المغرب… التطبيع في زمن الانتخابات

  علي أنوزلا

لم ينتظر صاحب القرار في المغرب انتهاء الانتخابات التشريعية المقرّرة اليوم (23/9/2026) لكي يقرّر الانتقال بعلاقاته مع إسرائيل إلى مرحلة جديدة، بل اختار أن يعلن، أو بالأحرى أن يسمح بالإعلان عن قرار رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي بين البلدين إلى مستوى السفارات وتبادل السفراء، في خضم الحملة الانتخابية، وفي وقتٍ كان فيه الناخبون غارقين في حملات انتخابية صاخبة، لكنها فارغة من أي محتوى حقيقي، لاختيار ممثليهم في البرلمان. جاء القرار من نيويورك، في اجتماع وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة بنظيره الإسرائيلي جدعون ساعر، بحضور السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز، ولم يأت في سياق نقاش عمومي مغربي أو سجال برلماني أو انتخابي، بل بدا كما لو أنه قرار يقع في مستوى آخر، أعلى من الأحزاب والحكومة والبرلمان، بل حتى خارج الحاجة إلى مخاطبة الرأي العام أو استمزاج موقفه.

ولعل المفارقة الأكثر دلالة أن الخبر خرج في بدايته من الجانب الإسرائيلي، قبل أن تتضح الصورة أكثر مع نشر تفاصيل الاجتماع والصور التي وثقت لحظة التوقيع، فيما ظل الصوت المغربي الرسمي غائباً عن المشهد حتى يومنا هذا، بحيث لم يصدر حتى الآن أي بلاغ أو تصريح رسمي، أو حتى خبر في وسيلة إعلام رسمية مغربية، يؤكد الخبر. وهو ما منح الانطباع بأن الرأي العام المغربي هو آخر من ينبغي أن يعرف بما تقرر بشأن واحدة من أكثر القضايا حساسية في الوعي السياسي والشعبي المغربي. صحيح أن الأمر يتعلق بتطوير مسار قائم منذ استئناف العلاقات في ديسمبر/كانون الأول 2020، لكن الانتقال من مكاتب الاتصال إلى سفارات كاملة وتبادل السفراء ليس تفصيلاً تقنياً، وإنما خطوة سياسية ذات دلالة، خصوصاً أنها تأتي في ظل استمرار حرب الإبادة في غزة واستمرار الرفض الشعبي المغربي للتطبيع.

وقد جاءت الصور التي خرجت من نيويورك أكثر بلاغة من البيانات الدبلوماسية نفسها، حين ظهر وزير الخارجية المغربي إلى جانب نظيره الإسرائيلي والسفير الأميركي في مشهد يوحي بأن الاتفاق قد صار أمراً واقعاً قبل أن يدخل إلى المجال العمومي المغربي، فيما بدا وزير الخارجية، من خلال طريقة جلوسه، كما لو كان مرغماً على أن يكون في المكان الذي حُدد له على طاولة التوقيع، في لحظة كان يفترض فيها أن تكون الدبلوماسية المغربية معنية بتفسير ما جرى للمغاربة قبل غيرهم. لذلك، لم يكن الأمر، بالنسبة إلى كثيرين، مجرد توقيع على اتفاق دبلوماسي، وإنما صورة مكثفة لعلاقة أصبحت فيها السياسة الخارجية المغربية تُصنع في دوائر مغلقة، وربما خارجية، ثم يصل صداها إلى الداخل بعد أن يكون القرار قد اتخذ وانتهى الأمر.

 قرار يقع في مستوى آخر، أعلى من الأحزاب والحكومة والبرلمان، بل حتى خارج الحاجة إلى مخاطبة الرأي العام أو استمزاج موقفه

وما زاد من حدّة وقع القرار أنه جاء قبل أيام من الانتخابات، بما جعله يبدو منفصلاً عن المزاج الانتخابي وعن النقاش الذي يفترض أن تخوضه الأحزاب أمام الناخبين، ما دفع حتى الأحزاب القليلة التي تجرؤ على معارضة بعض القرارات التي تأتي من فوق إلى ابتلاع ألسنتها، في لحظة كان ينتظر منها أن تتبنّى موقفاً انتخابياً حازماً بشأن قرار بهذا الحجم. وبذلك وجد المواطن المغربي نفسه أمام قرار اتُخذ باسمه من دون استشارته، من دون أن يكون موضوعاً للنقاش الانتخابي الذي يفترض أن يمنح الناخبين إمكانية إبداء رأيهم حول القضايا الكبرى التي تهمهم. وهو ما ترجمه الغضب الشعبي الذي لم يتأخر على وسائل التواصل الاجتماعي، وعبّر عن إحساس بالإهانة والاحتقار والإذلال، وعن تحدٍّ للإرادة الشعبية الرافضة كل أشكال التطبيع مع عدو صهيوني مجرم.

واللافت ليس القرار نفسه فقط، بل الطريقة التي جرى بها تقديمه، وكأن الأمر يتعلق بسيرورة طبيعية لما سبق أن تقرّر منذ توقيع الإعلان المغربي الأميركي الإسرائيلي استئناف العلاقات بين الرباط وتل أبيب، في ديسمبر/ كانون الأول 1920، والذي قايض التطبيع بدعم أميركي للموقف المغربي من قضية الصحراء. ومنذ ذلك الوقت، ظلت آلة التطبيع تتحرك في اتجاه واحد، من استئناف العلاقات إلى التعاون الأمني والاستخباري والعسكري والاقتصادي، وصولاً اليوم إلى السفارات وتبادل السفراء والرحلات الجوية المباشرة واتفاقيات الاستثمار ومنع الازدواج الضريبي، وربما غداً إلى ما هو أنكى وأفظع!

ليس مهماً أن يأتي قرار بهذا الحجم وهذه الحساسية في لحظة تستعد فيها البلاد لإجراء انتخابات تشريعية، من دون أن تجد الأحزاب والبرلمان والرأي العام مكاناً حقيقياً للنقاش حوله، فهذا أمر واقع أصبح مفروضاً، يتجاوز موضوع التطبيع نفسه ليلامس طبيعة النظام السياسي في المغرب، الذي تتجاوز سلطاته حدود ما يمكن أن تقرّره انتخابات شكلية لا تتيح للمتنافسين فيها مناقشة ملفات استراتيجية يُقرّر فيها خارج المؤسّسات المنتخبة، وبالأحرى انتقادها أو معارضتها. لذلك السؤال ليس ما إذا كان النظام في المغرب قد قرّر توسيع علاقاته مع إسرائيل، فهذا أصبح معلناً، وإنما كيف يمكن لنظام يترأس عاهله لجنة القدس، وتتبنى دبلوماسيته مواقف رسمية تدعي الدفاع عن القضية الفلسطينية، أن يعزّز علاقاته الدبلوماسية مع كيان متهم بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، في وقت تستمر فيه الإبادة الجماعية في غزّة وحملات التطهير العرقي والتهجير القسري في الضفة الغربية، وفي وقت يعيش فيه نظام الأبارتهايد الصهيوني عزلة دولية متنامية في جميع أنحاء العالم؟!

يدخل المغرب انتخابات جديدة فيما واحدة من أكثر قضاياه الخارجية إثارة للجدل شعبياً تُحسم بعيداً عن صناديق الاقتراع

قد يكون من السهل تفسير ذلك كله باعتباره امتداداً لسياسة الدولة الخارجية واستجابة للإكراهات المفروضة عليها من قوى دولية كبيرة، وهي الحجة التي عبّر عنها متصهينون مغاربة، باعتبار أن السياسة الخارجية المغربية تتحرّك وفق حسابات استراتيجية تتجاوز الزمنين، الحكومي والانتخابي، حتى لا يقولوا إن الأمر يتعلق بقرار اتخذه الملك، لأنه وحده القادر على فرض مثل هذا القرار في وقت حساس داخل المغرب وخارجه، على شعبه، حتى من دون العودة إلى أخباره، وبالأحرى استشارته، قبل أيام من اقتراع يفترض أنه مناسبة لتجديد الشرعية السياسية للمؤسسات المنتخبة!

أما القول إن المغرب تعرّض لضغط هائل دفعه إلى هذه الخطوة، فيظل استنتاجاً سياسياً يحتاج إلى أدلة، لا حقيقة يمكن الجزم بها. المؤكد أن الاتفاق جاء في إطار ثلاثي برعاية أميركية، وأن واشنطن كانت حاضرة في هندسة المسار منذ بدايته، وأن الخطوة الجديدة تزامنت مع تجديد الدعم الأميركي للموقف المغربي من الصحراء، وما عدا هذا يبقى في منطقة التكهنات التي لن تبددها صورة وزير الخارجية الذي ظهر صامتاً مطأطئ الرأس، كما لو كان “رهينة” اختطفتها عصابة وأجبرته على التوقيع على صفقة مقايضته.

المفارقة الكبرى في أن المغرب يدخل انتخابات جديدة فيما واحدة من أكثر قضاياه الخارجية إثارة للجدل شعبياً تُحسم بعيداً عن صناديق الاقتراع، لتصل إلى الناخب في صورة قرار جاهز، وليست موضوعاً للاختيار. وهكذا يبدو أن الانتخابات تستطيع تغيير الوجوه داخل المؤسّسات، لكنها لا تستطيع بالضرورة الاقتراب من كل القرارات التي تحدّد سياسات الدولة الاستراتيجية، حتى عندما تكون تلك القرارات محل خلاف واضح داخل المجتمع، بل موضوع إجماع شعبي كبير وصارخ، تعبّر عنه المسيرات والوقفات والاحتجاجات الكبيرة التي لم تتوقف طوال ست سنوات من الرفض الشعبي للتطبيع، ما يفرض السؤال الوجودي، كما يقول الفلاسفة: ما الجدوى إذن من انتخاباتٍ كهذه؟!

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى