الذكاء الاصطناعي للقتل؟ نعم… للإبداع؟ لا

دلال البزري

                     

“نازا” شريط وثائقي أخرجه إسرائيليان، يوفال أبراهام وراحيل سزور. تكلما سرّاً مع 24 من العسكر والأمن الإسرائيلي بشأن الطريقة المعتمدة لديهم لقتل الغزّيين. وعنوان الشريط، “نازا” (خسائر جانبية) هي الكلمة المعتمدة لإعلان عدد الذين سيقتلون من نساء وأطفال ومدنيين في عملية قتل عضو مفترض من حركة حماس.

ومن الوقائع المذهلة التي ينقلها الشريط قصة مقتل 500 غزّي، “خسائر جانبية”، من أجل إلغاء أحد قادة “حماس”. كل هذا نعلمه في يوميات القتل، بمجرّد تلقي الأخبار المنتظمة عن غزّة. ولكن ما يكثفه الشريط من معرفة طاقات الذكاء الاصطناعي الموضوعة بتصرّف الجيش الإسرائيلي، توظيف تلك الطاقات من أجل هدفين: قتل العدد الأكبر من الغزّيين، بصرف النظر عن جنسهم وعمرهم وصفتهم، ثم زيادة وتيرة القتل، بحيث تختصر إلى الأعلى الممكن. أشكال تسخير الذكاء الاصطناعي تتجاوز خيالنا. مطعّمة ببرامج قتل “ذكية” إضافية، اسمها “لافندر” و”هبسورة”، واحدة متخصّصة بالقتل والأخرى بالتدمير. أي إنها هي التي تصيب المباني المنهارة فوق رؤوس أصحابها. ولا يمكن تصوّر قدرة تدميرية للحجر والبشر أكثر “تطوّراً” من تلك.

ردّ الجيش الإسرائيلي على الشريط بما يدينه أكثر من ذلك. قال إنه “ليس إلى هذه الدرجة الاعتماد على الذكاء الاصطناعي لقتل الغزّيين”. صحيح أن عنده “لافندر وهبسورة”، لكن ذكاءه البشري يختار بطريقة “مستقلة” المباني والأشخاص المرشّحين للموت والدمار. أي إنه يبرئ الذكاء الاصطناعي من هول هذا الجانب التفصيلي من الجرائم، ويحمّل نفسه تبعاته. الغرض؟ ربما الغرور، ربما تفادياً للدخول في النقاش الراهن بشأن مخاطر تفلّت الذكاء الاصطناعي من الرقابة البشرية. واحتمال تحوّله إلى خطر قد يودي إلى فنائها. مع هذا، علينا أن نتذكّر أن إسرائيل ليست وحدها في اعتماد الذكاء الاصطناعي للقتل، أي للحرب. الدول الأقوى، أميركا، الصين، روسيا، جيوشها كلها داخلة علناً في تطوير هذا الذكاء من أجل القتل والتدمير. بل تتفاخر به. انضمّت أوكرانيا أخيراً إلى النادي، بمسيّراتها المحلّقة فوق سماء روسيا. بالحرب التي فرضتها عليها روسيا. ولكن خبرة إسرائيل في هذا المجال الأولى عالمياً، تنافس الجبابرة العالميين. بل تتباهى إسرائيل بتلك الخبرات، والأكيد أنها تقدّم “خدمات” معرفة أو تدريب أو ورش عمل لدول أو كيانات تودّ أن تقتل بسرعة وسهولة.

إذن، الذكاء الاصطناعي للقتل نعم. أما الذكاء الاصطناعي للإبداع، فلا. إليك هذه الوقائع: برز إلى المشهد الإعلامي شاب فرنسي طموح، اسمه سموئيل فيتوسي، دأب على الكشف عن كتّاب سياسة وإيديولوجيا استعانوا بالذكاء الاصطناعي لإنجاز نصوصهم. يسمي مهمته بعبارات طنانة: “الكشف عن الذكاء الاصطناعي التوليدي في المجتمع المدني”. وقد ذاع صيته، وقدّم نفسه أنه من بيئة اليمين المتطرّف، ولا يهمّه أن استخدامات الذكاء الاصطناعي لهذا الغرض أو لا، أو بغرض القتل عموماً.

الذكاء الاصطناعي، إن كان يشكل خطراً على الإنسانية، فليس في المجال الذي يحرَّم فيه استخدامه، بل بالمجال الذي يسمح فيه

ذلك أنه يؤيد إسرائيل في حربها على أهل غزّة، يهاجم الذين يتهمون إسرائيل بارتكاب جرائم حرب، ويدافع عن “شرعية الهدف الأمني الإسرائيلي”… إلخ.

يعني إذا أردت بعض الوضوح، يمكنك مقارنة هذا الشاب الفرنسي اليميني الطموح بأحد مخرجي شريط “نازا”، الإسرائيلي يوفال أبراهام. الأول همّه “أصالة الكتابة” التي هي حالياً في خطر بسبب الذكاء الاصطناعي الذي مُكّن من أن يولِّد نصّاً أدبياً، فكرياً، علمياً. وذلك لأن مساره وضعه ضمن “المتفوقين الناجحين”، الذي جمع بين مجدين: العلمي والادبي، وهو يغار على هذه الصفة ويحميها برموش عينيه. فيما سؤال يوفال أبراهام: عن مسؤولية الإنسان، عن محاسبة من وضع الخوازرميات التي تساهم في صناعة المستهدفين من الحرب، أن تصنفهم وتسرّع من عملية قتلهم؟

المهم أن الشاب الفرنسي صعد إلى المسرح الإعلامي بسرعة الصاروخ في مجال يتطرّق فيه للمرّة الأولى من حياته المهنية. كان خبراً باهتاً، وجعله يحتل الصدارة. رواية لأحد مواطني هايتي، أي صاحب بشرة سوداء، اسمه تيليسون أورليان، عنوانها “هذا أو أموت”، تحكي قصة شاب يهرب من بلاده، يلفّ العالم، ويلاقي أعتى الاخطار، ليستقر في مونتريال. الرواية نالت جائزة فرنسية، ثم انتقلت إلى كندا لتنال جائزة أخرى، كانت موعودة بها. لكنها اصطدمت بما أذاعه الشاب الفرنسي؛ أنها من صنع الذكاء الاصطناعي، وأنه “فحصها عبر آلة “البانغرام”، شبيهة آلة البوليغراف التي يستخدمها البنتاغون، أي المشكوك في صحة كشوفاتها عن الكذب. كان دويّ الفضيحة عارماً. الجائزة الأولى الفرنسية سُحبت، والثانية الكندية جُمّدت، والروائي الهايتي ينكر الكلام ويغوص في اليأس بعدما رُفع إلى أعلى السماوات. وكانت هذه الحادثة فرصة لملاحظة ما كان خافتاً أو صامتاً. والفضل قد يعود إلى الشاب الفرنسي الطموح، الذي لا يخفي كراهيته المهاجرين الهاربين من بلدانهم اليائسة. إذ تبين أن الحملة على روائيين استخدموا الذكاء الاصطناعي تقتصر على ذوي البشرة السوداء. وتيليسون أورليان واحد منهم. وثلاثة باقون من السود مقيمون في أميركا: جيري أديديايو فالاد، وميا بالار المعروفة بروايات الرعب، وهالاه ميكائلة وولف. والثلاثة أُلغيت عقودهم مع دور نشر أميركية بعدما ذاع الشك بخصوص اعتمادهم على الذكاء الاصطناعي.

علينا أن نتذكر أن إسرائيل ليست وحدها في اعتماد الذكاء الاصطناعي للقتل والحرب

في هذه الأثناء، يكشف روائيون غير سود أنهم استخدموا الذكاء الاصطناعي لإنجاز أعمالهم، وأخذت رواياتهم المسار الطبيعي. منهم اليابانية ري كودان، صاحبة “برج التعاطف في طوكيو”. ورغم هذا الكشف، فازت بجائزة أكوتاغوا المرموقة.

ولا مجال هنا لنقل تجارب كل هؤلاء “الناجحين”، رغم اعترافاتهم باستخدام الذكاء الاصطناعي. أكتفي هنا بالروائي الفرنسي سباستيان بايلي، الذي يدعو إلى استخدام صريح له، بغية الخروج من حلقة مفرغة اسمها “البريء أو الغشاش”، أي الذي لم يستخدمه وينكر أنه استخدمه. روايته “مفاتيح الأشباح”، ستصدر بداية العام المقبل، ومهد لها بالاعتراف باللجوء إلى ذاك الذكاء.

ماذا يمكن الاستنتاج من هذا كله؟ الذكاء الاصطناعي، إن كان يشكل خطراً على الإنسانية، فليس في المجال الذي يحرَّم فيه استخدامه، بل بالمجال الذي يسمح فيه. القتل لا. الإبداع نعم. وإذا فُتح هذا الباب، فلن يكون هناك مجال لاستضعاف الأضعف، الجميع هنا متساوون. فلتظهر الكفاءة باستخدامه، أو بالسماح باستخدامه. وقد سألتُ الذكاء الاصطناعي الذي أستخدمه “تشات.جي.بي.تي” عن رأيه بهذه الفكرة. تفتح إجاباته باباً واسعاً للنقاش. أنقل هنا واحدة منها، إذ يقول: “كلّما ساعد الذكاء الاصطناعي الكاتب على التفكير والبحث والتجريب، قلَّت المشكلة في نظري؛ وكلّما كتب نيابةً عنه ما يعتقد القارئ أنه صوته الخاص، ازدادت مسألة التأليف خطورة (…). ولا أعتقد أن نسبةً مئوية، من قبيل “5% من الذكاء الاصطناعي مقبولة، و20% فضيحة”. يمكن أن تحسم المسألة، فقد تكون جملة واحدة مولَّدة بالذكاء الاصطناعي بلا أهمية، فيما قد تشكّل نسبة 5% من روايةٍ ما أكثر مقاطعها حسماً وأهمية. طبيعة تدخّل الذكاء الصناعي أهم من حجمه”. والنقاش مفتوحٌ على مصراعيه.

 

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى