
يشكل القرار الأميركي برفع القيدين المتبقيين، بموجب قانون مكافحة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية لعام 1991، والمتعلقين بمبيعات الأسلحة والتمويل العسكري لسوريا، تغييرًا مهمًا في أحد الأطر القانونية الناظمة للعلاقة الدفاعية بين واشنطن ودمشق، بعدما دخل القرار حيز التنفيذ في 16 أيلول/سبتمبر 2026.
وبموجب الإجراء، رُفعت القيود التي كانت، بموجب هذا القانون تحديدًا، تمنع مبيعات المواد والخدمات الدفاعية لسوريا وإصدار تراخيص لتصدير المواد المدرجة على قائمة الذخائر الأميركية، إضافة إلى القيد على التمويل العسكري الخارجي لسوريا.
لكن رفع هذين القيدين لا يعني تلقائيًا أن الولايات المتحدة قررت تسليح الجيش السوري أو تقديم تمويل عسكري مباشر له، إذ إن القرار أزال عقوبتين محددتين بموجب قانون عام 1991، من دون أن يتضمن إعلانًا عن صفقة أسلحة أو برنامج تمويل جديد. كما لا تزال قيود أميركية أخرى على تصدير المواد والخدمات الدفاعية إلى سوريا نافذة، إذ تبقي لوائح الاتجار الدولي بالأسلحة (ITAR) سوريا ضمن الدول الخاضعة لسياسة رفض التراخيص والموافقات على هذه الصادرات، ما يجعل الانتقال إلى تعاون عسكري فعلي مرتبطًا بقرارات قانونية وسياسية وأمنية إضافية.
وتأتي هذه الخطوة ضمن مسار أوسع من إعادة بناء العلاقة الأميركية مع سوريا، بدأ بتخفيف القيود والعقوبات الأميركية، وترافق مع خطوات مرتبطة بإعادة دمج دمشق في النظام المالي الدولي. وفي أيلول/سبتمبر الحالي، أفادت وكالة “سانا” بأن وفدًا من وزارة الخزانة الأميركية أكد، خلال مباحثات في دمشق، دعم الولايات المتحدة لإعادة دمج سوريا في النظام المالي العالمي، في مؤشر على أن الانفتاح الأميركي لا يقتصر على الجانب العسكري وحده.
رفع واشنطن لعقوبتي قانون 1991 عن سوريا يزيل عقبة قانونية، لكنه لا يعني تسليحًا أو تمويلًا عسكريًا مباشرًا جديدًا
وفي هذا السياق، يطرح رفع القيدين سؤالًا أوسع حول طبيعة المرحلة المقبلة: هل تتجه واشنطن إلى بناء شراكة أمنية وعسكرية تدريجية مع دمشق، أم سيبقى القرار في حدود إزالة بعض العقبات القانونية؟ كما تبرز ملفات مكافحة تنظيم الدولة، وأمن الحدود، والعلاقة مع إيران وروسيا، ومستقبل التفاهمات السورية–الإسرائيلية، باعتبارها عوامل يمكن أن تحدد شكل التعاون الأميركي مع المؤسسة العسكرية السورية وحجمه.
رفع قيدين قانونيين لا يعني صفقة أسلحة
يرى العميد محمد الخالد، المحلل العسكري، لـ”الترا سوريا”، أن رفع القيدين المرتبطين بمبيعات الأسلحة والتمويل العسكري يمثل “إزالة لعقبة قانونية مهمة أمام تطوير التعاون العسكري بين واشنطن ودمشق”، لكنه لا يعني بالضرورة الانتقال المباشر إلى مرحلة تسليح الجيش السوري.
وأوضح الخالد أن أي تعاون أو صفقة عسكرية ستبقى مرتبطة بالموافقات والإجراءات الأميركية والتقييمات السياسية والأمنية، مشيرًا إلى أن القرار الحالي يزيل، من زاوية القيود التي شملها الإعفاء، مانعًا قانونيًا كان قائمًا أمام صفقات وخدمات دفاعية، لكنه لا يفرض على الإدارة الأميركية تنفيذها.
وتكمن أهمية القرار، وفق هذا التصور، في أنه يزيل جزءًا من القيود القانونية التي كانت تحول دون مبيعات الأسلحة والتمويل العسكري، بما يتيح بحث أشكال من التعاون إذا توافرت الإرادة السياسية والشروط القانونية والأمنية اللازمة.
مكافحة تنظيم الدولة وأمن الحدود كبداية محتملة
ويعتقد الخالد أن المرحلة الأولى من التعاون قد تتركز على احتياجات محددة تخدم أهدافًا أمنية مشتركة، وفي مقدمتها مكافحة تنظيم الدولة وتعزيز أمن الحدود، إلى جانب تطوير قدرات الاستطلاع والمراقبة والاتصالات، وتوفير المعدات اللوجستية وقطع الغيار والتدريب.
ويقول إن البداية ستكون أقرب إلى “بناء قدرات تشغيلية محددة” منها إلى إعادة تسليح شاملة للجيش السوري، موضحًا أن واشنطن قد تجد في مجالات مكافحة الإرهاب والمراقبة الحدودية مساحة أكثر قابلية للتعاون من الدخول مباشرة في برامج تسليح واسعة.
ويضيف أن مكافحة تنظيم الدولة وأمن الحدود يمثلان المجال الأكثر قابلية لبدء التعاون، باعتبار أن لهما أهمية مباشرة بالنسبة إلى الأمن القومي الأميركي. ويرجح الخالد أن تشمل المرحلة الأولى وسائل الاستطلاع والمراقبة، وأنظمة الاتصالات، والمركبات والمعدات اللوجستية، وتجهيزات حماية القوات، وربما بعض المعدات المخصصة لضبط الحدود وملاحقة الخلايا المسلحة.
من المعدات المحدودة إلى بناء القدرات العسكرية
ولا يستبعد الخالد أن يتوسع التعاون لاحقًا في حال نجاح المرحلة الأولى، لكنه يربط ذلك بمجموعة من العوامل، من بينها شكل إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية السورية، ومدى قدرة الدولة على فرض سيطرتها على القوات والأسلحة، وطبيعة العلاقات العسكرية التي ستقيمها دمشق مع القوى الإقليمية والدولية.
ويقول إن التعاون يمكن أن يتطور تدريجيًا من مكافحة الإرهاب وأمن الحدود إلى التدريب وبناء القدرات، وصولًا إلى بحث توريد معدات أكثر تطورًا، “في حال توافرت الشروط السياسية والأمنية والثقة المتبادلة”.
ويكتسب هذا العامل أهمية خاصة في ضوء استمرار الحضور الروسي في سوريا. فقد أفادت رويترز في أيلول/سبتمبر بأن قافلة من السفن الروسية نقلت إمدادات إلى ميناء طرطوس، بينها إمدادات مخصصة لمنشآت في طرطوس وحميميم، في أول عملية من هذا النوع منذ التوصل إلى اتفاق بين موسكو ودمشق بشأن مستقبل الوجود العسكري الروسي في آب/أغسطس 2026، ما يشير إلى أن العلاقة العسكرية السورية مع موسكو لا تزال عاملًا قائمًا في البيئة التي ستتعامل معها واشنطن.
ضمانات أميركية للسيطرة على السلاح
وفي ما يتعلق بالضمانات التي يمكن أن تطلبها واشنطن، يرى الخالد أن قضية التحكم في السلاح بعد تسليمه ستكون من أكثر الملفات حساسية بالنسبة إلى الولايات المتحدة.
ويقول إن واشنطن ستسعى إلى ضمان استخدام المعدات للأغراض المتفق عليها، وعدم نقلها أو إعادة تصديرها إلى أطراف أخرى من دون موافقة أميركية، مشيرًا إلى أن هذه الضمانات يمكن أن تشمل تسجيل الأسلحة والمعدات، وتحديد الوحدات العسكرية المخولة باستخدامها، وضبط عمليات التخزين، وإجراء عمليات جرد ومراقبة دورية، إلى جانب آليات للتحقق من الاستخدام النهائي.
ويلفت الخالد إلى أن الرقابة ستكون أكثر تشددًا بالنسبة إلى المعدات والأنظمة الحساسة، بما يضمن معرفة الجهة التي تتسلمها وكيفية استخدامها ومكان وجودها، ويحد من احتمالات انتقالها إلى جهات أخرى.
ويخلص إلى أن القضية في المرحلة المقبلة “لن تتعلق فقط بإمكانية بيع أسلحة أميركية لسوريا”، وإنما أيضًا بطبيعة المعدات التي يمكن أن تحصل عليها دمشق، والجهات داخل المؤسسة العسكرية التي ستتولى استخدامها، والضمانات التي ستقدمها الحكومة السورية لمنع تسربها أو نقلها إلى أطراف أخرى.
الانفتاح الأميركي وشروطه السياسية
من الجانب السياسي، يرى الكاتب والمحلل السياسي أحمد مظهر سعدو، في تصريح لـ”الترا سوريا”، أن تحولًا في النظرة العامة تجاه “سوريا الجديدة” بات ملحوظًا، مشيرًا إلى أن ذلك يظهر من خلال رفع العقوبات، إلى جانب جملة من الخطوات التي تتخذها الولايات المتحدة تجاه دمشق.
ويضيف سعدو أن “هناك توجهًا أميركيًا كليًا نحو الانفتاح على سوريا الجديدة”، لكنه يشدد في الوقت نفسه على أن السياسة الأميركية تجاه أي دولة في العالم “لم تكن ولن تكون مجانية”. وبحسب سعدو، فإن المواقف السورية من إيران وروسيا، إلى جانب مجموعة من القضايا المرتبطة بالاستراتيجية الأميركية، تشكل عوامل مهمة وأساسية لاستمرار واشنطن في دعم الواقع السوري الجديد.
ويضع مكافحة تنظيم الدولة في مقدمة هذه الملفات، مشيرًا إلى انضمام سوريا مسبقًا إلى التحالف الدولي لهزيمة تنظيم الدولة الذي تقوده الولايات المتحدة. وكانت سوريا قد انضمت إلى التحالف بوصفها العضو التسعين في تشرين الثاني/نوفمبر 2025.
إسرائيل وإيران وروسيا في صلب الحسابات الأميركية
ويعتقد سعدو أن هناك ضغوطًا أميركية على الحكومة السورية من أجل التوصل إلى تفاهم أمني مع إسرائيل، معتبرًا أن “من يعرقل ذلك هو نتنياهو وليس سوريا”. وتبرز هنا إحدى أكثر القضايا حساسية أمام أي تعاون أميركي–سوري، إذ لا يتعلق الأمر بالمؤسسة العسكرية السورية وحدها، وإنما بالبيئة الإقليمية التي تتحرك فيها دمشق. فالولايات المتحدة يمكن أن تنظر إلى طبيعة العلاقة السورية مع إيران وروسيا وإسرائيل باعتبارها جزءًا من تقييم أوسع للاتجاه الاستراتيجي للحكومة السورية.
الانفتاح الأميركي على سوريا ليس مجانيًا؛ بل يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمواقف دمشق الاستراتيجية من إيران وروسيا وإسرائيل
وفي هذا السياق، يشير سعدو إلى أن الإدارة الأميركية تمتلك العديد من الأوراق التي يمكن استخدامها للضغط على حكومة دمشق، من بينها ملفات تنظيم الدولة وإسرائيل وسلاسل الإمداد، إضافة إلى مجموعة من السياسات والقضايا التي ترى واشنطن ضرورة التعامل معها لضمان استمرار دعمها لدمشق.
وبحسب سعدو، فإن الانفتاح الأميركي على سوريا يرتبط بجملة من الملفات السياسية والأمنية والاستراتيجية، وليس بإجراءات منفصلة عن المصالح التي تسعى واشنطن إلى تحقيقها في المرحلة المقبلة.
ما الذي يعنيه القرار عمليًا؟
من الناحية العملية، يمكن قراءة القرار الأميركي باعتباره إزالة لعقبتين قانونيتين من بين مجموعة قيود، وليس فتحًا كاملًا لباب مبيعات السلاح. فالولايات المتحدة رفعت العقوبتين المتبقيتين بموجب قانون مكافحة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية لعام 1991، والمتعلقتين بمبيعات الأسلحة والتمويل العسكري لسوريا، لكن سوريا لا تزال خاضعة لقيود أخرى، من بينها سياسة رفض تراخيص وموافقات تصدير المواد والخدمات الدفاعية بموجب لوائح ITAR.
وفي حال قررت واشنطن لاحقًا تخفيف القيود الأخرى، فإن أي تعاون محتمل قد يخضع إلى مبدأ التدرج، بدءًا من المجالات ذات الصلة المباشرة بالمصالح الأمنية الأميركية، مثل مكافحة الإرهاب والمراقبة وأمن الحدود والتدريب، قبل الانتقال ــ في حال نجاح التجربة ــ إلى مستويات أكثر حساسية من التعاون العسكري.
وفي المقابل، ستبقى طبيعة المؤسسة العسكرية السورية الجديدة، وآليات السيطرة على السلاح، والعلاقة مع موسكو وطهران، ومستوى التعاون في ملف تنظيم الدولة، ومسار التفاهمات مع إسرائيل، من أبرز العوامل التي يمكن أن تؤثر في قرارات واشنطن اللاحقة.
وعليه، فإن أهمية الخطوة الأميركية لا تكمن في أنها أتاحت تلقائيًا وصول معدات أميركية إلى سوريا، وإنما في أنها أزالت عقبتين قانونيتين كانتا قائمتين ضمن منظومة أوسع من القيود. أما ترجمة هذا التغيير إلى صفقات أو تدريب أو تمويل أو شراكة عسكرية فعلية، فستتطلب قرارات أميركية إضافية واختبارات سياسية وأمنية متتابعة بين واشنطن ودمشق.
المصدر: ألترا سوريا






