
ما زلنا، كما نصَّ الإعلان الدستوري، ضمن مرحلة انتقالية تمتد خمس سنوات، وما زلنا نراوح في المكان ذاته بعد مرور نحو عامين على إمساك السلطة الانتقالية القائمة بزمام السلطة، عقب سقوط النظام القمعي البائد. وهنا يبرز سؤال مشروع لدى شعبنا، ولا سيما لدى المهتمين بالشأن السياسي: هل نحن على طريق انتقال سياسي فعلي وحقيقي، أم أننا نسير في مسار تثبيت أركان السلطة القائمة؟
وهل نحن أمام مناخات حقيقية للحرية، أم أمام وهم الحرية الذي يمنح الناس شعورًا بحرية التعبير والاختيار، بينما تُصادَر إرادتهم فعليًا، ويُقدَّم هامش الحرية باعتباره امتيازًا تمنحه السلطة، لا حقًّا مشروعًا يكفله الدستور والقانون؟ وفي هذه الحالة تصبح السلطة، في نهاية المطاف، الخصم والحَكَم، ونكون أمام إعادة إنتاج شكلٍ آخر من الاستبداد.
وهل يمكن أن تتجسّد الحرية من دون نظام حكم ديمقراطي يرسّخ قيمها من خلال مؤسسات تحميها وتصونها؟
إن الانتقال السياسي لا يبدأ في الأشهر الأخيرة من المرحلة الانتقالية، وإنما يبدأ منذ الأشهر الأولى، بوضع الأساسات التأسيسية مرحلةً بعد أخرى، بحيث تكتمل مع نهاية المرحلة الانتقالية الإجراءات اللازمة للانتقال السلس إلى مرحلة الاستقرار، عبر انتخابات برلمانية ورئاسية، بعد عمل دؤوب خلال المرحلة الانتقالية في التأسيس الاقتصادي والعمراني والقانوني لمنظومة العلاقات السياسية والاقتصادية والتشريعية والدستورية، التي لا بد منها للانتقال إلى دولة القانون التي تصون الحرية والكرامة الإنسانية.
ومن الواضح حتى الآن أنه لا توجد مؤشرات ملموسة على انتهاج السلطة القائمة مسارًا واضحًا أو خارطة طريق معلنة لإنجاز الدستور الدائم للبلاد من خلال هيئة تأسيسية منتخبة، كما لا تبدو في الأفق بوادر واضحة للبحث في إنجاز قانون انتخابات عام يمهّد لأي انتخابات قادمة.
وفوق ذلك كله، تهيمن الضبابية وعدم الشفافية على المسار السياسي للحكومة، مع غياب الوضوح بشأن الشكل السياسي أو شكل النظام السياسي الذي تتبناه السلطة الحالية وينبغي الارتكاز إليه في المراحل القادمة.
ويضاف إلى ذلك الغموض الذي يكتنف أي حديث عن قانون للأحزاب، حيث يجري ربطه بظروف المرحلة الحالية، المحلية والإقليمية والدولية، وبالحروب الدائرة في المنطقة، وبالقول إن الظروف لم تنضج بعد لتأسيس حياة حزبية، أو أن البيئة الداخلية لا تزال غير مؤهلة للعمل الحزبي، وأن الأولوية الآن هي للاستقرار وتثبيت أركان الدولة.
وبذلك يصبح الحديث عن قانون الأحزاب، والتحضير للدستور، والإعداد للقانون الانتخابي، وقانون الإدارة المحلية، وإجراء التعديلات اللازمة على القوانين السابقة أو إلغائها، وإعادة تنظيمها بما يخرجها من حالة التكرار والتعارض والتصادم، وكأنها مجرد تفاصيل ثانوية، وليست جزءًا أساسيًا من عملية الانتقال السياسي الديمقراطي.
الاستقرار لا ينفصل عن بناء الدولة :
ما يظهر حتى الآن من سلوك السلطة الانتقالية أن أولوياتها تتجه نحو تثبيت السلطة وإعادة تشكيل مؤسسات الدولة وفق رؤية تقوم، في بعض جوانبها، على العشوائية والانتقائية، بما يضمن الولاء أكثر مما يعتمد على الكفاءات والخبرات.
وفي الجانب الاقتصادي، يجري الاتجاه نحو إطلاق السوق الحر في ظروف دولة خارجة من حرب عصفت بكل مقدراتها المادية والمعنوية، وفي ظل واقع معيشي يضع قطاعات واسعة من السوريين تحت خط الفقر.
وفي الوقت نفسه، يتجه الاهتمام نحو العلاقات الخارجية وتحسينها والارتباط بها، في حين أن ترميم البيت الداخلي ووضع الأسس التي تضمن تماسكه يجب أن يحظى بالأولوية، بالتوازي مع تجسير العلاقات الخارجية وتعزيزها.
لا شك أن الاستقرار واستتباب الأمن والأمان أمران مهمان في المراحل الانتقالية، لكنهما لا يتحققان بصورة مستدامة ما لم يتأسسا ضمن مشروع واضح لبناء الدولة، وتحديد طبيعة النظام السياسي وبنيته، وتشكيل مؤسسات الدولة على أساس إطار سياسي وقانوني واضح.
فالاستقرار ليس مجرد غياب الاضطراب الأمني، وإنما هو نتيجة لبناء دولة قادرة على تنظيم الاختلاف، وحماية الحقوق، وضمان المشاركة، وتطبيق القانون على الجميع.
الانتقال السياسي يبدأ من اليوم الأول :
للوصول إلى مرحلة الاستقرار بعد انتهاء المرحلة الانتقالية، لا بد أن تبدأ إجراءات الانتقال السياسي منذ بداية المرحلة الانتقالية، وليس في نهايتها.
فالدخول في العملية الانتخابية في نهاية المرحلة الانتقالية، من دون وضع الأسس القانونية والتحضير المبكر لها، سيحوّل الانتخابات إلى عملية فلكلورية شكلية، قد تعيد إنتاج أصحاب الولاءات على حساب الكفاءات والتمثيل الحقيقي للمجتمع.
ومن شأن هذا المسار أن يعرقل الوصول إلى نهاية المرحلة الانتقالية، وربما يفتح الباب أمام تمديدها، نتيجة غياب التحضير والتنظيم الذي يفترض أن يستند إلى جدول زمني واضح ومعلن للانتقال السياسي.
فالانتخابات ليست صندوق اقتراع فقط، وإنما هي منظومة متكاملة تبدأ بالقانون الانتخابي، وتمر بتحديد الدوائر وآليات التمثيل، وحرية تشكيل الأحزاب والقوائم السياسية، وضمان المنافسة العادلة، وتنتهي بانتخابات ذات مصداقية تعكس الإرادة الشعبية.
الشعب السوري لم يناضل من أجل استبدال مجرد سلطة جديدة ، ولم يخض نضالًا دفع من حياته ومستقبله أثمانًا باهظة من أجل استبدال سلطة بأخرى، ولا استبدال أشخاص بأشخاص، ولا إقامة انتخابات ومجالس تُفرَض عليه فرضًا، لينتهي الأمر بانتخابات بلا كتل سياسية، وبرلمان بلا كتل برلمانية.
ولا يمكن أن تكون الغاية من التغيير مجرد إعادة إنتاج مؤسسات لا تستند إلى تمثيل سياسي واجتماعي حقيقي، بحيث يصبح أعضاء البرلمان، كما هو الحال الآن في مجلس الشعب، ممثلين لأنفسهم وأشخاصهم، من دون أن تكون وراءهم أرضية شعبية وسياسية وازنة.
كما أن المواطنين السوريين لم يفقدوا أحباءهم قتلًا وتغييبًا وتهجيرًا، ولم يدفعوا أثمانًا باهظة من حاضرهم ومستقبل أبنائهم، من أجل تغيير بلا معنى، أو تغيير لا ينعكس على حياتهم وحقوقهم ومستقبل أجيالهم.
إن جوهر التغيير لا يكمن في تغيير الأشخاص فحسب، وإنما في تغيير قواعد إدارة الدولة، وبناء مؤسسات تستند إلى الشرعية الشعبية، وسيادة القانون، والمساءلة، والمشاركة، وتكافؤ الفرص.
نحو انتقال سياسي حقيقي :
في ظل هذا الاستعصاء السياسي والاقتصادي، لا بد من وحدة القوى السياسية والمجتمعية، والعمل المشترك من أجل الدفع والضغط باتجاه انتقال سياسي حقيقي قبل فوات الأوان؛ انتقال يقوم على بناء نظام ديمقراطي يكفل الحرية، ويرسي دعائم المواطنة المتساوية لجميع السوريين.
ولا مناص من العودة إلى طرح ضرورة عقد مؤتمر وطني عام وشامل، يقوم بعملية محاسبة منهجية وتقييم شامل لمسار المرحلة الانتقالية، وفق قواعد الحوكمة الرشيدة، ويحدد مواطن الضعف والقوة في عملية بناء الدولة، والفرص المتاحة وسبل استثمارها، وفق خطط مرحلية واستراتيجية.
ويفترض أن يضع هذا المؤتمر آليات عملية وواقعية لما تبقى من المرحلة الانتقالية، بما يؤسس لبناء سورية الجديدة، دولةً حديثة تقوم على القواعد الديمقراطية التداولية والتشاركية، وعلى العدالة والمساواة وسيادة القانون.
إن المرحلة الانتقالية ليست فترة زمنية تُستهلك بانتظار نهايتها، وليست مجرد انتقال للسلطة من يد إلى أخرى، وإنما هي مرحلة تأسيسية تُبنى خلالها القواعد التي ستحدد شكل الدولة ومستقبلها.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: متى تنتهي المرحلة الانتقالية؟ بل: ماذا أنجزنا خلالها، وما الدولة التي نريد الوصول إليها عند نهايتها؟
فإذا لم يبدأ بناء الدولة الديمقراطية اليوم، فلن تصنع نهاية المرحلة الانتقالية وحدها دولةً ديمقراطية، ولن تكون الانتخابات وحدها كافية لبناء نظام سياسي مستقر، ما لم تسبقها القوانين والمؤسسات والضمانات التي تجعل من إرادة المواطنين مصدرًا حقيقيًا للشرعية، ومن دولة القانون أساسًا للحياة السياسية الجديدة.






