بين المجهول والمعلوم يموت اللبناني

جيرار ديب

         

أفادت وسائل إعلام لبنانية، السبت 19 سبتمبر/ أيلول الجاري، بمقتل الشاب محمد حمزة، العائد إلى منزله، بعدما ألقى مجهول حجراً كبيراً عليه من الأعلى في أثناء مروره بسيارته على طريق المطار، عند جسر المشاة قرب المدينة الرياضية، جنوبي بيروت. وأعادت الحادثة إلى الواجهة مخاطر إلقاء الحجارة والأجسام الثقيلة على السيارات المارّة تحت الجسور.

للوهلة الأولى، تستغرب كمواطن أن تقرأ خبراً من هذا النوع عن إزهاق حياة إنسان، جلّ ذنبه أنه سلك الطريق العام للعودة من مكان عمله، إذ يُفترض أن تكون الطريق أكثر أماناً لحياته من الطرقات الفرعية. لكن الاستغراب الأكبر أن تمرّ مثل هذه الجريمة، ويبقى الفاعل مجهولاً طليقاً، بل قد يكرّر فعلته ويحصد المزيد من الضحايا الأبرياء.

هذا ما بات يثير مخاوف اللبنانيين، ولا سيّما أن هذه الحادثة ليست يتيمة. ففي هذه المنطقة من بيروت، وتحديداً في محيط المدينة الرياضية، تتكرّر حوادث رمي الحجارة، فضلاً عن السرقات والاعتداءات على المواطنين، من دون توقيف أحد. فعلى سبيل المثال، تعرّضت سيارة في 29 الشهر الماضي (أغسطس/ آب) لرمي صخرة عليها من أعلى جسر الكولا في العاصمة اللبنانية، وكادت الحادثة أن تتسبب بسقوط ضحايا.

وسبق لتحقيقات إعلامية محلية أن تناولت تكرار مثل هذه الحوادث، من إلقاء أكياس تحتوي على قطع من الباطون والحجارة الثقيلة على السيارات المارّة. واللافت في مثل هذه الجرائم والحوادث، التي تتكرّر على جسور العاصمة بيروت، أن فاعلها يتحرّك بأريحية، ويتمكّن من حمل صخرة كبيرة وصعود الجسر، وربما لا يكون فرداً واحداً، بل قد يكون جزءاً من عصابة محترفة في القتل والسرقة، في غياب واضح للرقابة الأمنية. ما دفع المواطنين إلى رفع الصوت والتساؤل: أين حضور الأجهزة الأمنية؟ وأين كاميرات المراقبة؟ وإلى أين وصلت التحقيقات، في ظل مواطن يدفع حياته ثمناً للاستهتار؟

عدد الوفيات يتزايد على نحوٍ مخيف، ما يجعل حوادث السير من أبرز مصادر الموت التي يتعرض لها المواطن اللبناني

لا يتوقف موت اللبناني على أيدي مجهولين باتوا ينشرون الموت في العاصمة اللبنانية وعلى طرقاتها. ورغم الاستغراب الواضح لدى الرأي العام من عدم كشف هوية المجرمين أو توقيف أحد منهم، فإنّ من يتابع التقارير الصادرة عن حركة السير في لبنان يقرّ بأن عدد الوفيات يتزايد على نحوٍ مخيف، ما يجعل حوادث السير من أبرز مصادر الموت التي يتعرض لها المواطن اللبناني.

الفاعل المعلوم واضح في قضية الموت على الطرقات؛ فإمّا أن يكون سائقاً متهوراً يتسبب بموته وأحياناً بموت آخرين، أو أن تكون الدولة والسلطات المحلية متخلية عن مسؤولياتها ومتقاعسة عن القيام بدورها، ولا سيّما في صيانة الطرقات التي تتحوّل، في أحيان كثيرة، إلى مصائد للموت. ويبرز هذا الإهمال بوضوح على طرقات لبنان، من خلال ما تُحدثه الشتوة الأولى من فيضانات للمياه على “الأوتوسترادات”، فتغرق فيها السيارات، أو نتيجة إهمال متعهدين في الالتزام بواجباتهم، كما حصل في منطقة المكلس، ما دفع النائب إبراهيم كنعان إلى تقديم دعوى قضائية على كل من يظهره التحقيق مسؤولاً عن تعريض حياة المارّة للخطر نتيجة تجريف التربة وغيرها.

سبحة موت اللبناني يومياً تطول بين فاعل معلوم يتمثل في عناوين كثيرة، ومنها الحروب التي تشنّها إسرائيل على لبنان منذ 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، والتي ارتفع عدد ضحاياها إلى أكثر من عشرة آلاف، وفاعل مجهول يتمثل بما يحدث في بيروت وغيرها من المناطق. ويضاف إلى هذا تجهيل الفاعل المعلوم، كما هي حال ضحايا تفجير مرفأ بيروت في 4 أغسطس/ آب 2020، والذين لم يتمكّن ذووهم من كشف الفاعل ومحاسبته، في ظل سلطاتٍ تعتمد، بحسب منتقديها، سياسة تمييع الملف وتسييسه. عدم المحاسبة، أو التدخل في القضاء، يزيد من احتمال تفشّي الجريمة واستسهال ارتكابها، كما هي حال تلك التي تحصل على الجسور وفي قلب العاصمة، التي يُفترض أن تكون أكثر أمناً وأماناً.

عدم المحاسبة، أو التدخل في القضاء، يزيد من احتمال تفشّي الجريمة واستسهال ارتكابها

يعيش اللبناني قلق الوجود، وما زاد الأمر تعقيداً قانون العفو العام الذي خرج من أروقة مجلس النواب، والذي يطالب بعفو عام عن مرتكبي الجرائم، إلّا أن بعضهم يجد في هذا العفو قدراً من العدالة، طالما أنه يطاول شريحة من اللبنانيين الذين لم يحاكموا أو اعتُقلوا بتهمة الإرهاب في زمن الوصاية السورية، والذين باتوا معروفين باسم “السجناء الإسلاميين”، إذ ينفذون اليوم اعتصاماً داخل سجن رومية اعتراضاً على قرار الطعن به من كتلة لبنان القوي.

رهان اللبناني على دولة باتت ضعيفة، في ظل تقارير أمنية عن تعرض مواطن آخر، ليل 21 و22 سبتمبر الجاري، على طريق المطار أيضاً، لحادثة مماثلة لحادثة مقتل محمد حمزة. تكرار هذه الحوادث، في ظل بقاء الفاعل مجهولاً، دفع اللبناني إلى اتخاذ خيارات بديلة، ولكنها بديهية، في مقدّمها سلوك طريق آخر ليلاً، أو اللجوء إلى حمايات خاصة، ما قد يعرّض البلد لتفشّي الفوضى والجريمة.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى