد على تحييد المكونات الدينية والطائفية عن الثورة ودفعهم لعدم المشاركة فيها ، مدعيا انه نظام يحمي الأقليات والدروز منهم. ولذلك كان يتعامل مع الموحدين  الدروز وفق هذه العقلية. وكانت الطائفة قد توافقت على أن يكون موقفها محايدا تجاه ما يحدث في سورية ، وأنهم لن يتدخّلوا في حرب “الاخوة” وقرروا عدم ارسال ابنائهم للخدمة العسكرية الاجبارية و اقتصار خدمتهم على بلداتهم وفي مهام غير قتالية. بالطبع لم يتقبل النظام بهذا وحاول أن يجرهم الى محاربة بقية الشعب السوري عبر تسليط داعش التي اخترعها النظام ليبرر قتلهم السوريين على انهم ارهاب وليحصل على الدعم الدولي ضد إرهاب داعش.

المهم ضمن هذه الأجواء بعد سنوات على الثورة السورية ورغم كون سميح العوام بعثي بالفطرة – الإجبار- ككل السوريين. وأنه كان مع الثورة السورية ومطالبها المحقة بالحرية والعدالة والكرامة والديمقراطية، ورغم مشاركته في المؤتمر الوطني السوري في فندق سميراميس في دمشق عام ٢٠١٢م. بقي يمارس أعماله ويتابع سفراته لمعرض الكتاب في الخارج في أوقاتها دوما.

نعود لسياق سرد سميح العوام لتجربته الشخصية في الاعتقال وأنه تم اكتشاف انه مطلوب لفرع أمني يرأسه أحدهم كان قد هدّد سميح العوام بالاعتقال ؟!.

تم تحويله إلى فرع المنطقة الأمني رقم ٢٢٧  هو وسيارته  وهناك تم توقيفه وادخاله الى أحد المهاجع حيث اكتشف العدد الكبير للمعتقلين داخل المهجع. كان المعتقلين يتراكمون فوق بعضهم البعض. ومن أول اعتقاله بدأ يسجل في وجدانه كل ما عاشه وما سمعه من المعتقلين معه. وتابع التعذيب والتجويع والتسلط والإذلال لكل المعتقلين. وعرف أن أغلب المعتقلين إن لم يكن كلهم لم يكونوا قد قاموا بأي عمل ضد الدولة وأمنها يستوجب اعتقالهم ، ناهيك عن ممارسة تعذيبهم وقهرهم وقتلهم في بعض الأحيان.

حالات إنسانية متنوعة مرت عليه، البعض معتقل كرهينة والبعض وصل الى مرحلة “الفصل” الأقرب للجنون. وكان يسمع الحكايا ويدونها في رأسه ليعيد سردها في كتابه هذا.

في المعتقل الهم اليومي هو ماذا تأكل؟. وان الجوع سيد الموقف وكيف تصل الى المرحاض الموجود في طرف المهجع ولتصل اليه تمر فوق المعتقلين وقد تدوس على بعضهم. أما مشكلة القمل فهي بحد ذاتها عذاب ما بعده عذاب. حيوان صغير شرس يدخل المعتقل معه في معركة خاسرة. يفلّيه ولا ينهيه، ويصاب بداء الحك وقد ينتج عنه تقرحات واعراض اخرى. كل ذلك هو هم شخصي لكل معتقل. والكل يعيشون رُهاب أن يستدعون للتحقيق ويتلقون التعذيب، حيث يعود البعض متورما و متألما ومدمى، وقد يموت بعضهم بعد التحقيق و التعذيب بوقت قصير.

الموت زائر يومي على المهجع وبقية مهاجع المعتقل يخبرون السجانين عن الميت ويوضع على باب المهجع ويأخذه السجانون، لا يعلمون إلى أين.

بدء التحقيق مع سميح العوام وكان واضحا معهم بأنه ناشر وفنان وانه لم يشارك بأي نشاط علني معادي للنظام. والملفت للنظر في الشهادة التي قدمها سميح العوام أن المحققين كانوا لطفاء ومتعاونين ؟ !. وأجزم أنني بعد قراءة مئات الشهادات عن الاعتقال في فترة الثورة السورية ان هذه اول مرة يحكى فيها عن محقق لطيف ومتفهم ؟!. الكل وحوش وهدفهم ليست المعلومات بل التعذيب والإذلال وقتل المعتقل في أغلب الأحيان. لكن يتضح سبب المعاملة هذه عندما يخبر المحقق سميح العوام بأن النظام العلوي هو الذي يحمي الأقليات ومنهم الدروز في سورية. يعني يجب ان يكون سميح العوام مع النظام وأجهزته الامنية وشبيحته ضد الشعب السوري وليس في معتقلاته. إذن ليست أخلاق حسنة للمحقق مع سميح العوام بل سياسة تكرس الموقف المعادي لاغلب الشعب السوري واعتبارهم كلهم ارهابيين يجب ابادتهم.

ينتهي التحقيق مع سميح العوام في فرع المنطقة ٢٢٧ ويحول الى فرع فلسطين حيث يعيش ذات أجواء فرع المنطقة وذات الاكتظاظ والذل والتجويع والتعذيب والقتل والقمل والأمراض والموت المجاني اليومي.

أصيب سميح العوام في فرع فلسطين بفيروس أصاب جهازه العصبي مما ادى الى اصابته بالشلل الكامل وهنا دخل سميح العوام في عذاب جسدي ونفسي وعجز عن خدمة نفسه بنفسه بأي من ضرورات الحياة. الأكل والشرب والتغوط والاستحمام ، عجز عن فعل أي شيء . وهنا ظهر في المعتقل البعد الإنساني لدى المعتقلين، حيث تطوّع منهم من خدمه وكأنه امّه او احد من اهله وعائلته. ذكرهم سميح العوام بالاسم.

كانت معركة سميح العوام مع حاجات جسده التي تحتاج من يعينه على تلبيتها. ومعركة مع نفسه التي لا بد من دعمها بزرع الأمل دوما: أن يخرج للحرية ويرى امه واهله وعائلته. ويعيش الحرية مجددا. كل ذلك يتراكم مع الجحيم حيث يعيش في المعتقل.

وعندما تبين للسجانين أن سميح مشلول فعلا وليس مدّعيا وكاذبا. وبعد ان اعادوا التحقيق معه شكليا. فقد قرروا احالته الى مشفى تشرين لمعالجته. وهناك كانت المعاملة أكثر سوءا، لقد أضافوا إلى تهمته على سريره انه ارهابي. وفي المشفى كان الدكاترة والممرضين كلهم سيئين في المعاملة معه.

لقد تحدث سميح العوام عن معركته مع رغيف الخبز الذي وضعه الممرض على صدره وكيف حارب حتى وصل الى فمه وكيف بدأ بقضمه وخاف أن يسقط عن سريره ويخسر فرصة أن يُسكت بعض جوعه. هذا إضافة لرفض الممرض اطعامه او حتى تسليمه طعامه من المرق وما يحويه. جحيم حقيقي عاشه سميح العوام عندما حرم من أن يكفي نفسه أوليات وجوده الغريزي من غذاء وماء ودخول الحمام وغير ذلك.

كان يحارب اليأس وينتصر لانسانيته بالامل وان يوما ما افضل قادم . وبالفعل تحقق ولو بعد حين.

كان أهل سميح وأصدقاؤه ومعارفه يعملون بكل جهودهم للإفراج عن سميح بعد كل ما حصل معه. ورغم وضعه وكونه لم يظهر في التحقيق معه ما يستوجب حتى اعتقاله. وباعت امه صيغتها الذهبية واعطيت للقاضي المذكور بالاسم حتى يحكم بالإفراج عنه وهكذا حصل. يعني أفرج عنه بالفساد الذي قامت الثورة للقضاء عليه.

خرج سميح إلى جرمانا حيث اقرباؤه وبقي بها فترة ثم نقل الى السويداء وبدأت معركة شفائه من الشلل الذي أصابه. كان يتناوب عليه أطباء وممرضين بالعلاج الفيزيائي. تعبوا معه وصبروا. تحسن أول بأول حتى استعاد مشيه واحساسه بأطرافه جميعا. تطلب ذلك أشهرا من سنة ٢٠١٧ م وسنة ٢٠١٨ م على العكاز ثم تجولوا مع آخرين بين القرى حتى عاد إلى وضعه الصحي السابق على الاعتقال.

علم بعد الخروج من المعتقل أن الأهل والأصدقاء والمعارف تكاتفوا جميعا مع عدالة قضيته. وعندما خرج لم يتركوه لفترة طويلة زيارات وتهاني وتبريك مع دعم نفسي واجتماعي.

قبل الختام أود ذكر أن سميح كان دائم الذكر لأخ له أصغر منه على أنه شهيد ولم نعلم متى وكيف وأين.؟!.

كما يذكر سميح أن حال الثورة السورية شكل نقطة اختلاف بين الكثير ممن حوله فقد تجد في البيت الواحد من مع الثورة ومن مع النظام ومن يقف على الحياد.

من دروس تجربة سميح بعد اعتقاله كلام ردده أمام أحدهم في المشفى ان المهم للانسان ينتصر لانسانيته اولا واخيرا وليس أن يكون ضحية انتمام ديني او اثني او مذهبي او قومي يجعله يُطحن في طاحونة هذه الولاءات التي قد تخرب البلاد ولا تفيد في بنائها.

ينتهي كتاب سميح العوام وشهادته في خروجه مع المعتقل وكيف دخل في رحلة علاجه حتى شفائه .

كنت انتظر كقارئ أن اقرأ انطباع سميح العوام عن انتصار ثورة السوريين وإسقاط الاستبداد بعد خروجه من المعتقل بسنوات وبعد سقوط النظام بحوالي السنتين.

عيش الحرية هو الحياة الحقّة التي انتصر لها سميح العوام وصبر حتى استعاد جسده بعدما امتلك نفسه وانتصر في معركة حريته الشخصية ليكون من الذين يعيشون الحرية مثل كل الشعب السوري الآن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى