
أهم رأسمال سياسي للعهد الجديد ليس الدعم الدولي، فقد علمتنا التجارب أن الدول الكبرى التي دعمت كثيرا من الأنظمة السياسية انقلبت عليها بأقل من لمح البصر وفقا لمصالحها السياسية والاقتصادية، هل من حاجة لضرب الأمثلة على ذلك؟
في الواقع هناك الكثير من الأمثلة: من نورييغا رئيس بنما السابق الذي كان ذا صلة وثيقة بالاستخبارات الأمريكية ثم انتهى به الأمر سجينا لدى الولايات المتحدة بعد عملية عسكرية أدت لعزله واعتقاله. إلى طالبان التي دعمتها الولايات المتحدة في الحرب ضد الاتحاد السوفييتي عندما تدخل في أفغانستان ثم انقضت عليها وأزاحتها من السلطة .
لكن أوضح الأمثلة وأقواها هو مثال شاه ايران الذي كان يلقب بشرطي الخليج بدعم قوي من الولايات المتحدة التي تولت تدريب نظام استخباراته المشهور بالقسوة ” السافاك ” ثم تخلت عن الشاه بدون مقدمات ورفضت حتى لجوءه للولايات المتحدة .
يكفي ماسبق علما أنه ماتزال هناك أمثلة عديدة يمكن سوقها في هذا المجال .
أعود لصلب الموضوع , فرأسمال العهد الجديد السياسي في سورية ليس الدعم الدولي , ومن يراهن عليه كمن يراهن على سحابة عابرة في الصيف .
رأسمال العهد الجديد السياسي في سورية هو أساسا وقبل كل شيء في دعم غالبية الشعب السوري , والدول الكبرى تعرف ذلك وتدخله في حسابها .
ما أعتقده أن ثمة خلل في فهم تلك المعادلة شديدة الحساسية , فالشعب السوري الذي تعلق بهذا العهد وبالرئيس الشرع كما لم يتعلق برئيس من قبل , يعاني اليوم من ضائقة معيشية خانقة , ولم يعد يحتمل المزيد من تحميله أعباء فوق مايحتمل . وحين لايعود يجد المواطن مايسد به رمقه هو وعياله أو يشتري لهم حاجاتهم الضرورية أو يتمكن من دفع فاتورة الكهرباء التي تفوق دخله في كثير من الأحيان ثم فجأة يصحو على رفع لسعر المحروقات بنسبة 40% وهي نسبة لايمكن تبريرها بارتفاع سعر النفط العالمي أمام شعب واع كالشعب السوري يعرف جيدا كيف ارتفعت أسعار المحروقات في الدول المجاورة وحتى في دول الخليج الغنية فقد كان الارتفاع في إحدى الدول التي تربط سعر البنزين لديها بأسعار النفط العالمية حوالي 5% .
والحقيقة أنه قد تم رفع الدعم جزئيا أو كليا عن النفط المستورد لأجل احتواء العجز في الميزانية وتم اختيار التوقيت المناسب تحت حجة رفع سعر النفط العالمي .
لكن ماذا كانت النتيجة ؟
كانت النتيجة هبة شعبية لم يسبق لها مثيل منذ سقوط النظام , وحتى كتابة هذه السطور مازال الشارع يتفاعل ولايمكن القول إن الأزمة قد مرت وانتهى الأمر .
في السياسة لايوجد رصيد سياسي دائم , ومهما كان كبيرا فيمكن أن يهبط بفعل الأخطاء المتكررة .
رفع فاتورة الكهرباء كما تم كان خطأ , وجرى تجاوزه بصعوبة ومع رفع الرواتب , لكنه مازال يثقل كاهل أغلبية السوريين , أما رفع سعر المحروقات بنسبة 40% فخطأ أكبر من خطأ رفع سعر الكهرباء .
الفئات الشعبية التي تشكل 85% من السوريين ينبغي أن تكون خطا أحمر في ضمان الحد الأدنى من معيشتها .
اجتياز الخط الأحمر مغامرة شديدة الخطورة , فحين يجوع الناس تنتهي عند جوعهم كل السياسات .
أقول ذلك وأنا أشاهد كيف دخل الفلول والانفصاليون وكل أعداء الدولة السورية على الخط بلمح البصر , وصاروا يراهنون على فصل العهد الجديد عن قواعده الاجتماعية . البعض يحلمون بعودة النظام السابق وآخرون يحلمون بانهيار الدولة وتقسيم سورية .
لكن لا هذا ولا ذاك يمكن أن يحدث , والشعب السوري أكثر وعيا من أن يسمح بحدوثه مهما كان .
إنما آن الأوان ليدرك أصحاب القرار خطورة دفع الناس مكرهين للنزول للشوارع وقطع الطرقات وحرق دواليب السيارات ..الخ ..
ولو كنت أملك شيئا من الأمر لأشعلت للحكم الضوء الأحمر.






