الصحافة لن تنقذ عالماً يغرق

  فاطمة العيساوي

            

قرّرت إدارة الرئيس الأميركي ترامب منع صحافيي ثلاث وسائل إعلامية من دخول البيت الأبيض، بحجّة أنهم خطر على الأمن القومي، ومروجو أخبار زائفة. حاز الخبر العناوين العريضة للتغطية، وتمكن من لم شمل الصحافة الأميركية المنقسمة بين كارهة لترامب ومروّجة له، إذ رد الصحافيون بحجب الصوت والصورة عن نشاطاته، ما أجبر الأخير على إطلاق تلفزيونه الخاص لضمان أن يصل صوته إلى الجمهور. في الوقت نفسه، نجحت وسائل الاعلام الثلاث (“سي أن أن” و”بوليتيكو” و”أم أس ناو”) في العودة إلى البيت الأبيض، بعدما قرّر قاض فيدرالي أن الحظر غير دستوري، وأن على الإدارة السماح لهم بالعودة، على الأقل مؤقتا. المعركة لم تنته بعد، إلا أن الصحافة حققت نصراً متواضعاً.

للمرّة الأولى، شهدنا رئيساً للولايات المتحدة يهدّد بسحب تراخيص وسائل إعلامية إذا ما انتقدت سياساته

لم تتوقف الصحافة الأميركية عن مقارعة القيود الجديدة التي فرضتها إدارة ترامب منذ انتخاب الأخير لولاية رئاسية ثانية، إلا أن السمعة التاريخية لصحافة وقحة هي بمثابة السلطة الرابعة، قادرة على مقارعة السلطات والحدّ من جنوحها، سقطت وقد تكون هذه السقطة بلا إمكانية للنجاة. كانت وزارة الدفاع الأميركية استخدمت سابقاً سلاح منع الصحافيين من تغطية الحدث من داخلها من دون قيود. لم ترد الصحافة عبر موقف تضامني واسع، كما هو الحال مع حظر البيت الأبيض. اختارت مؤسّسات إعلامية كبرى آنذاك التخلي عن تصاريح اعتمادها، بدلاً من التوقيع على السياسات الجديدة التي فرضتها وزارة الحرب (البنتاغون)، والتي تقوم على حظر نشر معلومات غير مصرّح بها أو غير مسموح بنشرها للعامة، ولو كانت غير سرية. ردّت آنذاك صحيفة نيويورك تايمز برفع دعوى قضائية طعنت فيها بالسياسات الجديدة. أوقف القضاء العمل بأجزاء رئيسية من هذه السياسة، إلا أن “البنتاغون” فرض مرافقة خاصة للصحافيين للدخول إلى المكان المخصّص لهم داخل المبنى، فلجأت الصحيفة مجدّداً إلى القضاء، معتبرة أن فرض وجود مرافقين يمثل انتهاكا لاستقلالية العمل الصحافي. لا يزال شرط المرافقة قائماً إلى حين أن يبتّ القضاء بالشكوى، إلا أن خروج المراسلين بالعشرات وتسليم بطاقات اعتمادهم لم يمنع الإدارة من الالتفاف على قرار المراسلين الانسحاب، عبر منح تراخيص جديدة لمراسلي جهاتٍ إعلامية مؤيدة لها، منها مواقع إخبارية محافظة غير ذات باع في المجال.

كشفت الأزمة القديمة الجديدة أن الصحافة لم تكن يوماً قوية في وجه سلطة السياسة والمال. قبل هذه الازمة، نجح المتموّل جيف بيزوس صاحب “أمازون” في تقليم أظافر “واشنطن بوست” بعمليات تسريح واسعة هذا العام، شملت حوالي ثلث الموظفين (حوالي 300 صحافي) بما في ذلك إغلاق أقسام بكاملها وتقليص حجم الخدمة الخارجية التي طالما صقلت سمعة الصحيفة العريقة. نقل عن مراسلين في الصحيفة أنهم علموا بقرار تسريحهم، وهم في مهامّهم، بعضهم في مناطق نزاعات. قبل هذا، لم يمنع بيزوس نفسه من التدخل في السياسة التحريرية للصحيفة، في سابقة من نوعها، عبر فرض سياسة خاصة على مقالات الرأي تقوم على دعم “الحريات الشخصية والأسواق الحرة” ومنع نشر وجهات النظر المخالفة، ما أثار اعتراضاتٍ بما في ذلك استقالات في صفوف كبار الطاقم التحريري والصحافيين ووقف عدد هائل من الاشتراكات. الصحيفة التي لطالما شكّلت رمزاً للصحافة الجريئة منذ كشفها فضيحة “ووترغيت” في السبعينيات، حتى اقترن اسمها بالجرأة المطلقة، فشلت أخيراً في الصمود أمام طغيان مموّلها.

قد يكون الوقت حان لمراجعة الفرضية الليبرالية عن دور رئيسي للصحافة في دعم الديمقراطية

قد يكون الوقت حان لمراجعة الفرضية الليبرالية العريقة، عن دور رئيسي للصحافة في دعم الديموقراطية وحكم المؤسسات. لا يعني هذا أن الصحافيين، على اختلاف هوياتهم، قد تخلوا عن مقارعة السلطة باعتبارها معنىً رئيسيّاً لدورهم، بما في ذلك أولئك العاملون في ظل أنظمة قمعية. الأمر أن لا قدرة للصحافة على مقارعة السلطة من موقع الند، بل الإزعاج فحسب. وفي أفضل الأحوال، إحداث تغيير بنسب متفاوتة. بالإضافة إلى القيود السياسية والتشريعية، بات رأس المال عبر ملكية وسائل الإعلام وتناقص التمويل من الإعلانات، ومحدودية دعم القارئ، وفشل أنمطة التمويل البديلة، ومنافسة منصّات التواصل الاجتماعي، كلها باتت تحدّيات كبرى في وجه صحافة مستقلة. وقد دخلت الصحافة الأميركية قفص التدجين، من دون أن يعني هذا خضوعها للقيود نفسها التي تعاني منها الصحافة في عالمنا، أو خسارة قدرتها على المقارعة والإزعاج.

في وقت عاد صحافيو البيت الأبيض إلى مواقعهم، وكسروا حظر دخولهم الى معقل السياسة الأميركية، اعتقلت السلطات المصرية ستّة محرّرين في منصة “متصدقش” المصرية بتهمة نشر أخبار زائفة. بمعنى أن سلطة الرقابة المصرية نقلت غرفة التحرير من مقر المنصة إلى السجن. وبحسب تصنيف “مراسلون بلا حدود”، لا تزال منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحتل المرتبة الأولى في سوء أوضاع حرية الصحافة في العالم للعام 2026، إذ تعتبر 18 دولة في المنطقة في وضع إما “خطير للغاية” (11 دولة) أو “صعب” (7 دول).

للمرّة الأولى، شهدنا رئيساً للولايات المتحدة يهدّد بسحب تراخيص وسائل إعلامية إذا ما انتقدت سياساته، ويحاول منع دخولهم البيت الأبيض. لا يمكن أن يشكل تراجع الحريات في الولايات المتحدة مناسبة للاحتفال وتهنئة النفس بأن الغرب بات يشاركنا المصيبة نفسها. أو أن حرية الصحافة خرافة، كما يقول بعضهم في معرض التخفيف من وطأة الضغوط التي يعملون في ظلها. سيزيد التراجع العالمي من حدة القيود على الصحافة في المنطقة العربية، أو يجعلها تبدو كأنها طبيعية. إلا أن التراجع في دولة مثل الولايات المتحدة رمزي، قبل أي شي آخر، ويدعونا بالضرورة إلى مراجعة انتظاراتٍ غير واقعية من الصحافة أن عليها أن تنقذ عالماً على وشك الغرق.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى