
لا يبدو أن إمكانية توقيع الاتفاق الأمني المفترض بين سوريا وإسرائيل بات قريباً، رغم كل ما يقال عن احتمالات إعادة المفاوضات البينية إلى ما وصلت إليه في باريس، وبالرغم من أن هناك ضغوطاً أميركية على (بنيامين نتنياهو) رئيس الحكومة الإسرائيلية، من أجل حل الإشكالات العالقة بين الطرفين السوري والإسرائيلي، والتوصل إلى اتفاق أمني جديد، أو على الأقل التوافق على تحديث للاتفاق الأمني الموقع بين المجرم حافظ الأسد وإسرائيل عام 1974. والذي سبق وأن أهالت إسرائيل عليه التراب، منذ سقوط نظام الأسد، وفرار رأس النظام الفاشي بشار الأسد إلى موسكو.
ثم تابعت إسرائيل ذلك باحتلال المنطقة العازلة كلها، وزادت عليها ببعض مما حولها من أراضي سورية، وراحت تقصف المطارات السورية، وكل أماكن تواجد الترسانة العسكرية من السلاح، التي كان يمتلكها نظام الأسد، حتى قيل إن نسبة الدمار الذي خلفه ذلك القصف في سورية فاقت عتبة الـ 80 بالمئة في أقل تقدير.
اليوم هناك وبعد القصف الذي حصل على مطار (أبو الضهور) وهو الفارغ من العتاد، وما جاء بعده من لقاء جمع وزير الخارجية أسعد الشيباني والوفد المرافق مع المسؤول الأمني الكبير لدى إسرائيل في الأردن. هناك محاولات باتجاه متابعة المفاوضات بين سوريا وإسرائيل، لكن ذلك لا يؤشر أبداً إلى احتمالات جدية إسرائيلية في تجاوز العقبات التي توقفت المفاوضات البينية عندها في السابق، وحالت في حينها دون الوصول إلى التفاهم المفترض.
وإذا كانت إسرائيل في ذلك الوقت، وقبل أن تبدأ الحرب مع إيران تعنتت ولم توافق على الاتفاق بعد أن وصل إلى نهاياته، ووضعت أمامه الكثير من العقبات، فكيف توافق اليوم، بعد كل تلك المياه التي جرت تحت الجسر، وفي وقت تشعر فيه إسرائيل أنها باتت منتصرة في الشرق الأوسط، عبر حروبها ضد شعب قطاع غزة، ثم في حربها على لبنان، وكذلك مع إيران، ويزداد (بنيامين نتنياهو) انتفاخاً، وهو الذي يرى أن ليس هناك من قوة في المنطقة العربية تجاريه، بامتلاك القوة، وفرط القوة المتنامي باستمرار لدى إسرائيل.
وأن الدعم الأميركي له غير المحدود، باق ومستمر صعوداً، وأن ملامح شرق أوسط جديد على قد ومقاس (نتنياهو) بات واقعاً ملموساً، ولا أحد يمكن أن يقض مضجعه أو يعوق صعوده، في ظل غياب أي مشروع عربي قوي وجدي لمناهضة إسرائيل.
علاوة على أن ما يتحرك باتجاهه (بنيامين نتنياهو) اليوم ليس سلاماً، أو تهدئة طويلة الأمد مع أي من الجهات العربية التي يعاديها، بل هو يعمل على استمرار المزيد من العربدة والتنمر والصلف والعدوان، وهو ما يفعله في الواقع الملموس في جنوب لبنان، وكذلك ضد أهل وشعب قطاع غزة، وأيضاً في الضفة الغربية، حيث يستبيحها يومياً، دون قدرة لأحد على إيقافه أو ثنيه عما يفعل من اعتقال وقتل وسيطرة على الأراضي الفلسطينية.
ومن ثم استمرار التعديات على الأراضي السورية بين الفينة والأخرى، وهو ما يريده (بنيامين نتنياهو) استثماراً في صندوق الانتخابات القادمة في إسرائيل، والتي باتت قريبة جداً، وهو الذي يرى أن اليمين المتطرف والليكود معه، يهمهم كثيراً التشدد الذي يمارسه، والعنف ضد العرب، الذي يقوم به في كل مكان، ضمن المحيط الإقليمي، وهذا ما يمكن أن ينعكس إيجاباً لصالحه على نتائج صناديق الانتخابات الإسرائيلية وتعويماً جديداً لنتنياهو وتحالفاته، بعد أن أظهرت استطلاعات الرأي في إسرائيل تراجعاً نسبياً في شعبية نتنياهو ومجموعته.
لذلك فإن توجهات (بنيامين نتنياهو) لا يمكن وفق ذلك، ووفق صلفه وعربدته، إلا أن تكون عبر المفاوضات بالنار والحسم العسكري والعدوان، وهذا ما يفعله سواء في سوريا أم خارجها.
ولعل التدخل واللعب في الورقة الطائفية، أو ورقة الأقليات في الجنوب السوري، هي بعض من سياساته المنفلتة من كل عقال، والذاهبة باتجاه الهيمنة والتغول على المنطقة العربية. وإذا كان هناك من اتفاق أمنى قادم بالنسبة للإسرائيليين مع سورية، فهو لا يمكن أن يقبله الإسرائيليون إلا لصالحهم، إذ إنه لا جدية أميركية مطلقاً في الدفع باتجاه تحصيل المزيد من إسرائيل، ولأن حكومة نتنياهو ترى نفسها الآن قوية ومدعومة أميركياً.
كما أن الإدارة الأميركية اليوم تريد موقفاً داعماً لها من قبل اللوبي الصهيوني في أميركا، قبل الانتخابات النصفية الأميركية للكونغرس، المهمة جداً بالنسبة للرئيس الأميركي (دونالد ترامب)، وبالتالي ليس من صالح الإدارة الأميركية أن تمارس المزيد من الضغط على نتنياهو والحكومة الإسرائيلية، ومن ثم خسارة الكثير من دعم اللوبي اليهودي في أميركا، بالإضافة إلى أن الاستراتيجيات الأميركية دائماً قائمة على أن ما يسمى بالأمن القومي الإسرائيلي هو الأولى والأهم، حماية ودعماً، من أي أمن إقليمي آخر.
كل المعطيات في المشهد السوري تشير إلى أن إمكانية التوقيع على اتفاقات أمنية جديدة بين سوريا وإسرائيل صعبة جداً، كما أن موضوع السلام الدائم والشامل ليس في المتناول حالياً، باعتبار أن إسرائيل وضمن هذه الظروف لا يمكن أن تتنازل عن أراضي احتلتها عام 1967، وهي التي تدرك أن ترامب في ولايته الأولى قد اعترف بسيطرة إسرائيل عليها.
كما أن الحكومة السورية اليوم لا يمكنها التوقيع على اتفاق سلام دائم مع إسرائيل دون الجولان كاملاً المحتل عام 1967. لذلك فإن المعول عليه اليوم هو فقط اتفاق أمني مؤقت وليس دائماً، تريده سوريا كي تتفرغ لعملية البناء والتعافي وإعادة الإعمار، والتعاطي مع تحديات كثيرة وكبيرة، وهي غير ممكنة، في ظل التعديات الإسرائيلية المستمرة على الأراضي السورية، حيث تريد سورية اليوم الاتفاق الأمني، لكن ليس أي اتفاق بل اتفاق يحترم السيادة السورية ويحافظ على الأرض والكرامة.
المصدر: صحيفة الثورة السورية






