
منذ سقوط النظام السابق، يبدو أن سوريا دخلت سباقاً غريباً: الجميع يريد إعادة تعريفها. هذا يريدها دينية أكثر، وذاك يريدها طائفية أكثر، وآخر يريدها عشائرية، فيما يعتقد بعضهم أن تغيير طريقة اللباس كفيل بإثبات أن البلاد ولدت من جديد.
لكن المجتمع لا يتغير بهذه السرعة، ولا تُصنع الهوية بقرار إداري أو بخطبة حماسية.
ما يحدث في سوريا اليوم أقرب إلى صراع على تعريف الهوية منه إلى تغيير حقيقي فيها. فعندما سقطت السلطة القديمة في 8 كانون الأول 2024، سقط معها جزء كبير من القيود التي كانت تضبط المجتمع، فظهرت إلى السطح هويات كانت موجودة أصلاً. بعضها ولد من سنوات الحرب والخوف، وبعضها من الفراغ الأمني، وبعضها كان يحمل مشروعاً جاهزاً وينتظر لحظة مناسبة ليعرضه على السوريين باعتباره الحل الأخير.
وهكذا وجد المواطن السوري نفسه أمام أكثر من مرجعية تحكم حياته اليومية. هناك قانون الدولة الذي يفترض أن يكون فوق الجميع، وهناك العرف الذي يحكم كثيراً من العلاقات، خصوصاً في بعض المناطق والبيئات العشائرية، وهناك المرجعية الدينية التي تدخل في تفاصيل تتعلق بالأسرة والمجتمع والسلوك. والمشكلة تبدأ عندما تتعارض هذه المرجعيات، فلا يعود المواطن يعرف أي قاعدة عليه أن يتبع.
فعندما تكون الدولة قوية، يكون الأمر أبسط: القانون واضح، والمؤسسات هي التي تفصل في الخلافات، والجميع يعرف إلى أين يذهب عندما يشعر بالظلم. لكن عندما تضعف الدولة، تظهر بدائل أخرى. قد يلجأ البعض إلى العشيرة لحل مشكلة، أو إلى رجل الدين للحصول على فتوى أو حكم، أو إلى صاحب النفوذ والسلاح لأنه يملك القدرة على فرض ما يريد. عندها لا يعود القانون وحده هو المرجع، بل يصبح واحداً من عدة مراجع تتقاسم حياة الناس.
وهنا تكمن الخطورة. فالمجتمع لا يحتاج فقط إلى قوانين جيدة، بل يحتاج إلى دولة قادرة على تطبيقها. لأن المشكلة ليست في وجود العرف أو الدين، فكلاهما جزء من المجتمع، وإنما في أن يتحولا إلى بديل عن الدولة والقانون. عندما يحدث ذلك، تصبح الحقوق مرتبطة بمن يملك القوة أو النفوذ، بدلاً من أن تكون مرتبطة بمواطنة واحدة وقانون واحد ينطبق على الجميع.
ومع ذلك، لا ينبغي أن نخطئ في قراءة المشهد. الهوية السورية ليست وليدة السنوات الأخيرة، ولا تحتاج إلى من يخترعها من جديد. هي تراكم طويل صنعته دمشق وحلب وحمص، والأسواق والجامعات والمهن والريف والهجرة. وهي هوية نجت من الانتداب والانقلابات والحروب، ومن نظام حاول عقوداً أن يضع السياسة فوق المجتمع.
ولهذا يبدو الصراع بين التيارات الدينية، من سلفية وأشعرية وغيرها، أعلى ضجيجاً مما هو عمقاً في المجتمع. السوريون قد يكونون متدينين، لكن التدين لا يعني بالضرورة أنهم يريدون تحويل الدولة إلى منبر كبير.
أما التشدد الذي ظهر في بعض البيئات، فلا ينبغي اعتباره شهادة ميلاد لسوريا الجديدة. الفقر والبطالة والجهل من أفضل حلفاء الخطاب المتشدد. عندما لا يجد الشاب عملاً، يصبح من السهل أن تقدم له إجابة جاهزة عن سبب بؤسه، وأن تقنعه بأن المشكلة في الآخر، في طائفته أو ملبسه أو أفكاره، بدلاً من أن تكون في الاقتصاد والسياسة وفشل المؤسسات.
وهنا نصل إلى السؤال الأهم: هل تستطيع الإدارة الجديدة بناء دولة، أم ستكتفي بإدارة مرحلة انتقالية؟
سقوط الأنظمة أسهل بكثير من بناء الدول. الثورة تحتاج إلى من يهدم الجدار، أما الدولة فتحتاج إلى من يعرف كيف يبني البيت. ولهذا تحتاج سوريا اليوم إلى المهندس والاقتصادي والقانوني والطبيب والمدير، بقدر حاجتها إلى السياسي. الدولة الحديثة لا تُدار بمنطق الغلبة، ولا بمنطق الولاء الشخصي، بل بالكفاءة والقانون.
والاختبار الحقيقي لن يكون في عدد الخطب، ولا في شكل الشوارع، ولا في مقدار حضور الدين في المجال العام. الاختبار سيكون في الاقتصاد. نحو 90 في المئة من السوريين عاشوا تحت خط الفقر.
وهنا ربما تكون المفارقة: السوري الذي أنهكته الحرب لا يريد هوية جديدة بقدر ما يريد حياة جديدة.
يريد دولة تحميه، وقانوناً لا يسأل عن طائفته، وفرصة عمل لا تحتاج إلى واسطة، ومستقبلاً لا يكون فيه شيخ أو زعيم عشيرة أو صاحب نفوذ هو الطريق المختصر إلى الحق.
لذلك، فإن المعركة الحقيقية ليست على هوية سوريا. الهوية السورية موجودة منذ زمن طويل. المعركة على شكل الدولة التي ستحمي هذه الهوية.






