كيف فرض المغرب تحوّلاً في نزاع الصحراء الغربية؟

  معتز الفجيري

اعتمد البرلمان الإسباني أخيراً مشروع تشريع جديداً يقضي بمنح الجنسية الإسبانية للصحراويين الذين ولدوا في إقليم الصحراء الغربية (كما تسميه رسمياً الأمم المتحدة) في ظل الإدارة الإسبانية للإقليم، والتي انتهت عام 1975، مع إتاحة هذا الحق بشروط معينة لأبنائهم من الدرجة الأولى. وفي نظر مراقبين كثيرين، هذا التشريع الذي دفع به اليسار التقدمي وأيدته أحزاب أخرى محاولة للتعامل مع تركة الاستعمار الإسباني، وأيضا إحراج الحكومة الإسبانية التي تخلت في السنوات الأخيرة عن موقفها التقليدي الداعم مسار تقرير المصير في الصحراء الغربية، واتجهت إلى دعم مقترح الحكم الذاتي المغربي أساساً للتسوية. مثل كثيرين من مواطني الدول العربية، خصوصاً في مصر والمشرق العربي، لم أكن أعلم الكثير عن تفاصيل النزاع السياسي الممتد في إقليم الصحراء الغربية وما يسبّبه من توتراتٍ مستمرّة في شمال أفريقيا، خصوصاً بين المغرب والجزائر. وقد أتاحت لي سنوات عملي السابق في منظمة فرونت لاين دفندرز الأيرلندية والمعنية بحماية المدافعين عن حقوق الإنسان الاقتراب أكثر من تاريخ هذا النزاع وواقعه. خلال هذه السنوات، عملت على ملفّات مدافعين كثيرين عن حقوق الإنسان الصحراويين، مثل أميناتو حيدر وسالم التامك وسلطانة خايا ونزهة الخالدي، وسجناء القضية المعروفة بأكديم إزيك، وغيرها من قضايا تتعلق بحرّية الرأي والتعبير، وحرّية التنظيم والتجمع السلمي. وفي إطار احتكاكي بالحركة الحقوقية المغربية، أعلم جيداً الحجم الكبير للحساسية التي تعتري هذا الملف وما يسببه من انقسامات سياسية أحياناً بين أهم منظمات حقوق الإنسان المغربية. وينبغي التعامل مع هذا الملف من المراقبين الخارجيين بوعي شديد لما له من مركزية لدى قطاعات من الرأي العام المغربي، وارتباطه بتاريخ استعماري أوروبي طويل خضع له كل من المغرب وإقليم الصحراء.

تبدأ خلفية هذا الصراع مع انسحاب إسبانيا من إقليم الصحراء الغربية، ومطالبة المغرب بضم الإقليم، في وقتٍ تشكلت حركة وطنية في الإقليم بقيادة “بوليساريو”، الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب، تسعى إلى إعلان الصحراء دولة مستقلة. وفي ظل التوتر السياسي بين نظامي الحكم في الجزائر والمغرب منذ استقلالهما عن الاستعمار الفرنسي، قدمت الجزائر دعما سياسيا لجبهة البوليساريو وفتحت أراضيها لاستقبال اللاجئين الصحراويين في ما يُعرف بمخيمات تندوف في الجزائر. هناك وجه قانوني وسياسي لهذا النزاع، فمن الناحية القانونية، وطبقاً لرأي استشاري لمحكمة العدل الدولية في 16 أكتوبر/ تشرين الأول 1975، لم تجد المحكمة روابط للسيادة الإقليمية بين الصحراء الغربية والمغرب، كما قالت إن الروابط التي وجدت بين سلطان المغرب وبعض القبائل في الإقليم لا تؤثر على تطبيق مبدأ تقرير المصير في عملية إنهاء الاستعمار. وما زال هذا المبدأ القانوني قائماً. ودعماً لهذا المسار القانوني، صدرت عن محكمة العدل الأوروبية أحكام متعلقة باتفاقات الاتحاد الأوروبي مع المغرب. وفي حكمها الأهم الصادر في 4 أكتوبر/ تشرين الأول 2024، أكدت المحكمة أن الصحراء الغربية إقليم منفصل ومتميز عن المغرب في إطار قانون الاتحاد الأوروبي، وأن تطبيق اتفاقات تعاون بين الاتحاد الأوروبي والمغرب، خصوصاً التي تتعلق باستغلال موارد الإقليم، يتطلب موافقة شعب الصحراء الغربية وفقا لشروط حدّدتها المحكمة.

 الجزائر وجبهة بوليساريو ما زالتا تتمسّكان بحق الإقليم في تقرير المصير، وترفضان أن يكون الحكم الذاتي المغربي النتيجة المحدّدة مسبقاً للمفاوضات

وقد اضطر المغرب عام 1984 للانسحاب من منظمة الوحدة الأفريقية، بسبب اعترافها بالجمهورية العربية الصحراوية. لكنه عاد الى الاتحاد الأفريقي عام 2017، في توجه يعكس رغبة المغرب في عدم ترك فراغ دبلوماسي في القارّة الأفريقية، والانتقال من مقاطعة المنظمة إلى التعامل مع الملف في إطار عضويته فيها، رغم استمرار عضوية الجمهورية العربية الصحراوية في الاتحاد. لكن هذا النزاع مرّ بتحولات سياسية نوعية خلال الأعوام الأخيرة. لعقود طويلة، كان هناك دعم من الدول الأوروبية والولايات المتحدة لمبدأ تقرير المصير في إقليم الصحراء. لكن الموقف المغربي بدأ منذ عام 2020 بالتغير، بداية من اعتراف الولايات المتحدة بالسيادة المغربية على إقليم الصحراء، ثم انتقال دول أوروبية، وخصوصاً إسبانيا، من دعم المسار التقليدي لتقرير المصير والاستفتاء إلى دعم مقترح الحكم الذاتي المغربي باعتباره أساسا للتسوية. ويمكن قراءة تغير الموقف الغربي نتيجة النشاط الدبلوماسي المغربي الدولي لشرح وجهة نظره تجاه النزاع، بالإضافة إلى خطوات التطبيع الدبلوماسي مع إسرائيل، والتي حققت تقارباً كبيراً في العلاقات المغربية الأميركية. وقد مثلت أيضا قضية التحكّم في تدفقات الهجرة غير النظامية من المغرب نحو أوروبا مصدراً آخر للضغط السياسي الذي مارسه المغرب على دول الجوار الأوروبية، خصوصاً إسبانيا، وعلى الاتحاد الأوروبي.

وفي ظل هذا الواقع السياسي الجديد، صدر قرار مجلس الأمن 2797 لعام 2025، والذي جعل مقترح الحكم الذاتي المغربي أساساً للمفاوضات الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي نهائي ومقبول من الطرفين، مع الإبقاء على الإشارة إلى تقرير المصير. لكن الجزائر وجبهة بوليساريو ما زالتا تتمسّكان بحق الإقليم في تقرير المصير، وترفضان أن يكون الحكم الذاتي المغربي النتيجة المحدّدة مسبقاً للمفاوضات. لكن الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، في تقرير له، مقرّر أن يناقشه مجلس الأمن الأسبوع الجاري، يطرح أن مقترح الحكم الذاتي ينبغي أن يكون جزءاً من مسار تفاوضي، وأن أي تسوية لا ينبغي أن تفرض على “شعب الصحراء الغربية”، وأن تكون هناك عملية تشاور هادفة تتيح للشعب المعني خياراً حرّاً وطوعياً بقبول التسوية أو رفضها.

إذن، هناك مفارقة بين المدخل القانوني لهذا النزاع والواقع السياسي الجديد، والذي يصبّ في مصلحة المغرب. لكن أي حل لهذا النزاع لن يكون مستديماً من دون إشراك الجزائر وجبهة بوليساريو مع المغرب والمجتمع الدولي في صياغة توافقية وعادلة، تنهي عقوداً من نزاع أفضى إلى انقساماتٍ حادة بين الدول العربية في شمال أفريقيا.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى