
فتحت جلسة استماع مجلس الشعب إلى وزير التربية والتعليم (محمد عبد الرحمن تركو)، الإثنين 14 أيلول/سبتمبر، النقاش واسعاً وعميقاً حول العنف في المدارس، كظاهرة عامة وليست محصورة في زمان ومكان محددين. في النقاش، تحت قبة البرلمان وخارجها، ظهر اتجاهان في الرأي: أحدهما يؤيد ضرب التلاميذ وطلاب العلم، ويحاول ربطه بموروثنا القيمي وتجاربنا في بناء الإنسان، وآخر يرفضه وفق أحدث نظريات التنشئة والتربية والتعليم وتهذيب السلوك.
في كل الأحوال، سارعت وزارة التربية إلى التذكير بتعميمها القاضي بمنع الضرب واستخدام العنف، تحت طائلة المسؤولية. وبعيداً عن ذلك، من المهم اليوم ربط رفض استخدام العنف والضرب في المدارس، أو الحد منه إلى أدنى الدرجات، بسورية الجديدة التي نحلم ببنائها، والمستوفية لشروطها لجهة قيم العصر والحداثة وحقوق الإنسان، والإقناع بدلاً من الإملاء.
عانى السوريون، تاريخياً، كثيراً من استخدام العنف في حياتهم العامة، ومنه، بالتأكيد، العنف داخل المدارس، خصوصاً في المرحلتين الابتدائية والمتوسطة، ولم يكن ذلك بعيداً أبداً عن عنف السلطة ضد المجتمع، التي تريد إرهابه وإخضاعه لها بشتى الوسائل، وهو ما كان في المدرسة والجيش أثناء خدمة العلم الإلزامية، وما كان يسمى بمعسكرات الطلائع ودروس الفتوة والتدريب الجامعي، وصولاً إلى الشارع وحتى البيت.
ما أفرز ظواهر مرضية أخرى مرتبطة بنتائج العنف وتأثيره، ومعها نشوء أجيال مشوّهة نفسياً إلى حد كبير، أو بعضها يعاني من الاكتئاب والعزلة وضعف الشخصية، التي تفتقد إلى روح الاستقلالية والنزوع نحو الحرية والتفكير العلمي والإبداع في المجالات المختلفة.
العنف في المدارس ليس ظاهرة سورية خالصة، بل هو ظاهرة واسعة ولها تشعباتها ومستوياتها، وهو، بشكل أو بآخر، ما تعاني منه أرقى دول العالم، وإن كان يتخذ أشكالاً مختلفة في بعض بلدان العالم، ففي ألمانيا هناك شكاوى وتحذيرات من النقص الحاد في الموجّهين التربويين وانعكاس ذلك على معالجة قضايا التنمر والتمييز، وفي فرنسا شكاوى عن قصص مرعبة من الاعتداءات الجنسية للذكور والإناث، أما في أميركا، فحيازة السلاح بشكل قانوني لا تترك فصلاً دراسياً دون حادثة مروعة تودي بعشرات الطلاب وحتى المدرسين.
لا نقول ذلك لنبرر العنف في مدارسنا ووطننا، بقدر ما نحاول وضع ذلك في سياقاته العامة التي تتطلب جهوداً كبيرة من الجهات المختصة، ووعياً عاماً من المجتمع والمدرسة والأسرة.
اليوم، لا يمكن فصل ما يجري داخل المدارس عما مررنا به خلال أربعة عشر عاماً من صنوف القهر الإنساني والإذلال واستلاب الكرامة الإنسانية والإفقار والتجويع، فعدا عن التسرب المدرسي واضطرار عشرات الآلاف من القُصّر إلى ترك التعليم ودخول سوق العمل لإعالة أسرهم وعائلاتهم، جعل فئة المدرسين والمعلمين أصحاب شكوى وباحثين عن عمل إضافي لإعانتهم على شؤون حياتهم.
وهو ما انعكس على سلوكهم وطرائق تفكيرهم، كأشخاص يعانون الهزيمة الداخلية، ومسلوبي الإرادة، أو مهمَّشين، ودفعهم إلى الضرب واستخدام العنف بشكل واسع، بدلاً من محاولات تقويم سلوك الطالب ومساعدته وتحسين أدائه، والحرص على تلقينه العلوم بأحدث الطرق التي تخلق منه إنساناً نافعاً لذاته ولأسرته ومجتمعه، وذلك وفق قاعدة بديهية تعبّر عن نفسها: لجوء المعنَّف إلى العنف لا محالة، وإن كان بأشكال مختلفة.
لا شك أن صلاح العملية التربوية يُعدّ أساساً مهماً لصلاح المجتمع، وتجارب الشعوب العديدة التي تعافت بعد سنوات وعقود من الحروب والاستبداد بدأت بإصلاح الجهاز التربوي وطرق التدريس والمناهج التربوية، التي من المهم أن تكون مرتبطة بالنهوض الشامل والحاجة إلى اختصاصات دون غيرها.
وبالعودة إلى قضية العنف في المدارس، من المهم لنا أن نتذكر أن القضاء على هذه الظاهرة مرتبط تماماً بثقافة عامة جديدة، وبالتعافي على مختلف المستويات، فلا يمكن عزل ما يحصل داخل المدرسة عما هو حاصل في محيطها من ظواهر وأزمات، وحتى انتهاكات للقيم الإنسانية والقوانين والتشريعات المعمول بها، وهذه ذاتها تتطلب التحديث، إن لم نقل “ثورة”، للمواءمة بينها وبين عملية التغيير التاريخية الجارية حولنا.
ثمة ما يتطلب التفكير به والعمل عليه خارج الأساليب والأطر التقليدية، من خلال زيادة دور التوجيه التربوي والنفسي والاجتماعي، وربط كل ذلك بالقيم الجديدة حول الحرية والاستقلالية والتفكير العلمي المنتج. لن تنتفي الظاهرة العنفية في المدرسة والمجتمع دون تبدل شامل في القيم والمفاهيم، وهو ما يتطلب حواراً وطنياً جاداً لتشكيل وإنتاج مجتمع مغاير عما عرفناه تاريخياً، وخصوصاً في عقود وعهود الاستبداد والطغيان.
المصدر: صحيفة الثورة السورية






