
تستمر الاعتداءات الحوثية على أراضي المملكة العربية السعودية، حتى وصلت الحالة إلى التعدي المباشر على (مكة المكرمة)، ثم أخيراً على (المدينة المنورة)، مدينة رسول الله (ص)، وهذا عمل عسكري يستفز جميع المسلمين، وليس العرب منهم فقط، وهو يعيد النظر من جديد في ضرورة وأهمية أن يأخذ (اتفاق مكة) الثلاثي وضعه في المكان المطلوب، ومن ثم الإمساك جدياً بحالة حقيقية من أجل لجم هذا العدوان، وقطع دابر مثل ذلك مستقبلاً، من منطلق أن مثل هذه التعديات، وإن لم يتم وضع الحد الحقيقي لها، وإن لم تؤخذ بمنطق الأهمية، فإن الأمر سوف يهدد ليس فقط أهل وشعب المملكة العربية السعودية، بل سوف يتخطى ذلك إلى كل بلدان المسلمين، الذين يعتبرون مكة والمدينة مكانين مقدسين لهم، ولا يجوز بأي حال من الأحوال التعدي عليهما، أياً كان، ومن طرف أي جهة، ولا يجوز أن يُسمح بأن تجر السياسة ونواتجها وألاعيبها المسألة بكليتها لأن تكون المدينة المنورة أو مكة المكرمة مصدراً أو مكاناً لتصفية الحسابات.
أما الحقيقة فتقول: إن (اتفاق مكة)، الذي جرى التوافق عليه والتوقيع عليه منذ أشهر قليلة، بين كل من المملكة العربية السعودية والباكستان والدولة التركية، كان مدروساً ومدركاً لأهمية أوضاع المنطقة، ومن أجل الحفاظ على أمن وأمان المملكة العربية السعودية أولاً، ومن أجل وقف كل هذه التعديات عليها، وأيضاً من أجل لجم كل تلك الأطماع التي يمكن أن تكون في قادم الأيام ضد المملكة، وضد الدول الثلاث الموقعة على الاتفاق، ثم احتماءً واتكاءً على السلاح النووي الموجود بقوة لدى دولة الباكستان، وهي الدولة الإسلامية الوحيدة التي تمتلك هذا السلاح النووي، الذي أضحى أحد الحماة الحقيقيين لأي دولة تمتلكه في العالم، حتى لو كانت دولة كوريا الشمالية. والآن، وبينما تتواصل وتستمر تلك التعديات من قبل الحوثيين، عبر تغطية إيرانية، على المملكة العربية السعودية، فإن هناك أصواتاً كثيرة باتت تنادي بالتحرك المباشر من أجل وقف هذه التعديات، ووضع حد لها ولكل هذا التطاول الحوثي، الذي بات هو الآخر يشكل خطراً حقيقياً ليس على المملكة العربية السعودية فحسب، بل على كل دول الخليج العربي، وكذلك الدول العربية المحيطة والإقليمية الأخرى في المنطقة.
واقع السياسة ومشهدها يشير إلى أن الأميركان ما زالوا مترددين، وتصيب سياستهم الكثير من الرخاوة، في آليات التعاطي مع تهديدات الحوثيين وغطرستهم..
لكن السؤال الاستراتيجي يقول: هل يمكن أن تتورط هذه الدول الثلاث في حرب مفتوحة لن يستطيع أحد أن يدرك أولها ولا آخرها، وخاصة بعد تطورات الوضع في باب المندب، أو كيفية التعاطي مع جماعة الحوثي؟ بل قد يمتد الأمر ومتغيراته الدراماتيكية إلى العلاقة المتوترة جداً مع الداعم الأساسي للحوثيين، أو من يمتلك أن يعطي الأوامر للذراع السياسي والأمني للإيرانيين، أي دولة الملالي في إيران، ومن أجل استغلال ذلك من طرفها في حربها التي لم تنتهِ بعد، ولا يبدو أن ملامح نهايتها مع الأميركان باتت قريبة أو على الأبواب.
ويبقى أن المنطقي والطبيعي، بعد (اتفاق مكة) المشار إليه، أن تتحرك كل من تركيا والباكستان لحماية السعودية، لأن حبر اتفاقية مكة لم يجف بعد، (كما يقال)، لكن حسابات الدول الكبرى، ومنها الدولة التركية العضو في حلف الناتو، وكذلك الباكستان، الدولة النووية الكبرى والحليفة للأميركان، مسألة أخرى، وقابلة للأخذ والرد والتريث أيضاً، وقد لا تكون سريعة.
أما الواقعية السياسية المعروفة والرصينة فتقول: إن أوضاع المنطقة برمتها ما زالت متحركة، وهي متموضعة بحق على صفيح ساخن، وكذلك فإن مستقبل الوضع في الشرق الأوسط ما زال غير واضح المعالم للعيان، ومن الممكن جداً أن تتحرك فيه الأمور نحو حروب إقليمية أوسع وأكبر، إبان حدث الانتخابات النصفية الأميركية للكونغرس، والمهمة جداً بالنسبة للرئيس الأميركي (دونالد ترامب)، وبعد أن يتبين الخيط الأسود من الخيط الأبيض من فجر نتائج انتخابات الكونغرس، وكذلك، بكل تأكيد، انتخابات إسرائيل للكنيست، التي تنذر بزوال حكومة (بنيامين نتنياهو) المتغطرس والمتطرف، حيث تظهر استطلاعات الرأي في إسرائيل تراجعاً كبيراً في شعبيته، قد تفقده رئاسة الحكومة، فيما لو استمرت عملية هبوط شعبية نتنياهو بهذا الشكل، وهذه الدراماتيكية المخيفة لكل أنواع وأدوات السياسة المتطرفة في إسرائيل.
واقع السياسة ومشهدها يشير إلى أن الأميركان ما زالوا مترددين، وتصيب سياستهم الكثير من الرخاوة، في آليات التعاطي مع تهديدات الحوثيين وغطرستهم، ولا يبدو أن الأميركان (كما يظهر حتى الآن) ذاهبون أو موافقون على دعم حرب مفتوحة ضد الحوثيين، وهذه النظرة يراقبها حلف واتفاق مكة بكل تأكيد، ويأخذها بنظر الاعتبار عندما يفكر جدياً في دعم السعودية، أو الدخول في حروب جديدة ضد جماعة الحوثيين نصرة للسعودية، العضو الأساسي في (اتفاق مكة).
يبدو أن الحوثيين، ومن ثم داعميهم، يدركون ذلك جيداً، كذلك فهم مستمرون في عمليات العدوان على المملكة، وفي حالات الاستفزاز أيضاً، ضمن حالة العلاقة القوية والتابعة لإيران الملالي.
كل ذلك سوف يؤخذ بعين السياسة الواعية والهادئة، ويُنظر إليه وفق انجدال المصالح الإقليمية التي باتت واضحة المعالم. ويبدو أن الحوثيين، ومن ثم داعميهم، يدركون ذلك جيداً، كذلك فهم مستمرون في عمليات العدوان على المملكة، وفي حالات الاستفزاز أيضاً، ضمن حالة العلاقة القوية والتابعة لإيران الملالي.
ولأنه لا يوجد أي أحد اليوم يستطيع أن يتكهن بمستقبل المنطقة العربية، ومستقبل الشرق الأوسط برمته، ولأن التغيرات الكبرى ما زالت ممكنة، وواردة ضمن كل الظروف، وعلى كل الأصعدة، فإن مستقبلات المنطقة ما زالت متحركة ومندرجة في أتون الحراك الكلي (المعولم)، وهي قاب قوسين أو أدنى من حالات إحداث تغيرات ما، قد تكون إيجابية، وليس بالضرورة ذلك، إذ من الممكن أن تشوبها الكثير من السلبيات والمنغصات السياسية وغير السياسية، وهي مسألة (لا شك في ذلك) أنها باتت مرتبطة واقعياً بجملة المصالح الكبرى للدول وللإقليم أيضاً، في سياق العلاقات المصلحية البراغماتية بين الدول، التي ترد إلى المنفعة أولاً وأخيراً.
المصدر: تلفزيون سوريا






