
يبدو الإنسان في حاجة إلى ثورة جديدة إلى جوار وحول وضد فيضانات سطحية غالب ثورة وسائل التواصل الاجتماعي، ومع الذكاء الاصطناعي التوليدى الذاتي، هى ثورة الاسئلة حول مستقبله فى عالم الروبوتات، والذكاء الاصطناعى، وفيضان الصور، ثورة أسئلة تدور حول تاريخه، ووجوده ومعناه ومستقبله ، وميراث فلسفاته، وأديانه، وعقائده، ومساءلة اسئلته التى تأسست عليها اجاباته، والخروج من عوالم الاجابات التى توصل الى بعضها الفلاسفة، والسياسيين، وعلماء ااجتماع والسياسة، والأنثروبولوجيا، والمؤرخين، والقانونيين ، والمشرعين.
غالب تراثاتنا الإنسانية على تعددها، لابد من مساءلتها في ضوء اجتياح الذكاء التوليدى الذاتي، فائق التطور، وهيمنة قلة قليلة جدًا من الرأسماليين الرقميين النيوليبراليين على معامل تطوير الذكاء التوليدى، وأيضا مراكز البيانات والمعلومات الضخمة فى ظل تمدد الذكاء الاصطناعى إلى كافة المجالات وحقول التفكير، والابداع التى كانت جزءًا من الفكر والمخيال والابداع الإنسانى في السرد الروائى، والسينما، والفنون التشكيلية، والهندسة، والطب… إلخ! نحتاج الى مغادرة للعقل الإنساني بعض سياجاته الي عالم من الاسئلة المختلفة، والتحرر من الأساليب النمطية فى التفكير والخيال والاجابات! ربما لا نحتاج الى الاجابات السريعة، أو المستمدة والمستنسخة من الاجابات الفلسفية الحداثية وما بعد بعدها! لا سيما فى مرحلة تحول فائق السرعة تضع كل المسارات الانسانية السياسية فى ظل رهانات الرأسمالية النيوليبرالية، وأباطرة الشركات الرقمية الكونية عند القمة فى العالم الي مسارات تبدو من الصعوبة السيطرة السياسية والقانونية والاخلاقية عليها! مهما كانت المخاوف وإبداء الحاجة والقدرة علي إبطاء تطورها والسيطرة علي مخرجاتها.
ما مصير الدولة ما بعد القومية؟ فى ظل تداخل وتمدد الروبوتات والبنيات الاساسية الرقمية والذكاء التوليدى الذاتي على سلطاتها وأجهزتها البيروقراطية في سياقات حلول للأنظمة والبرامج التوليدية الذاتية محل عالم بيروقرراطية الدولة القومية، وميراثها وتقاليدها وأساليب تفكيرها، وعملها؛ أين ستذهب جيوش البيروقراطيات فى الدول الأكثر تطورًا في شمال العالم، هل ستجد الصين -واليابان، والهند، ودول آسيا الناهضة – ، حلولًا لبيروقراطياتها الضخمة مع تطورها في مجالات الروبوتات والذكاء الاصطناعي؟ أين ستذهب هذه الكتل الضخمة من البيروقراطيات؟ إلى البطالة أم إلى أنماط جديدة من العمل؟ مع العلم ان عشرات الملايين لايمكن إعادة تأهيلها لأسواق العمل لتغيره ومعه أنماط الطلب المختلفة علي الوظائفية ، أو إلى عالم من الفراغ والوحدة؟ مفهوم السيطرة السياسي المرتبط بالهندسة الدستورية والسياسية والأخلاقية ” للدولة هلى سيستمر مع الروبوتات أم سيتم تجاوزه، وتسيطر هى على التنظيم الانساني فى المجالات السياسية، والأمنية، والعسكرية والاستخباراتية بل وفي النظام الاجتماعي؟
مفهوم السلطة/ السلطات الثلاث، فى ظل الدور الذى ستلعبهكك الروبوتات، والرقمنة هل ستستمر أم أن المفهوم سيتغير ويحل بديلا عنه؟ فى ظل سلطة لم تعد انسانية خالصة فى تفكيرها كما كانت !، وفى اطر تنظيمها وهندساتها الرقمية، واداراتها، بل وحفظ تراثها رقميا؟
تفكير السياسي في السلطة التنفيذية، بعضهم بدأ فى اللجوء إلى الذكاء الاصطناعى فى فهم بعض المشكلات والأزمات وكيفية الوصول إلى مسارات لايجاد حلول لها؟ من ثم الفكر السياسي فى المستقبل المتوسط، والبعيد هل سيغدو فكر الذكاء التوليدى الذاتي فقط؟ وأين البُعد الإنساني في هذا الفكر المختلف، ومساحاته؟
صنع السياسات العامة، والقرارات والبرامج والقرارات ستغدو جزءًا من هندسات الذكاء الاصطناعى، فى ظل بنيات رقمية فائقة ومتسارعة التطور الذاتي ؟
فى مجال السلطة التشريعية، الذاكرات الرقمية للتشريعات وتواريخها وهندساتها القانوينة التظيمية للنظام الاجتماعى والاقتصادى ومن ثم ستغدو جزءًا من بنية رقمية متطورة، فى الفكر القانونى، وبل وفى صياغة النصوص القانونية، وتفسيرها؟ والأهم لن تعود الفلسفات القانونية الوضعية، وتاريخها ما قبل الحداثي -الرومانى والمسيحي-، والحداثى وما بعد بعده، هى التى سوف تتأسس عليها فلسفة الذكاء التوليدى الذاتي، بل تفسيره وتحليله للقوانين التى سوف تقترحها، لمشرعى السلطة التشريعية الذى سيلجأون إليه فرادي أو احزاب سياسية أن وجدت مستقبلًا؟
مفهوم الرقابة البرلمانية على اعمال السلطة التنفيذية، قد يحل محله رقابة انظمة الذكاء التوليدى، من خلال رصد السياسات والبرامج والقرارات الحكومية، والسلوكيات البيروقراطية وتجاوزاتها، وانتهاكاتها للقانون، وخاصة البيروقراطية الأمنية فى ظل أنظمة الرقابات المتعددة فى الطرق، والمنازل، والأجهزة الحكومية، وايضا من خلال رقابة الأفراد، والجماعات فى الواقع الفعلى، وعلى وسائل التواصل الاجتماعى؟ السلطة القضائية ايضا ستختلف أنظمتها، والدور الانساني خلالها، سواء جماعة القضاة، أو الموظفين في المجال الادارى للقضاء والمحاكم! هل سيستمر الدور الانساني فى العمليات القضائية وإجراءاتها أم سيتداخل الذكاء الاصطناعى، والرقمنة؟ المرجح أن البنية الرقمية القضائية تجددت نسبيًا في بعض الأنظمة القضائية المقارنة الأوروبية والأمريكية، من حيث الدعاوى القضائية فى جميع المجالات، واعدادها وتصنيفها، وسيستمدد ذلك الى تحليلها، وطبيعة مشكلاتها الواقعية، وطبيعتها القانونية، والمواد الناظمة لها فى التشريعات، بل وفى المساهمة فى إصدار الاحكام القضائية، وفى إعداد حيثياتها القانونية!، وقد يؤدى ذلك إلى التأثير على نظام المحلفين في الولايات المتحدة الأمريكية والدول التي تأخذ به، أيضا فى مجال المحاكمات الجنائية !، بدأت التغيرات فى نظام المحاكمة عن بُعد من خلال الشاشات الرقمية، وهو ما حدث أثناء جائحة كرونا وفيروسها المتحور فى ظل نظام الاغلاق الكلى والجزئي فى بعض الدول الأوروبية! لا شك أن هذا الاتجاه سيتعاظم مستقبلا.
يمكن تصور دور ما فى المستقبل المتوسط أو البعيد للروبوتات أو برامج للذكاء التوليدى فى اجراء التحقيقات المنوطة بالنيابة العامة أو التحقيقات القضائية، أو فى تحقيقات جهات الضبط؟
تطورات وأسئلة لا يزال بعضهم يتجاهلها تحت وقع الصدمات التكولوجية، والأزمات الاقتصادية، والاضطراب فى مراحل التحول من الامبراطورية الامريكية الى عالم متعدد الاقطاب فى طور التشكيل، وتمدد مفهوم العقل العقل العفن Brain Rot – وفق مصطلح قاموس أكسفورد ٢٠٢٤- ، كنتاج لعالم الإفراط في استهلاك المحتوي السطحي والتافه لمحتوي وسائل التواصل ، والتشتت، والسطحية الرقمية، والصور الومضاتية ، والقرارات، والنظرات الومضاتية على وسائل التواصل الاجتماعى. من ثم الجماهير الرقمية الغفيرة لا سيما فى جنوب العالم، وعالمنا العربي تعيش اسيرة الومضة، واللحظة العابرة وفى حالة من الهوس بأثبات وجودها الفعلى وهروبا منه من خلال وجودها الرقمي، أو من خلال المحادثات مع الـ AI، والأنظمة الأخرى فى تخيلاتها، أو تطوير وتجميل صور الذات لبثها على الحياة الرقمية، أو اثبات قدراتها العقلية، وآراءها المرسلة من خلال كتابات الشات جي بي تي أو غيره، أو لكتابة المقالات، والروايات، والقصصى، أو الأطروحات والبحوث الجامعية.
الحياة الومضاتية للعقل العفن ناقص الأنتباه والمشتت، والغائب عن التركيز، والعمق يبحث غالبهُ عن الاجابات، والاسئلة النمطية، والسطحية والسريعة سعيا وراء اطمئنان ما، لكنه بعيدا عن اسئلة المصير الانساني فى ظل التحولات فائقة السرعة، بل والتي ستغدو قريبا ومضاتية.
” العقل العفن ” المشتت يعتقد انه فى حياته الرقمية أكثر حرية – علي الرغم من خضوعة للرقابات من الشركات الكبرى، وأجهزة الأمن والاستخبارات، والرقابات الأفراد والمجموعات لهم – بينما تخضع منشوراته، وافكاره، وأراءه، وصوره، وفيديوهاته الي برامج الرقابات الشركات الكبرى، وانها توظف رغباته لإعادة تشكيلة فكرا وتشتتا وسلوكها، واستهلاكًا.
مفهوم الحرية والسلطة والقانون هل ستستمر هذه الثلاثية قائمة، فى ظل الذكاء التوليدى والروبوتات، حيث يخضع الفرد والجماعات، أسيرة دور هندسات الذكاء الاصطناعى؟ والأنظمة الرقابية والروبوتية، هل هى حرية البطالة والحياة فى ظلها؟ هل هى حرية الفراغ؟ الحرية هنا تجاه من ؟ الروبوتات؟ أم سلطتها؟ أم الشركات الكبرى الرقمية؟ ام تمرد إنساني ما فردي او جماعي ؟! سيحدث يوما ما ؟!
فى ظل “العقل العفن”، المشتت ما هى انتماءات الفرد؟ هل لذاته أم لأحد أنظمة الذكاء التوليدى الذاتي؟ هل للاسرة التى تفككت مع تطورات الرأسمالية النيوليبرالية، أم للوظيفة؟ أم للشركة؟ أم للقومية؟ مفهوم الانتماء ذاته سينتهى، وتحل محله روابط أخرى مثل العلاقة مع نظام للذكاء التوليدى.. إلخ! الهوية الفردية تجاه من ستتحدد ام انه مفهوم سيغادر الحياة الجديدة المغايرة ؟
هل ستصبح الكتابة المهجنة بالذكاء التوليدى فى عديد المجالات إبداعًا؟ فى ظل تمددها هل العقل الانساني عموما، والعقل العفن، سيظل هو مركز الابداع الانساني أم سيصبح عقلًا معتقلًا أو مصادرًا لصالح لعقل الاصطناعى التوليدى؟
ثمة حاجه للاسئلة لانها ستظل هى المحرك للعقل الانساني اليقظ، عقل قلة القلة المحدودة في عالمنا كله، التي ربما ستقاوم طغيان التطور الرقمي، والذكاء الاصطناعى!
التطورات الراهنة والمقبلة، تبدو بعيدة نسبيا عن العقل شبّه الجمعي للكتل الرقمية والفعلية الغفيرة فى العالم العربي، لأن بلدان العسر، واليسر، يواجهان مشكلات كبرى من جراء سلطانها الاستبداد السياسي، والفشل النخبوى والسلطوى الحاكم، وايضا فى هيمنة السكون في عالم الاستهلاك المفرط وادمانه فى دول اليسر، أو السعي وراء الخبز، والكفاف فى دول العسر، وفي ماوراء كلا الدائرتين اليسر، والعسر، عالم من اليقين الجمعى بالثقافات الشعبية والدينية، والاساطير والمفاهيم الماورائية الجبرية، والقضاء والقدر والاستكانة اليها، بينما العالم يدلف سريعا الى ما بعد الانسانية!
المصدر: الأهرام






