
لم يعد صعود اليمين الأوروبي ظاهرة هامشية يمكن اختزالها في نجاح حزب هنا أو اختراق انتخابي هناك. ففي ألمانيا، حقق حزب “البديل من أجل ألمانيا”(AfD) نتائج غير مسبوقة في انتخابات ولايتين ألمانيتين، بعدما حلّ أولاً في كلتيهما. وفي فرنسا، يواصل “التجمع الوطني” (RN) توسيع حضوره السياسي، فيما تواصل حكومة جورجيا ميلوني في إيطاليا ترسيخ موقع اليمين في السلطة. وعلى المستوى الأوروبي الأوسع، باتت أحزاب اليمين الراديكالي ممثلة في حكومات ست دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي، هي إيطاليا وفنلندا والتشيك وسلوفاكيا وكرواتيا وسلوفينيا، فيما تتصدر استطلاعات الرأي في دول أخرى، بينها ألمانيا وفرنسا والنمسا ورومانيا.
لكن السؤال الذي يهم موسكو ليس بالضرورة: هل أصبح اليمين الأوروبي موالياً لروسيا أم لا، كما كان يُعتقد سابقاً. وإذا صدقنا كلام بوتين الأخير، فإن مقاربة روسيا للعلاقة مع أوروبا قد تخطت العلاقات مع اليمين الأوروبي، وأصبحت أكثر جذرية وعدوانية. ففي الجلسة الختامية لمنتدى “نادي فالداي” في مطلع الشهر الحالي، تحدث بوتين عن أوروبا وعن منطقة كالينينغراد. وكان قد انتشر نبأ التهديد باستخدام السلاح النووي الذي أبلغته السفارة الروسية إلى قيادة حلف الناتو في بروكسل (“المدن” في 3 الجاري). وحسب ما نقلته عنه صحيفة الأعمال الروسية الكبرى “فيدوموستي” (Vedomosti)، رأى بوتين أن لا حاجة إلى تفكيك أوروبا، فهي ستتفكك من تلقاء نفسها بسبب “المشكلات الاقتصادية”. وقال: “سيبقى الاتحاد الأوروبي، وستبقى إيطاليا عضواً فيه أم لا، فهذا ليس من شأننا”. وأكد أن روسيا لا تتدخل “حتى في هذا الأمر”، ولا تريد الخوض في هذا النقاش، “لأننا نعلم أنهم سيقولون في اللحظة نفسها إننا نريد تفكيك الاتحاد الأوروبي. مع أننا لا نريد تفكيك أي شيء. نريد فقط البناء والتعاون”.
بوتين، الذي يعاقب من يسمي حربه على أوكرانيا حرباً، “يبني” روسيا وأوكرانيا بـِ “العملية العسكرية الخاصة”، يريد البناء والتعاون مع أوروبا التي هددها منذ أيام بالسلاح النووي.
مركز كارنيغي موسكو، الذي يصدر حالياً في برلين بعد أن أدرجته روسيا في قائمة “المنظمات غير المرغوب فيها”، نشر في 25 الشهر المنصرم نصاً بحث فيه عما تجنيه روسيا من نهوض اليمين الأوروبي المتطرف.
رأى كاتب النص، الباحث الأول في مركز كارنيغي أوروبا في بروكسل، ديميتار بيتشيف، البلغاري، أن أحزاب اليمين الأوروبي المتطرف قد لا تتمكن من توجيه سياسة الاتحاد الأوروبي في الاتجاه الذي تريده روسيا. لكنها قادرة، مع صعودها، على إثارة قدر كافٍ من الصراعات داخل أوروبا، بما يؤدي إلى تحييد أي طموحات جيوسياسية أوروبية بصورة فعّالة. ومن وجهة نظر الكرملين، تعتبر هذه نتيجة ليست سيئة أبداً، إذ قد تحقق موسكو مكاسب حتى من أحزاب ليست “موالية لروسيا” بالمعنى المباشر.
ومن الواضح أن أهمية هذه الفكرة تكمن في أن السياسة الروسية تجاه أوروبا لا تتعلق فقط بمن يتولى الحكم في كل عاصمة، وإنما أيضاً بمدى قدرة الأوروبيين على التحرك ككتلة واحدة. فإذا أدى صعود اليمين إلى زيادة الخلافات حول حجم المساعدات لأوكرانيا، والعقوبات على روسيا، والطاقة، والإنفاق الدفاعي، فإن النتيجة قد تكون تراجعاً في قدرة الاتحاد الأوروبي على صياغة سياسة موحدة، حتى من دون وصول أحزاب موالية لموسكو إلى السلطة.
ويشير بيشيف إلى جانب آخر من المسألة: قدرة اليمين على تغيير جدول الأعمال السياسي. فحين تتحول الهجرة والأمن الداخلي والقضايا الثقافية إلى موضوعات أكثر حضوراً في النقاش العام، يمكن أن تتراجع أهمية السياسة الخارجية والتهديد الروسي في سلم أولويات الناخبين. وبحسب تحليله، تستطيع أحزاب اليمين الراديكالي التأثير في تحديد القضايا التي تحظى باهتمام المجتمع، بما يتيح لروسيا مجالاً أوسع للتحرك في بيئة أوروبية أقل تركيزاً على السياسة الخارجية والردع.
كما أن الأحزاب اليمينية، عندما تصل إلى الحكم، قد تضطر إلى تعديل مواقفها. وكانت جورجيا ميلوني مثالاً واضحاً على ذلك، إذ أصبحت حكومتها الإيطالية من الداعمين لأوكرانيا ووحدة الموقف الغربي، رغم خلفيتها اليمينية. ويشير الباحث إلى أن “التجمع الوطني” الفرنسي نفسه عدّل مواقفه في عدد من القضايا، بما فيها العلاقة مع الاتحاد الأوروبي وروسيا، بينما بقي “البديل من أجل ألمانيا” حتى الآن أكثر تمسكاً بمواقفه بشأن روسيا.
وهذا يفسر لماذا لا يمكن اعتبار كل تقدم لليمين الأوروبي مكسباً روسياً مباشراً. فإيطاليا بقيادة ميلوني تختلف في سياستها تجاه روسيا وأوكرانيا عن “البديل من أجل ألمانيا”، كما أن الأحزاب اليمينية نفسها تختلف في موقفها من الاتحاد الأوروبي وحلف الأطلسي والاقتصاد والطاقة. حتى داخل اليمين الفرنسي والألماني توجد حسابات وطنية مختلفة لا تسمح بتشكيل جبهة أوروبية موحدة حول موسكو.
لكن اتساع حضور اليمين يغيّر، في المقابل، البيئة السياسية التي تتحرك فيها أوروبا. فقد أصبح “البديل من أجل ألمانيا” قوة انتخابية رئيسية في ولايتين ألمانيتين، فيما يواصل “التجمع الوطني” توسيع حضوره السياسي في فرنسا، وأصبحت أحزاب اليمين الراديكالي جزءاً من حكومات أو ائتلافات حاكمة في خمس دول أوروبية. وهذه التحولات تجعل من الصعب تجاهل تأثير اليمين في النقاش الأوروبي حول الهجرة والأمن والاقتصاد والسياسة الخارجية.
صحيفة “إل باييس” الإسبانية (El País) نشرت في 26 الشهر المنصرم نصاً بعنوان “الجميع ضد الهجرة، لكنهم منقسمون تجاه بوتين: ما الذي يوحّد اليمين المتطرف الأوروبي وما الذي يفرّقه؟”. وأرفقته بعنوان فرعي تقول فيه: “يُظهر تحليل أكاديمي لـ23 حزباً من أحزاب اليمين المتطرف اختلافاتها إزاء روسيا وحقوق المرأة وتغير المناخ، فضلاً عن برامج مصممة وفق الطلب بهدف “إرضاء” الرأي العام”.
الدراسة الأكاديمية التي تستند إليها الصحيفة أجرتها قاعدة المسح الأكاديميChapel Hill Expert Survey (CHES)، المتخصصة في مقارنة الأحزاب السياسية الأوروبية. وتخلص الدراسة إلى أن الأحزاب الـ23 التي صنفتها من بين مئات الأحزاب الأوروبية كأحزاب يمينية متطرفة، تتفق إلى درجة كبيرة في قضايا مناهضة الهجرة، والتشدد في مكافحة الجريمة، ورفض سياسات مكافحة تغير المناخ، وتختلف في ملفات أساسية أخرى، وعلى رأسها العلاقة مع روسيا وأوروبا والاقتصاد وحقوق الأقليات.
وتعتبر الصحيفة أن الموقف من روسيا هو أبرز خطوط الانقسام داخل اليمين الراديكالي الأوروبي. فحزب Fidesz بزعامة فيكتور أوربان قريب من موسكو، وسبق أن عرقل حزم عقوبات أوروبية على روسيا، في حين يؤيد حزب الفنلنديين اليمينيين المتطرف (PS) عضوية بلاده في الناتو ويدعم أوكرانيا. كما يدعم حزب “إخوة إيطاليا” بزعامة جورجيا ميلوني كييف، بينما يتخذ حزب “البديل من أجل ألمانيا” موقفاً أقرب بوضوح إلى روسيا.
وتنقل الصحيفة عن الباحث الفرنسي في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي (CNRS)، جيل إيفالدي (Gilles Ivaldi)، المتخصص في شؤون اليمين الراديكالي والشعبوية في أوروبا الغربية، أنه يعتبر أن الانقسام داخل اليمين المتطرف الأوروبي بشأن الموقف من روسيا قد يكون خط الصدع الأهم داخل اليمين الراديكالي الأوروبي.
بالنسبة إلى الكرملين، من المهم أن يتحول صعود اليمين الأوروبي المتطرف إلى عامل إضافي في تفكيك الإجماع الأوروبي حول روسيا، وإلى مصدر للخلافات بشأن العقوبات والطاقة وأوكرانيا والدفاع الأوروبي. فالرهان الروسي قد لا يكون على يمين أوروبي موالٍ لموسكو، بقدر ما هو على أوروبا أقل تماسكاً في مواجهة موسكو.
المصدر: المدن






