تقرير مراقبة الجلستين الأولى والثانية من محاكمة أحمد بدر الدين حسون أمام محكمة الجنايات الرابعة في دمشق

تقييم مرحلي لضمانات المحاكمة العادلة خلال جلستي 25 حزيران و16 تموز 2026

أصدرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان تقريرًا لرصد المحاكمة، قدّمت فيه تقييمًا مرحليًا لمدى احترام ضمانات المحاكمة العادلة خلال الجلستين الأولى والثانية من محاكمة أحمد بدر الدين حسون، المفتي العام السابق للجمهورية العربية السورية، أمام محكمة الجنايات الرابعة في دمشق، والمنعقدتين في 25 حزيران/يونيو و16 تموز/يوليو 2026. وخلص التقرير إلى أنَّ المحكمة أتاحت عددًا من الضمانات الأساسية، من بينها حضور المتهم برفقة محاميه، وإبلاغه علنًا بمضمون التهم الرئيسة، وتمكين الدفاع من تقديم شهوده، إلى جانب وجود مسائل إجرائية لا تتيح المعلومات المتوفرة حتى الآن حسمها. وتؤكد الشبكة السورية لحقوق الإنسان أنَّ هذا التقييم لا يمتد إلى المسؤولية الجنائية للمتهم، ولا إلى صحة الوقائع المنسوبة إليه، ولا إلى القيمة الإثباتية النهائية للأدلة المقدمة.

وفقًا لملخص قرار الاتهام الذي تلاه رئيس المحكمة، ولما عرضه ممثل النيابة العامة، تتضمن نظرية الادعاء مزاعم تتعلق بالتحريض على ارتكاب جرائم، والتدخل في أعمال قتل، وإثارة الحرب الأهلية والاقتتال الطائفي والنعرات الطائفية، وإساءة استعمال النفوذ، إضافة إلى تكييفات مستمدة من القانون الدولي الإنساني والقانون الجنائي الدولي، من بينها جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. وتعرض الشبكة السورية لحقوق الإنسان هذه التكييفات بوصفها جزءًا من موقف الادعاء، ولا تتبناها باعتبارها تكييفات قانونية ثابتة تنطبق على المتهم أو على الوقائع محل الدعوى.

خُصصت الجلسة الأولى لافتتاح المحاكمة، وتلاوة ملخص قرار الاتهام، وعرض النيابة العامة لنظريتها، واستجواب المتهم، وعرض مواد صوتية ومرئية. وأنكر المتهم التهم المنسوبة إليه، وذكر أنَّ علاقاته ببعض مسؤولي السلطات السابقة ارتبطت بطبيعة منصبه الرسمي، وقال إنَّه استخدم هذه العلاقات للتوسط من أجل الإفراج عن معتقلين ومساعدة مدنيين. ودفع بأنَّ بعض التسجيلات التي عُرضت عليه قُدمت على هيئة مقتطفات مجتزأة من سياقها، وطلب عرض التسجيلات كاملة. كما ذكر أنَّه شغل منصب المفتي العام من عام 2000 حتى عام 2021.

وفي الجلسة الثانية، انتقلت المحكمة إلى سماع الشهود، فاستمعت إلى شاهدين قدمتهما النيابة العامة، حُجبت هوية أحدهما في إطار الجلسة العلنية، ثم استمعت إلى خمسة شهود قدمهم الدفاع. وجمعت شهادات شهود الادعاء بين وقائع قال الشهود إنَّهم عاينوها مباشرة، ومعلومات نُقلت إليهم عن آخرين، واستنتاجات شخصية بشأن دور المتهم وعلاقاته. وقال الشاهد الذي حُجبت هويته إنَّه شهد تسليم مبالغ مالية إلى قائد تشكيل مسلح موالٍ للسلطات السابقة، وإنَّ قيمة بعض هذه المبالغ تراوحت، وفقًا لشهادته، بين خمسة عشر ألفًا وثلاثين ألف دولار أمريكي، سلّمها المتهم أو أحد أبنائه. وركز شهود الدفاع على وقائع قالوا إنَّ المتهم تدخل فيها لتأمين الإفراج عن أشخاص محتجزين، أو لمساعدتهم أو مساعدة أسرهم خلال سنوات النزاع.

وتلاحظ الشبكة السورية لحقوق الإنسان أنَّ المحكمة أتاحت ضمانات إجرائية إيجابية، من بينها حضور المتهم برفقة محاميه، وإبلاغه علنًا بمضمون التهم الرئيسة، وإتاحة الفرصة له للرد عليها والتعليق على المواد المعروضة، وتمكين الدفاع من تقديم شهوده. ويحدد التقرير عددًا من المسائل التي تستدعي مزيدًا من التدقيق، أبرزها مدى إتاحة الوقت والتسهيلات الكافية للدفاع للاطلاع على المواد الصوتية والمرئية بصيغتها الكاملة، في ضوء اعتراض المتهم على تقديم المقاطع على هيئة مقتطفات. وتتعلق مسألة أخرى بنطاق حجب هوية أحد شهود الادعاء، والضمانات المصاحبة لهذا الإجراء، والقدرة الفعلية للدفاع على اختبار أقوال ذلك الشاهد ومصداقيته. ويشير التقرير إلى أنَّ مجرد اللجوء إلى تدبير لحماية شاهد لا يمكن اعتباره انتهاكًا في حد ذاته، كما لا يمكن اعتباره متوافقًا بصورة كاملة مع حقوق الدفاع من دون معرفة الضمانات المصاحبة له.

ويسجل التقرير أنَّه، أثناء مناقشة شهادة أحد شهود الدفاع، وصف رئيس المحكمة عصام زهر الدين بأنَّه “مجرم”. وترى الشبكة السورية لحقوق الإنسان أنَّ استخدام هذا النوع من الأوصاف القطعية يستحق الانتباه من زاوية مظهر الحياد، نظرًا إلى أنَّ علاقة المتهم بالشخص المعني تشكل جزءًا من الوقائع التي يستند إليها الادعاء. ولا تخلص الشبكة السورية لحقوق الإنسان إلى أنَّ هذا التعبير يثبت وجود تحيز من جانب المحكمة. كما يشير التقرير إلى أنَّ التغطية الإعلامية التي تمكن الفريق من رصدها داخل الجلسة الأولى اقتصرت على وسائل الإعلام الرسمية والجهات الإعلامية التابعة لوزارة العدل، من دون أن يخلص إلى أنَّ وسائل الإعلام المستقلة مُنعت من الحضور.

ويستند التقييم المعياري الوارد في التقرير بصورة رئيسة إلى المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي انضمت إليه الجمهورية العربية السورية في 21 نيسان/أبريل 1969، وإلى تفسير اللجنة المعنية بحقوق الإنسان للضمانات التي تتضمنها هذه المادة، بما في ذلك قرينة البراءة بموجب المادة 14 (2)، والإبلاغ بطبيعة التهمة وسببها، وتوفير الوقت والتسهيلات الكافية لإعداد الدفاع، والاستعانة بمحامٍ، ومناقشة شهود الاتهام، واستدعاء شهود الدفاع في إطار تكافؤ الوسائل بين الدفاع والادعاء. كما يتناول التقرير مبدأ الشرعية بموجب المادة 15 من العهد، مشيرًا إلى أنَّ إشارات قرار الاتهام إلى القانون الجنائي الدولي تثير مسألة مستقلة. ويذكر أنَّ سوريا وقّعت على نظام روما الأساسي، لكنَّها ليست دولة طرفًا فيه، وأنَّ قرار الاتهام استند إلى المادة 7 المتعلقة بالجرائم ضد الإنسانية، والمادة 25 المتعلقة بالمسؤولية الجنائية الفردية. كما يذكر أنَّ سوريا لا تظهر ضمن الدول الأطراف في اتفاقية عام 1968 بشأن عدم تقادم جرائم الحرب والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية، وأنَّ المادة 49 (2) من الإعلان الدستوري لعام 2025 تتناول عدم رجعية القوانين، وهي مسألة تختلف عن التقادم وعن العفو. وفيما يتعلق بالقانون الدولي الإنساني، يذكر التقرير أنَّ الإشارة العامة إلى اتفاقيات جنيف لا تكفي لتحديد القاعدة واجبة التطبيق، وأنَّ المادة الثالثة المشتركة والقانون الدولي الإنساني العرفي يشكلان جزءًا أساسيًا من الإطار القانوني المنطبق في النزاعات المسلحة غير الدولية، وأنَّ انتهاك القانون الدولي الإنساني لا يتحول تلقائيًا إلى جريمة حرب ما لم تتوافر الأركان الجنائية اللازمة.

وتدعو الشبكة السورية لحقوق الإنسان محكمة الجنايات الرابعة في دمشق والجهات القضائية المختصة إلى ضمان استمرار احترام قرينة البراءة، والحفاظ على لغة قضائية محايدة عند الإشارة إلى المتهم وإلى الأشخاص الآخرين المرتبطين بوقائع القضية، وتمكين الدفاع من فحص المواد التي تستند إليها التهمة، بما في ذلك النسخ الكاملة من التسجيلات الصوتية والمرئية ذات الصلة. كما تدعو، عند اتخاذ تدابير لحماية شاهد، إلى إصدار قرار معلل يبين ضرورة التدبير ونطاقه ومدته والضمانات الموازنة الممنوحة للدفاع. وتدعو المحكمة كذلك إلى بيان الأساس القانوني بدقة عند الاستناد إلى تكييفات مستمدة من القانون الجنائي الدولي، والتمييز بين عدم الرجعية والتقادم والعفو.

وتدعو الشبكة السورية لحقوق الإنسان النيابة العامة إلى تركيز مرافعاتها على الوقائع وأركان الجرائم والأدلة، وإثبات الصلة بين كل مادة صوتية أو مرئية والعنصر القانوني المراد إثباته، وتحمل عبء إثبات كل ركن من أركان الجرائم، من دون نقل عبء إثبات البراءة إلى الدفاع. كما تدعو وزارة العدل والجهات المختصة بتنظيم العمل القضائي إلى وضع إطار قانوني واضح لحماية الشهود والتعامل مع الأدلة الرقمية والصوتية والمرئية، واعتماد آلية موضوعية وغير تمييزية لتنظيم حضور وسائل الإعلام والمراقبين المستقلين للجلسات العلنية ذات الاهتمام العام. وتدعو الشبكة السورية لحقوق الإنسان وسائل الإعلام إلى التمييز بين الاتهام والإدانة، واحترام قرينة البراءة إلى حين صدور حكم قضائي، وتجنب نشر معلومات قد تكشف هوية شاهد خاضع للحماية.

دمشق- 22 أيلول/سبتمبر 2026.

المصدر: الشبكة السورية لحقوق الانسان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى