قلق حيال الانتخابات الرئاسية الفرنسية

راتب شعبو

في وصف المشهد السياسي الانتخابي في فرنسا خلال العقد الماضي، يمكن القول إن كتلة انتخابية كبيرة تشكلت حول المرشح الرئاسي الوسطي إيمانويل ماكرون 2017، على حساب الكتلتين التقليديتين، اليسار الاشتراكي (PS) واليمين الجمهوري (LR). صحيح أن ولاية الاشتراكي فرانسوا هولاند (2012-2017)، ساهمت في ذلك، بسبب فشلها في تحقيق وعودها، ما جعل هولاند يعزف عن الترشح لولاية ثانية، وهو ما أضعف تماسك الحزب الاشتراكي، وصحيحٌ أن فضيحة الفساد التي أثقلت كاهل المرشح الجمهوري فرانسوا فيون الذي كان الأوفر حظاً في رئاسيات 2017، أطفأت أمل الجمهوريين الذين حاولوا، بسبب الفضيحة، تغيير مرشّحهم في معمعة السباق، الأمر الذي ساهم في زعزعة مكانة الجمهوريين في الرئاسية التالية، فحصدت مرشحتهم أقل من عتبة الـ5%. إلا أن الأهم في تآكل شعبية الحزبين، بحث الفرنسيين عن جديدٍ يحمل أملاً بالتغيير، وهو ما انتظره الفرنسيون من التيار الجديد الذي سمى نفسه “الجمهورية إلى الأمام”.

هكذا شهدنا في فرنسا، في العقد المنصرم، عرضاً مثيراً في سرعة التحول وحدّة الانحراف، قدمته حركة الكتل الانتخابية. في رئاسية 2017، تدنّت نتيجة المرشح الاشتراكي بونوا آمون إلى أقل من 6.4% من الأصوات، ثم تدنّت هذه النسبة إلى لا شيء تقريباً، في رئاسية 2022 مع آن إدالغو 1.75%. وانهارت الكتلة الانتخابية للمرشّح الرئاسي الجمهوري بين رئاسيات 2017 و2022، من 20% (فرانسوا فيون) إلى أقل من 5% (فاليري بيكريس). أي إن مجموع الكتلة الانتخابية للحزبين التقليديين معاً هبط بصورة حادة بين رئاسيتين، من 26%، وهي نسبة متواضعة أصلاً، إلى 6.5%.

تولّد انزياح انتخابي باتجاه وسط غير مُعرَّف إلا بالسلب (لا يمين ولا يسار). قلب هذا الانزياح النظام الحزبي المستقر نسبياً منذ بداية الجمهورية الخامسة (1958)، وشمل ليس فقط الجمهور الانتخابي، بل والقادة أيضاً، فقد ضم الفريق السياسي للرئيس ماكرون قادة سياسيين جاؤوا من الحزبين التقليديين. لكن هذه الحركة الماكرونية “الانقلابية” لم تؤسّس لاستقرار جديد، بل كانت مرحلة مؤقتة تمهد لاستقطاب فرنسي “متطرّف” على حساب الكتلة الوسطية نفسها التي رفعت ماكرون، وبدأت تفقد الكثير من وزنها اليوم، ليس لمصلحة العودة إلى الأحزاب التقليدية، بل لمصلحة ما يعرف في الصحافة الفرنسية باليمين المتطرف المتمثل بحزب التجمّع القومي (RN)، واليسار الراديكالي المتمثل بحزب فرنسا الأبية (LFI)، ولا سيما لمصلحة الأول الذي قفز عدد نوابه، بصورة مذهلة، من ثمانية نواب في الانتخابات التشريعية 2017 إلى 89 في انتخابات 2022.

اليمين الفرنسي، رغم ميله إلى اقتصاد السوق، يدافع أيضاً عن دور تدخلي للدولة

لا يخفى ميل المزاج العالمي وليس فقط الأوروبي باتجاه اليمين، الشيء الذي دفع الأحزاب التقليدية إلى مماشاة هذا الميل في برامجها الانتخابية عبر الاقتراب من أفكار اليمين المتطرّف وسياساته، وهو ما ساهم في توجه الناخب أكثر باتجاه اليمين المتطرّف بوصفه أصل الأفكار التي راحت الأحزاب الأخرى تقلدها. يفسّر هذا جزئياً فوز حزب البديل اليميني المتطرّف في مقاطعة ساكسونيا-أنهالت في ألمانيا، فانزياح الاتحاد الديمقراطي المسيحي إلى اليمين لمجاراة المزاج العام، زاد في مقبولية طروحات “البديل” وكأنه اعتراف بصحتها.

على العكس، كان تعامل مارين لوبين مع الفقاعة السياسية التي برزت على يمينها ومثّلها اليميني العنصري إيريك زيمور في رئاسيات 2022، فبدلاً من منافسته في التطرّف العنصري، وقد بدا أن له سوقاً مغرية حينها (حصل زيمور في الدورة الأولى منها على أكثر من 7% من الأصوات متفوّقاً على مرشحي الاشتراكي والجمهوري) اتجهت لوبين إلى الاعتدال بالأحرى، وبذلك كرّست حضوراً سياسياً أكثر موثوقية واتساعاً. يمكن قول الشيء نفسه في الصعود القوي لزعيم فرنسا الأبية، جان لوك ميلانشون الذي نجح في بلورة نزوع معاكس للنزوع اليميني الهوياتي الطاغي وذي الشعبية، بدلاً من الخضوع له والتماشي معه، فراح يدعو إلى فرنسا الملونة والتعدّدية التي تستوعب الأجيال والمهاجرين في عملية دمج مستمرة ومتبادلة بين ثقافات وخلفيات متنوعة، في وجه دعوة اليمين الهوياتي إلى “فرنسا الفرنسية” القائمة على التجانس الإثني الثقافي والمسيحي.

الاستقطاب الذي تعيشه فرنسا اليوم يجعل من الانتخابات الرئاسية المقبلة بالغة الحساسية

في السباق الرئاسي الفرنسي اليوم، يمكن تحديد أربعة محاور أساسية هي الاقتصاد (بين الليبرالية وتدخل الدولة والرعاية الاجتماعية)، وأوروبا (التكامل الأوروبي مقابل السيادة القومية)، والبيئة (ولا سيما بعد ارتفاع الحرارة غير المسبوق والحرائق الهائلة) ثم الهوية (الهجرة والإسلام السياسي). يبدو لنا أن المحور الأخير يمثل نقطة تفاصل مهمّة، ذلك أن موضوع الهوية هو الأكثر حدّة وحساسية، وهو الموضوع الذي يُخشى في فرنسا أن يكون سبباً في أزمة سياسية واجتماعية، أو حتى حرب أهلية، بحسب بعضهم، في حال فوز التجمّع القومي أو فرنسا الأبية. رغم الخلافات العديدة بين الأطراف، في ما يخصّ المحاور الأخرى، إلا أنها تبقى خلافات أقل انفجارية. الواقع أن اليمين الفرنسي، رغم ميله إلى اقتصاد السوق، يدافع أيضاً عن دور تدخلي للدولة. العدالة الاجتماعية وحماية القدرة الشرائية والسكن والصحة … لها وجود في مفردات اليمين الفرنسي بما في ذلك التجمع القومي الذي تراجع أيضاً عن رفضه للاتحاد الأوروبي ولليورو.

الاستقطاب الذي تعيشه فرنسا اليوم يجعل من الانتخابات الرئاسية المقبلة بالغة الحساسية، لأن الخط الفاصل الأهم في هذا الاستقطاب هو الخط الهوياتي الذي يفصل بين الطرفين الأكثر شعبية، حسب آخر استطلاعات الرأي. هذا ما يفسّر أنه في استطلاعات الرأي عبّر 59% من المستطلعين عن القلق، مقابل 38% قبل انتخابات 2022. حساسية اللحظة تكمن في الصراع الذي لا يقبل تسوية بين سعيٍ إلى نكوص هوياتي مستحيل عملياً، إلى فرنسا فرنسية، يمثله اليمين المتطرّف، وبين انفتاح استيعابي للتنوع القائم واقعياً، ويمثله أساساً “فرنسا الأبية”. الخيار الهوياتي اليميني سيجد نفسه أمام مهمة تشبه حملة الترحيل التي تقوم بها إدارة ترامب حالياً في أميركا، وهو ما لا تحتمله فرنسا. والخيار اليساري سيواجه، على الأرجح، ردود فعل غير متقبلة لا ندري مدى شدّتها، ومن هنا يأتي القلق الفرنسي الراهن حيال الانتخابات الرئاسية المقبلة.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى