من وعد النصر إلى أتون الاستنزاف.. “إسرائيل” بعد 3 سنوات على 7 أكتوبر

محمود سمير الرنتيسي     

في السطور التالية أحاول من خلال الوقوف على عدد من الكتابات التي كتبها كتاب اسرائيليون أن أصل إلى مجموعة من الخلاصات التي تشكل إدراك نخب الاحتلال الإسرائيلي في هذه اللحظة أي بعد مرور 3 أعوام على الزلزال الكبير في 7 أكتوبر 2023.

إن أول ما يمكن أن نبدأ به هو ما تم تعميمه من وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بأن حركة حماس تخطط لخطف جنود من جبهة غزة أو من غلاف غزة وهذا الأمر يشير أن دولة الاحتلال الإسرائيلي بالرغم من سيطرتها الميدانية البرية على أكثر من 64% من قطاع غزة بفرقتين عسكريتين و30 موقع عسكري وسيطرتها الجوية الكاملة لا تستبعد بعد مرور 3 سنوات قدرة حركة حماس وجناحها العسكري على القيام بحدث يمكن أن يغير مسار المواجهة. وبالتالي فإن هذه الحقيقة تشير إلى أن دولة الاحتلال الإسرائيلي رغم كل ما فعلته من جرائم ومن مجازر ومن دمار لم تحول كل هذا الفعل العسكري التدميري والإبادي إلى حسم سياسي ولا إلى استقرار أمني من وجهة نظرها.

نتذكر هنا أن بنيامين نتنياهو رئيس وزراء دولة الاحتلال الإسرائيلي قال في إبريل 2024 أي في عهد إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن أن اسرائيل على بعد خطوة واحدة من النصر في غزة، وبالتالي يمكن هنا بعد 3 سنوات من الحرب وسنتين ونصف تقريبا من إطلاق بنيامين نتنياهو لهذا التصريح أن نقف على الفجوة الكبيرة بين مفهوم الفعل العسكري ومفهوم النصر الذي كان يروج له نتنياهو وأعضاء ائتلافه الحكومي.

من آثار هذه الكلفة السياسية والاجتماعية على سبيل المثال هو نشوء حزب جديد في دولة الاحتلال الإسرائيلي وهو “حزب حنود الاحتياط” أو حزب “الاحتياطيين والاقتصاديين” الذي شكله يواز هندل ويارون زليخا إلى جانب حزب آخر اسمه “عامخا يسرائيل” بقيادة العميد احتياط عوفر فينتر.

الاغتيالات المؤلمة

حتى تلك الاغتيالات المؤلمة التي تطول خيرة شباب الشعب الفلسطيني وقادته ومقاتليه والتي تعهد انتهاكا صارخا لوقف إطلاق النار حولتها دولة الاحتلال الإسرائيلي إلى استراتيجية استنزاف مفتوحة لا تشير إلى اقتراب اسرائيل من إنهاء الحرب أو الانتصار بل هي مؤشر ودليل على فشل كل الجهد العسكري في السنوات الماضية.

تعاني دولة الاحتلال الإسرائيلي وهي كيان صغير ديمغرافيا مع الاستمرار لفترة أطول مع الإقرار أن هناك كثيرين ممن توقعوا أن قدرة إسرائيل على الاستمرار في حروب لهذه المدة لن تكون كبيرة واليوم لا يزال ملف الخدمة الاحتياطية في الجيش موضع جدا فهناك جنود أمضوا أكثر من 500 يوما في الخدمة الاحتياطية وهذا عدا عن كلفته العسكرية له كلفته الاجتماعية والسياسية أيضا.

ومن آثار هذه الكلفة السياسية والاجتماعية على سبيل المثال هو نشوء حزب جديد في دولة الاحتلال الإسرائيلي وهو “حزب حنود الاحتياط” أو حزب “الاحتياطيين والاقتصاديين” الذي شكله يواز هندل ويارون زليخا إلى جانب حزب آخر اسمه “عامخا يسرائيل” بقيادة العميد احتياط عوفر فينتر.
وكما ذكرنا ربما لا نلوم من توقع أن اسرائيل لن تخوض حروبا طويلة فقد اعتمدت العقيدة الأمنية الإسرائيلية على الحروب الخاطفة لأن بنيتها الديمغرافية لا تتحمل أن تتجه اليد العاملة إلى العمل العسكري لفترات طويلة ولكن تخطي 500 يوما في الخدمة الاحتياطية يشير إلى تجاوز هذه العقيدة ولكن الجنود الاحتياطيين الذين يعودون من جبهات القتال في غزة ولبنان لم يعودوا مجرد ناخبين مدنيين بل كتلة ضغط سياسية منظمة وربما مسلحة داخل المجتمع ولذلك اتجهوا لتشكيل حزب يمثل مصالحهم وهو أمر يشير إلى انهيار في ثقتهم بالقيادة التي تحكم الكيان.

هناك مشكلة أخرى لا تكمن في زيادة مدة الخدمة الاحتياطية بل أيضا في وجود قطاعات أخرى من سكان دولة الاحتلال الإسرائيلي تم إعفاؤهم من الخدمة العسكرية لحسابات سياسية وهم المتدينون المتشددون “الحريديم” ولذلك فإن ضباط الاحتياط  المنهكين لم يغضبوا فقط من زيادة مدة الخدمة بل من إعفاء قطاعات أخرى لأسباب تتعلق باستمرارية الائتلاف السياسي الحاكم.

من زاوية الاقتصاد أيضا أدى استمرار الخدمة  العسكرية الاحتياطية مئات الأيام إلى تدمير المصالح التجارية لجنود الاحتياط مما تسبب في أزمات اجتماعية أضيفت لمجتمع يعيش صدمات الحروب منذ 7 أكتوبر على مدار 3 سنوات، وبالتالي تحالف جنود الاحتياط مع خبراء اقتصاديين يتابعون آثار هذه الأزمة على المستوى الاقتصادي ضمن برنامج يربط إصلاح المؤسسة العسكرية ويحمي الاقتصاد المنهك وتشكل حزب جديد سيظهر أثره في الانتخابات القادمة.

وتكمن أهمية هذا الحزب في تجاوزه للانقسامات السابقة فنحن نتحدث عن شرخ جديد لتيار معارض يقدم نفسه كتيار وسط صهيوني عملي ويريد انتزاع القرار السياسي من النخبة الدينية والسياسية القائمة.

بعد ثلاثة أعوام على 7 أكتوبر تكشف هذه القراءات الإسرائيلية عن فجوة مستمرة بين التفوق العسكري والقدرة على تحقيق حسم سياسي واستقرار أمني.

الدولة المنبوذة

أخيرا وليس آخرا يمكننا الوقوف على كثير من كتابات النخبة الإسرائيلية وخاصة المعارضة منها في هآرتس وغيرها حول تحول دولة الاحتلال الإسرائيلي إلى دولة منبوذة دولية ودخولها في حالة من العزلة الدولية غير المسبوقة مع سقوط الشرعية الأخلاقية بعد 3 سنوات من الملاحقات القضائية في المحاكم الدولية والاحتجاجات في العواصم العالمية وفي الجامعات ووجود عقوبات متنامية جعلت الاحتلال الإسرائيلي في مواجهة مجموعة من الدول كانت تصنف أنها من أقرب حلفائه مثل بريطانيا وغيرها وهذا يشير إلى أن اسرائيل بات ينظر إليها بشكل أكبر كعبء وهذه النظرة تتعمق إلى فكرة العبء الاستراتيجي والتحول من معسكر دعمها إلى معسكر الضغط عليها بالعقوبات الخفيفة والتي تتحول تدريجيا مع استمرار سياسات العربدة والعنجهية في غزة والضفة الغربية والقدس والمنطقة إلى عقوبات تتزايد وتيرتها وشدتها.

بعد ثلاثة أعوام على 7 أكتوبر تكشف هذه القراءات الإسرائيلية عن فجوة مستمرة بين التفوق العسكري والقدرة على تحقيق حسم سياسي واستقرار أمني. فاستمرار الخشية من مبادرات المقاومة، وتصاعد أعباء الاحتياط والانقسامات الداخلية، وتآكل المكانة الدولية، تشير إلى أن إطالة الحرب لا تعني الاقتراب من النصر. ولا تثبت هذه المؤشرات انهيارا وشيكا، لكنها تكشف حدود القوة حين تعجز عن تحويل السيطرة والتدمير إلى نتائج سياسية مستدامة. وبالتأكيد فإن عوامل التفسخ والتشقق تزداد في بنية العلاقات الداخلية والخارجية لدولة الاحتلال الإسرائيلي هذا مع تجنب فتح تحقيقات حول المسؤولية عن 7 أكتوبر حتى الآن.

 

المصدر: تلفزيون سوريا

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى