التعافي من الصراع الاجتماعي في سوريا الجديدة

  عبد الرحيم خليفة

يكشف تكرار حوادث الاقتتال والعنف والنزاع الاجتماعي في العديد من المناطق والمحافظات السورية عن خطر آخر يهدد الأمن والاستقرار المجتمعي والسلم الأهلي، ولا يقل خطورة وأهمية عن سواه من التحديات والأخطار التي تواجهنا في إطار إعادة بناء المجتمع والدولة معاً في مرحلة ما بعد الأسد.

وترتبط هذه الصراعات، في تفجّرها واتساعها، ارتباطاً وثيقاً بأجواء مرحلة ما بعد التحرير وإعادة بناء الدولة، إذ يشعر أبناء مختلف المناطق والقرى والأحياء بأجواء من الحرية والانفتاح تتيح لهم التعبير عن ذواتهم المكبوتة، وعن مظلوميات تاريخية متراكمة، أو عن مشاعر الغبن والتهميش، فيما يشعر بعضهم بالتميّز والاختلاف عن الآخرين.

وقد ظلت هذه المشاعر لعقود طويلة تعتمل تحت السطح نتيجة الاستبداد والطغيان والقهر، وهذا كله ناتج عن ضعف الوعي الاجتماعي وغياب ثقافة القانون والولاء للدولة، وهو ما يتطلب اليوم جهوداً جبارة للتخلص من هذه الإرث، تشترك فيها مؤسسات الدولة ومنظمات المجتمعين المدني والأهلي.

فمنذ ما قبل الثورة العظيمة في آذار 2011 بكثير، كانت هناك مظاهر كثيرة للفرقة والانقسام، بل وللنزاع المجتمعي، ولعل أخطرها كان ولا يزال ذلك القائم على أبعاد هوياتية. ولم يسعَ النظام المخلوع إلى حل هذه المشكلات وتجاوزها بالقدر الكافي من الجدية والاهتمام، بل عمل على إدارتها بما يحقق مصالحه الخاصة في ديمومته واستمراره وتوطيد أركان حكمه، وانفجرت هذه التراكمات كلها، ومرة واحدة، اليوم، بأشكال وتعبيرات مختلفة.

لا تقل أهمية معالجة جذور هذه المشكلات وحلها عن جهود معالجة الأزمات المتعلقة بإعادة البناء والتعافي في جوانبها الاقتصادية والأمنية والسياسية، لأن الخراب طال كل شيء، كما أن جزءاً من منظومات الفساد الأخلاقي والتربوي والاجتماعي التي كانت قائمة وثيق الصلة بما يحصل هنا وهناك من نزاعات واقتتال بشكل بدائي، وهي قضايا تستنزف جهود الدولة وطاقاتها في غير مكانها وموضعها.

ولعله من المهم جداً، في هذا السياق، معالجة جذور العنف الذي يلجأ إليه المتخاصمون بسرعة كبيرة، واتساعه أفقياً وعمودياً، بحيث يتجاوز الاقتتال والنزاع إلى القتل والحرق، ويحدث ذلك كله في ظل انتشار السلاح خارج القانون، كتحصيل حاصل لواقع تاريخي زادت من حدته سنوات الثورة، التي فرضت على المجتمع اللجوء إلى السلاح للدفاع عن ذاته ووجوده المهدد بالاقتلاع والموت.

إن غياب ثقافة المواطنة وعدم تبلور هوية وطنية جامعة طوال العقود الماضية، وحتى منذ الاستقلال، وتضخم الهويات البديلة الفرعية، “القاتلة” بحسب أمين معلوف، وتحولها إلى عصبية مغلقة تواجه الهويات الأخرى، وطبع السلوك العام للفرد بها، كلها عوامل أسهمت في تكريس هذا الواقع.

إن هذه الهويات أو الانتماءات، ما دون الوطنية والبديلة عن الانتماء الوطني الجامع، تطفو على السطح بين الفينة والأخرى، وتقود إلى العنف والاقتتال، وحتى التنمر ومحاولات إضفاء قدر كبير من التميّز والاستعلاء والفوقية لبعض أبناء بعض المناطق على مناطق أخرى. وهي تقف وراء جانب كبير من هذا العنف الخارج عن نطاق العقل والقانون معاً.

وثمة أمر آخر وثيق الصلة بكل ذلك، هو غياب القانون الذي يحمي ويساوي بين الجميع، وتكريس العدالة بمعانيها المختلفة على صعيد الأفراد والجماعات والمناطق، بما يتجاوز عدالة القضاء والمحاسبة إلى العدالة في التنمية وتوزيع الثروة والخدمات وإتاحة الفرص لجميع مستحقيها.

إن كل هذه الإفرازات المرضية تتطلب جهوداً كبيرة لمعالجتها والتخلص منها، عاجلة وعلى المديين المتوسط والبعيد، لأنها تمثل تهديداً حقيقياً لكل الجهود الجبارة التي تُبذل في مجالات أخرى للتعافي وإعادة البناء والنهوض.

من نافل القول أن ذلك يتطلب إصلاحاً في مؤسسات التربية والتعليم، ومؤسسات القضاء والتشريع، وبث ثقافة عامة عبر وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، والمراكز الثقافية، والمؤسسات الدينية، وكل دور العبادة، وخصوصاً المساجد.

ومن المهم اليوم عدم معالجة كل هذا الإرث الثقيل بأدوات الماضي وبالأساليب السابقة ذاتها، لأن ذلك سيؤدي إلى النتائج والخلاصات ذاتها التي لم تنفع، وهذا كله لن يكون إلا بشكل تراكمي، وربما يحتاج إلى سنوات طويلة، لكن الأساس هو ألا تتم المعالجة بأساليب الترقيع العاجل التي تحمل معها بذور التجدد والنمو مستقبلاً، وبشكل أكثر ضرراً، وربما بحروب أكثر عنفاً تصل إلى حد المطالبات بالانفصال والتقسيم، وهو ما سمعناه قبل التحرير من بعض الأصوات والنخب في بعض المناطق التي لها هوياتها الخاصة المزعومة.

مشوار التعافي صعب وطويل، ولكنه يبدأ بخطوة أو خطوات، والبداية تكون في التشخيص السليم لإقامة مجتمع معافى من كل الأمراض التي تهدده بمختلف الشرور والآثام.

 

المصدر: صحيفة الثورة السورية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى